هَل البُوذيّة دينٌ أمْ فلسَفة ؟ حوارٌ مَع الفيلسوف رُوجيه بولْ دْرْوَا

 

ترجمة: محمد الهلالي

تقديم:

من الملاحظ أن الفلسفات الشرقية غائبة في الفكر الأوروبي إلى حد يدعو إلى الاعتقاد أنه لم يكن لها وجود أصلا. فهي لا تحضر إلا في بعض الحلقات الدراسية المخصصة للمتخصصين. فما دلالة هذا الصمت حيال هذه الفلسفات، بل ما دلالة هذا التطهير لها من الوجود؟ هل هو مؤشر على تغيير تاريخي مفاجئ أم على مجرد نسيان، أم على إرادة في الإقصاء أو تشويه غير معترف به لهذه الفلسفات ؟

وكيفما كان السبب، فإن الغربيين يقبلون هذا الغياب بسهولة. لكن هناك أساب وجيهة لهذا الموقف. ألا يدعو الخطاب السائد منذ أزيد من قرن إلى هيمنة الفلسفة اليونانية وامتداداتها؟ فأنظمة العقل الحالية تحتاط من إعادة النظر في هذه الأسطورة الحديثة. هل ينبغي أن نستنتج من ذلك أن الإجماع تغلب، مرة أخرى، على الحقيقة؟ هذا ليس أكيدا، فبإمكان المستقبل أن يحتفي من جديد بإسهام هذا التراث الشرقي. لكن النسيان في هذه الآونة لا يُعتبر انتفاء للوجود. ولهذا النسيان تاريخ. وهذا هو الموضوع الذي كرس له “روحيه بول دروا” تفكيره منذ أكثر من عقد من الزمن. وسيحظى البحث الذي قام به هذا الفيلسوف بالإعجاب. فهو يقوم، من جهة، بتحديد الظروف التي أدت إلى تغير التمثل الغربي عن البوذية تغيرا تاما، ويفحص، من جهة أخرى، في نفس الوقت غنى هذه الفلسفات ويجدد التفكير بجعله ينفتح على الشرق مساهما من خلال ذلك في تحرير الفكر المحافظ من قصر نظره في هذه المسألة.

سؤال: ما سبب إعجابكم الكبير بالفلسفة الهندية ؟  

جواب: لقد وُلدَ هذا الإعجابُ الكبير بالفلسفة الهندية بالصدفة. ما عدا إذا كانت هناك سلطة عليا متوارية خلف هذه الصدفة. لما غادرتُ باريس وتخليتُ عن مسؤولياتي في جريدة “لوموند” سنة 1977 فكرتُ في فرصة تمكنني من تأليف عمل فلسفي، وبينما أنا أحاول إعداد ملاحظات حول فكرة غياب الذات، وحول الطابع الإشكالي للأنا، والطابع المتقطع لتجاربنا ولعلاقتنا بالزمن، عثرت على كتيب صغير حول البوذية، اكتشفت فيه أن هذه الأفكار نفسها كانت موضوع فحص وتطوير وتعميق من طرف تراث أجهل عنه كل شيء. وكان هذا الاكتشاف أول اندهاش عشته بهذا الصدد. فطرحتُ على إثر ذلك مجموعة من الأسئلة: لماذا لم يحدثني أحد عن هذا النوع من البرهنة الفلسفية، عن هذا النوع من التفكير، وعن هذه المؤلفات التي شغلت جزءا كبيرا من الإنسانية طيلة قرون؟  كيف صار جزءا من تاريخ الفكر الشرقي غائبا عن المقررات المدرسية والجامعية الأوروبية؟ وبعد ما بلغ فضولي ذروة حماسه لم أتوقف عن الغوص في نصوص هذا الفكر الشرقي، كما تعلمت اللغة السنسكريتية (لغة هندية قديمة).

سؤال: هل يعود سبب اهتمامكم بحقل المعرفة هذا إلى غموضه ؟

جواب: بالتأكيد. لكن تساؤلي حول هذا الموضوع تولّد في البدء عن اندهاش. ثم ألّلتُ بعد ذلك كتابا حول الموضوع (نسيان الهند، 1989). وطرحت في هذا الكتاب السؤال التالي: ما الذي حدث ما بين القرن التاسع عشر والقرن العشرين لكي تصبح الهند، التي كانت حاضرة في الحقل الفلسفي في القرن التاسع عشر (الأوروبيون ومجموع الفلاسفة مثل هيجل ونيتشه وشوبنهاور الذين اكتشفوا اللغة السنسكريتية) غائبة عن الحقل الفلسفي في القرن العشرين ؟

كانت لعبارة “الفلسفة الهندية” دلالة إيجابية بالنسبة للفرنسيين والألمان والبريطانيين في القرن التاسع عشر، لكنها صارت فظيعة أو فاقدة لمعناها بالنسبة للألمان في القرن العشرين مثل هوسرل، بل إن هايدغر بلغ به الغلوّ إلى القول بعدم وجود فلسفة هندية، متشبثا بالقول بان عبارة “الفلسفة الهندية” هي عبارة متناقضة لأن الفلسفة ليست إلا غربية.

سؤال: ترون في كتابكم (عبادة العدم: الفلاسفة وبوذا) أن الفلسفة الهندية ضرورية لتاريخ الفلسفة كضرورة الفلسفة اليونانية، ما هي حججكم المدعمة لرأيكم هذا ؟   

جواب: إن مجرد وجود مدارس فكرية في الثقافة الناطقة باللغة السنسكريتية هو حجة مؤيدة لموقفي. توجد ستة مدارس فكرية في البراهمانية وحدها. وتختلف هذه المدارس عن المداري الدينية. ولقد وضعتْ المدارس الفكرية هدفا لها هو حل المشكلات الميتافيزيقية باستعمال العقل وحده. نحن هنا أمام تغير حقيقي للفكر الفلسفي. فهذا الأخير برهن على صدق أطروحات أو على بطلانها باستعمال الحجاج العقلي وحده.  وتشبه مواضيعُ هذه المدارس الفكرية مواضيعَ الميتافيزيقا الغربية: الزمن، المكان، طبيعة الفعل، الوجود، اللاوجود.

سؤال: هل البوذية فلسفة ؟

جواب: لنقل أن هناك عناصر فلسفية في البوذية أدت إلى كتابة دراسات جد متطورة. وهذه الدراسات تعتبر في نظري أعمالا فلسفية. وتعتبر البوذية في مجملها فلسفة. فالبوذية تشبه المذاهب القديمة التي كانت في نفس الوقت أنساقا عامة وطرقا للخلاص، أنماطا للحياة وطرقا للتفكير في نفس الوقت. نجد هنا ممارسة للتأمل الروحي في الذات كما أوضح ذلك “بيير هادو” بكيفية فريدة.

سؤال: هل نجد في الفكر الهندي استعمالا للمفهوم كما نجده في الفلسفة الغربية ؟

جواب: اقترحت في حلقة دراسية شاركت فيها سنة 1985 الحديث عن “اللا-مفهوم”، وأقصد بذلك وجود مفاهيم تتميز بكونها “مفاهيم سلبية”. فأغلب المصطلحات الأساسية في البوذية تبدأ ببادئة سالبة ونافية، وأشهر مثال على ذلك هو: “اللا-عنف”. لا يتعلق الأمر برقة أو بلطف، وإنما يتعلق الأمر “بوضع بين قوسين”، بالتخلص من العنف والعدوانية. فالتخلص من العنف بواسطة “اللا-عنف” لا يؤدي إلى وضع يوصف بالإيجابية. فالأمر يتعلق بغياب (للعنف). ونجد هذا في كل المعطيات الأساسية وفي سياقات اللغة السنسكريتية. يتكون منهج البوذية، من الناحية الفلسفية، من حركة تقوم بفك الارتباطات وإزالة العوائق. يتعلق الأمر بتحرير الطريق والتخلص من العراقيل أكثر مما يتعلق ببناء حقائق.

سؤال: وهل توجد هذه الخاصية بشكل نسقي في اللغة السنسكريتية كلها ؟

جواب: يتعلق الأمر بالفعل بخاصية تميز البوذيين وتعتبر قاعدة في اللغة السنسكريتية، إنها خاصية فكرية صارت مميزة للنسق ككل. تدل كلمة “مفهوم” في اللغة الفرنسية على “ضم عناصر متفرقة في مجموع عام” أو “أخذ تلك العناصر المتفرقة مجموعة”. أما بالنسبة للبوذية فيمكن القول عموما أن الأمر يتعلق “بترك الأمور تسير كما تقتضي طبيعتها” من خلال فك ارتباطات وروابط. لذلك علينا أن نستنتج مدى وجود أو عدم وجود مفاهيم في البوذية. إن القول بعدم وجود مفاهيم في البوذية قد يؤدي إلى الاعتقاد -وهو اعتقاد خاطئ – بعدم وجود عقلانية، أو أن الأمر يتعلق بالشعر والتصوف. وبالرغم من أن الشعر والتصوف أمران محترمان فإنهما ليسا فلسفيين بشكل خاص، نحن أمام منهجية فلسفية في البوذية من خلال استعمال منظم للعقل من أجل التفكير في مواضيع مفاهيمية لتفكيك عناصرها وليس لتقوية لحمتها وتوحيد مكوناتها. فما نسميه بالفراغ – والذي نعتقد، عن خطأ، أنه لا شيء ما عدا شكلا من أشكال العدم- يتطلب التفكير فيه كمكان تم تحريره بإزاحة الحلول المتعارضة فيما بينها.

سؤال: هل يوجد في نظركم تمييز بين البرهمانية والبوذية ؟

جواب: يوجد فرق بينهما حتى وإن مال إدراكنا الغربي إلى الخلط بينهما. فهناك، من جهة، البرهمانية التي نتجت عنها الهندوسية. ويمكن القول أن القاسم المشترك بين هذه المدارس البرهمانية – بصفة عامة وعلى ضوء المقولات الأوروبية – يكمُنُ في أنها تقول بوجود جوهري للأفكار العامة. فهذه المدارس تقول بأن وجود الوجود هو وجود أساسي. ربما لا يوجد إله بالمعنى الغربي والتوحيدي للكلمة كإله له إرادة، لكن توجد ذات مفكرٌ فيها باعتبارها مطلقا. إن البرهمانية هي مذهب يقول بوجود جوهري للأفكار العامة. وبالمقابل، ينبغي التمييز بين البرهمانية والبوذية التي هي لا ترتكز على القول بوجود جوهري للأفكار. ويؤدي التأويل الخاطئ للبوذية إلى تقديمها على أنها عدمية ونافية للوجود بل وملحدة.

سؤال: لقد جسّد الشرق دوما الغير بالنسبة للغرب، هل يمكن القول أن وجه الشرق هو الوجه الآخر الذي لا يتلاءم مع الغرب ؟

جواب: نشاهد منذ مدة تغيرا حقيقيا في القطبية. فالآخر الهندي يتم التعامل معه على أنه منبع وخلاص بالنسبة لأوروبا. فالموضوع الذي ساد في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر هو موضوع “نهضة الشرق وانبعاثه”. فلما تم اكتشاف النصوص السنسكريتية كان أول إحساس تم الشعور به هو الإحساس بإبراز مصدر للحضارة ولفكر أكثر قدما من الفكر اليوناني وأكثر أساسية منه. إن أسطورة “انبعاث الشرق ونهضته” هي أكثر عمقا من إعادة اكتشاف المصادر اليونانية في القرن السادس عشر. فلقد تم إدراك الهند العتيقة في البدء كمنبع للارتواء، ثم كتهديد، وكغير يدل على العدم والتدمير، وكخطورة وضياع للهوية. ويفسر هذا بدون شك باكتشاف البوذية وتأويلاتها الفلسفية التي كانت مجهولة فيما قبل. وهو اكتشاف سوف يؤدي إلى تغيير الصورة عن الهند. ساهم تأويل البوذية من طرف الفلاسفة (كفيكتور كوزان الذي رأى في الهند “عبادة للعدم” حسب تعبيره) في جعلها مدمرة وسلبية بل ورَهيبة. أعتقد أن المؤامرة حِيكت في هذه اللحظة بالذات. فتم الانتقال من الأمل إلى الرعب، من الإيجابي إلى السلبي، من الإفراط في الوجود إلى العدم، من عقيدة بدون فكرة الإله إلى عقيدة ملحدة.

سؤال: كيف تكوّنَ هذا التمثل السلبي عن البوذية؟ هل يتعلق الأمر بإسقاط أوروبي ؟   

جواب: لما يتحدث الأوروبيون عن البوذية فإنهم يثيرون حتما العدمية والعدم، ولما يقومون بذلك فإنهم لا يفعلون شيئا غير وصف صيغة خاصة من العدم تخصهم. لقد اخترقت أوروبا ما بين 1840 و1880 حركاتٌ اجتماعية وثورات واحتجاجات، وفي نفس المرحلة تمت محاولة جعل الهند قوة مخربة للديمقراطية وهو أمر لم يوجد أي أثر يدل عليه في الواقع التاريخي. وبتعبير آخر فأوروبا حلمت ببوذية مخربة وعدمية انطلاقا من قلقها واهتماماتها الخاصة.

سؤال: قلتم إنه لا وجود لفكرة الله في البوذية، فهل يعني هذا أن البوذية ليست دينا ؟

جواب: إن البوذية طريق للخلاص، وهي أيضا فكر لا يختزل في قيمته الثقافية. إنها تستهدف تغيير الوجود للتمكن من القضاء على عذاب الإنسان وآلامه. وهذا ما يقوله بوذا باختصار: “كما أنه ليس للمحيط إلا مذاق واحد وهو مذاق الماء المالح، فإنه ليس للبوذية إلا هدف واحد هو وضعُ حد للعذاب والألم”.

سؤال: هل يمكن الحديث عن حضور إله في قلب البوذية ؟

جواب: أقول بكل وضوح إنه لا وجود في البوذية لأي تصور أو تمثل عن الله. ففكرة الإله اللامحدود، العقل الخالص، العالِم بكل شيء، القادر على كل شيء هي فكرة غير موجودة في البوذية. لذلك نتحدث عن غياب وليس عن عدم وجود.

سؤال: لكن من هو بوذا ؟  

جواب: بوذا يعني الشخصُ اليقظ. فهو لم يدعي أنه إله أو أنه يملك خاصية إلهية. لقد واجه مشكلا محددا هو: كيف يمكن وضع حد لآلام الإنسان وعذابه. وزعمَ أنه يملك الجواب والحل. وهو يقول لنا: “تأملوا في هذا الحل هل هو حلّ فعال وجربوه”.

أجرت الحوار: إليزابيث زناتي.

المرجع:

http://rpdroit.com/2010/08/16/a-la-redecouverte-des-philosophies-orientales/

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد