بقلم أمينة مجدوب
فاس عميدة المدن العريقة ،والشامخة مدى الأزمان ازدادت شموخا وتألقا من خلال مهرجانها الدولي للثقافة الأمازيغية
الذي أينع ربيعها ،وأيقظها من سباتها الثقافي وساهم في تنشيط سكانها الذين أقبلوا بكثافة لحضور فعاليات هذا المهرجان الذي يعتبر علامة ثقافية تطبع فاس .والذي من أهم أهدافه : إبراز التنوع الثقافي والحضاري لشمال إفريقيا التي تتميز بجذور متعددة الثقا فات وقيم مشتركة مثل العمل الجماعي ، وكرم الضيافة ،وأهمية الروابط العائلية ،والبحث عن التوازن بين التقليد والحداثة،وأنماط اجتماعية متبادلة أغنت تراث تلك الثقافات ،وتمتد جذورهذه القيم عميقا بين جميع شعوب المنطقة بغض النظرعن الجنسية والثقافة واللغة والدين. حضر المهرجان نخبة من المفكرين والباحثين من داخل المغرب وخارجه (12 دولة) أسهموا في الرفع من منسوب النقاش حول موضوع الثقافة الأمازيغية ومستقبل الديمقراطية في شمال إفريقيا الذي اختير كشعار لهذه الدورة الرابعة عشر.
الثقافة تخدم التنمية
أشاد الرئيس الوطني لجمعية فاس سايس خلال الافتتاح بالتطور الذي عرفه المهرجان منذ نسخته الاولى 2005 سواء على المستوى الثقافي ،أو الفني وأضاف بأن المهرجان يترك بصمته خصوصا على الشباب الذي يجب علينا الإنصات لأفكارهم والتأمل في انتظاراتهم؛ وجمعية فاس سايس حاضنة لكل المشاريع والأنشطة التي تخدم مدينة فاس فما يخدم المدن يخدم الوطن كله . والثقافة تخدم التنمية عندما تعجز السياسة. أما الدكتور موحى الناجي مدير المهرجان فقد تحدث عن الديمقراطية التي تسهم في محاربة الهشاشة ،وتحقيق التنمية المستدامة ،والحداثة ؛ووفق أحدث مؤشر للديمقراطية يوضح الأستاذ الناجي فإن نصف دول العالم أقل ديمقراطية و5في المئة يعيشون في ديمقراطية.إن النهوض بالحقوق اللغوية والاجتماعية والاقتصادية رهين بالتنمية.واليوم نلتقي مجددا بغية إسماع صوت الثقافة الأمازيغية. وانتقل في كلمته للترحيب بالأديب الطاهر بن جلون منوها بمجهوداته الإبداعية التي ترسخ الديمقراطية والمساواة بين الرجال والنساء؛وهو أشهر كاتب مغربي في العالم يردف السيد الناجي ،وكتاباته الجريئة أحدثت نقاشا وله قدرة خاصة في نسج الحكاية والرواية وفهم التقاليد ،والمجد التليد بفاس .وإنه لشرف عظيم لي شخصيا ولمهرجان الثقافة الأمازيغية في تكريم هذه القامة العلمية،والمدينة كلها تحتفي به ،وأقترح أن يرشحه المغرب لنيل جائزة نوبل في الآداب.
نوسطانجيا أبناء فاس
عبر الرئيس الشرفي لمهرجان الثقافة الأمازيغية محمد القباج عن مشاعر الإعجاب والإكبار للكاتب المبدع الطاهر بن جلون،واستعرض نوسطانجيا الزمان والمكان الذي جمعه به في دروب فاس العتيقة ( حومة المخفية – بوعجارة…) ووجه كلامه قائلا :أنت مازلت وفيا لبلدك المغرب ،وتدافع عنه في كتاباتك، ونجحت في التعبير عن السلم والسلام والصداقة ،وتحسين صورة الإسلام ،وبقيت مخلصا للتنوع الثقافي …في كتاباتك نعيش طفولتنا بفاس ..عبق التاريخ رياض الياسمين…الزهر والورد ..حكايات الجدات …طقوس ليلة القدر والأعياد .وفي نفس السياق عبرت السيدة نزهة الصقلي الوزيرة السابقة عن اعتزازها بهذا الحضور الوازن في الاحتفاء بكاتب مبدع نفتخر به لأنه يكتب بلغة تتضمن القيم والمبادئ…إنه كاتب .رسام ..سفير والكلمات عجز عن التعبير .ونحن في حاجة لمثل هؤلاء المبدعين لأنهم يشرفون المغرب ويلقون الضوء على تاريخه ومجتمعه أمثال …(فاطمة المرنيسي – عبد اللطيف اللعبي – محمد العروي ..)وابن جلون كتب عن مشاكل مجتمعنا :صمت المرأة ومعاناتها – تزويج القاصرات . وباح بالطابوهات الممنوعة :الجنس .. الدين . السياسة .وكذلك المواضيع الجريئة :داعش – الاغتصاب. ويستحق أكثر من الجوائز التي حاز عليها خصوصا جائزة الكونكورد حول روايته ليلة القدر التي ترجمت لجميع لغات العالم ؛واستعرضت التطور الذي عرفه المغرب في المجال الحقوقي .كما نوه ممثل وزارة الثقافة بجمعية فاس سايس التي تواكب التحولات في بلادنا في إطار توجيهات صاحب الجلالة في الارتقاء باللغة الأمازيغية والتنوع الثقافي الذي يحيل على قدرات المغاربة على تدبير الاختلاف ،وإرساء مبادئ الإنصاف والكرامة؛وعلينا مواجهة التحديات في عالم لا يسمح إلا بالتحدي .وجامعة محمد بن عبد الله كانت ممثلة في نائب رئيسها الذي أوضح أن اختيار موضوع :الثقافة الأمازيغية ومستقبل الديمقراطية في شمال إفريقيا يؤكد انخراط الجميع في هذا المسار تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الذي ما فتئ يقود إصلاحات مهمة ويفتح أوراشا في كل المجالات ،وتأكيد هوية المغرب المتعددة عربية ..أمازيغية ..أندلسية..يهودية. وتحدث عن برامج الجامعة الدراسية ،وأنها سباقة للقيام بواجبها في البحث والمختبرات، وخص بالذكر ماستر ومسلك اللغة الأمازيغية منذ سنة 2008.
المبدعون ثروة وطنية خالدة
مدينة فاس تحتفي بأحد أبنائها المبدعين الذي طرز اسمها في جل أعماله العالمية ،واليوم يكرم في أكبر مهرجان بها ومن أيقونة المجتمع المدني جمعية فاس سايس حيث قدم رئيسها درع التكريم للمحتفى به الأديب الطاهر بن جلون الذي استهل كلمته بسؤال مؤثر :هل التكريم هو النهاية ؟؟ مسترسلا …الذي يكتب يقرأكثيرا ،والقراءة معركة منذ الصغر ،وأطلب القراءة من الجميع صغارا وكبارا لأنها الحياة الجميع. موضوع هذه الدورة أنا مهتم به فالديمقراطية ليست تقنيات مثلا في التصويت بل هي تربية وثقافة تبدأ في البيت مع الأسرة ،مع الجيرا ن. وأنا أتألم في نتائج الانتخابات التي أصبحت وسيلة للاتجار،وقد مررها صاحب الجلالة وعبر عنها. ثم انتقل للحديث عن المرأة المغربية التي كما قال تعمل كثيرا ومحرومة من حقوقها ،والمعركة بسيطة وهي تنفيذ القوانين .علينا رؤية عيوبنا لتصحيحها ،وعلينا التركيز على القيم.
ختم افتتاح المهرجان الباحث حسن أوريد بمداخلته حول * الأمازيغية والديمقراطية * وفي مستهلها عبر عن فخره بتواجده في تكريم مبدع من المبدعين الذين يعتبرون ثروة وطنية خالدة إنه الطاهر بن جلون الذي تقاسم معه الكثير أيام الجامعة من خلال قراءة كل رواياته ،وأضاف الأديب ابن جلون رجل أسئلة فهو دائما يلقي الأسئلة حول المواضيع الجريئة .وانتقل للحديث عن الأمازيغية واعتبرها طريقة في التفكير ،وأضاف بأنه يفتخر عندما يرى اللغة الأمازيغية في كل مكان مكتوبة بحرفها يفيناغ .و كل القيم الكونية التي أتت بها الديانات والإعلان العالمي لحقوق الإنسان موجودة في الثقافة الأمازيغية . ومناطق سايس –تغات – بلاد تمازغا –كلها أمازيغ دون أن ندري ،وكل جيل يحق له السؤال عن الأمازيغية والنهر دائما يبقى وفيا للنبع.
من كل بستان زهرة
مهرجان الثقافة الأمازيغية يرسخ التنوع فقطف من كل بستان زهرة معرفيا وفنيا فكان متعددا في مضامينه 60 في المئة شملت الجانب الفني و40 في المئة للجانب الأكاديمي هذا الأخير عقدت فيه خمس جلسات علمية اتسمت بمنسوب عال من المعارف والمستجدات والنقاش:
الجلسة الاولى :الحركة الثقافية الأمازبغية الحصيلة والآفاق
الجلسة الثانية : الأمازيغية ،المواطنة والثقافة الديمقراطية
الجلسة الثالثة : الثقافة الأمازيغية ،الديمقراطية والأدب
الجلسة الرابعة :الثقافة الأمازيغية والحركة النسائية
الجلسة الخامسة : الثقافة الأمازيغية والديمقراطية بعد الربيع العربي
من خلال متابعة المداخلات أمكن استنتاج أن الحركات الثقافية المطلبية والاحتجا جات ليست فقط من أجل الديمقراطية بل تهدف لتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين . والتنوع الثقافي في منطقة جغرافية ليكون فعالا يحتاج إلى الاعتماد على نظام قضائي عادل ،ونظام تعليمي قائم على المساواة وتكافؤ الفرص.ومن شأن توفير الحد الأدنى من الحقوق للسكان أن يسهم في إقامة مجتمع ديمقراطي غني بتنوعه.
الجلسات الموازية
عرفت كذلك تنوعا اشتملت على ورشات :
ورشة تعلم حروف تيفيناغ أشرفت عليها أمينة مجدوب
ورشة الرسم أشرفت عليها خديجة العلوي مدني
ورشة المسرح أشرفت عليها أنيك رونو من فرنسا
ورشة الحكاية أشرف عليها جون ماري سيمون من فرنسا
المعارض :معرض الزرابي والحنبل – معرض النقش على الخشب –معرض الحلي والصناعة التقليدية –معرض اللوحات التشكيلية
السهرات الموسيقية
مهرجان الثقافة الأمازيغية كرس توجهه الذي يروم الاحتفاء بكافة التعابير ،والألوان الموسيقية والفنية التي تدافع عن قيم التسامح وقبول الآخر. هذه السهرات ألهبت منصة المعلمة التاريخية باب المكينة وعرفت حضورا قياسيا من الجمهور.
من خارج المغرب :مجموعة كاريشتو من إيطاليا – الفنانة ماريا فلامينكا من إسبانيا
من داخل المغرب :أحيدوس والماس – عائشة مايا – – الفنان فيصل –الفنان سامي راي – فاطمة تاشتوكت –حوسى 46 – الفنانة دنيا باطما.
توصيات المهرجان
- التأكيد على الدور المركزي للغة والثقافة الأمازيغية بصفتها حاملة للقيم الكونية والثقافة الديمقراطية والعيش المشترك؛
- تعزيز احترام المساواة بين الجنسين والحفاظ على الاندماج الاجتماعي ؛
- توعية الأفراد ،وخاصة الشباب في المدارس من خلال تربيتهم على قيم الديمقراطية والحداثة والحوار؛
- تشجيع النقد الذاتي والتفكير النقدي والعمل على تغيير العقليات كوسيلة لمنع نشوب الصراعات؛
- تشجيع الثقافة الديمقراطية في الأسرة والمدرسة في البوادي والمدن على المستوى المحلي والوطني والجهوي ؛
- فصل الدين عن السياسة ،وترسيخ الفصل بين السلطات ،
- تعزيز قيم العدالة الاجتماعية والحرية ،وتوطيد التعاون بين دول شمال إفريقيا لتحقيق الديمقراطية والتنمية المستدامة.
كلمة لا بد منها
مهرجان فاس للثقافة الأمازيغية أمتع ساكنة فاس بوجبات من الفرح اليومي فيها العلم والفن والإبداع ،ومنح بورصة فرحهم أرباحا لا تحصى من الإغناء الفكري والفني.