اليوسفية: الأديب والقاص المغربي مهدي نقوس
رددت على الحاجب رغبتي.. حدجني باحتقار.. تأفف بضيق ومد يده لجرابي.. دقق جيدا في محتوياته.. نظر لكسرة الخبز السمراء والبيض المسلوق بتقزز.. وطرحه أرضا.. وقادني عبر متاهة الممرات.. وصلنا أمام إحدى الغرف.. استأذن قبل أن يفسح لي الطريق.. ترجلت خارجا / داخلا من ظلام البهو إلى حلكة أخرى اشد قتامة.. ليل قائم بذاته.. ليل أعمق من ليل.. ليل مولج في النهار.. لكنه أشد ألقا من ليل حقيقتنا الضائعة في دياميس هذا الزمان الكئيب.. وإن لم أحدد ملامح المكان الذي احتواني بداية الأمر.. هذا هواء وهسيس رفرفة مروحية يصلني عن قرب.. وهذا فراش يميد تحت قدماي.. تلفت بحذر شديد.. أمامي مباشرة يقف شخص فاحم.. تراجعت إلى الخلف.. صار طوله يوازي نصف قامتي.. راقبت الشبح من فوق/ راقبني الشبح من تحت.. رفعت يدي أتقي لكمة محتملة… هذا ظلي معلق على الجدار يسامرني… وظهرت من خلفه الملفات والرفوف والجوارير ترمقني ببرودة الجماد.. تركت الظل مشبوحا ورائي واستدرت بسرعة.. وجدتني أمام مكتب من خشب رفيع.. ومجلة وخيط دخان وكمشة ضياء منحسرة على الورق المشرع… تسمرت في مكاني أنتظر ما سوف تسفر عنه المجلة التي يحمل غلافها صورة لامرأة عارية.. لا شك أن وراءها بطل لا يكل من النزال.. الآن عرفت سر المثل القائل بأن وراء كل عظيم امرأة..
قفز إلى مخيلتي ما قرأته يوما عن شبقية الخليفة هارون الرشيد، عندما ضبطته زبيدة وهو يتلصص عليها وهي تستحم كما وضعتها أمها في بحيرة الصفحة 337 خلال الليلة 410 من ليالي ألف ليلة وليلة في مجلدها الثاني للمطبعة الشعبية ببيروت المحروسة.. ولما أبصرته أخفت فرجها بيديها خجلا فقال الرشيد والرواية للأميرة شهرزاد والشعر للحسن بن هاني من جملة أبيات:
نظرتني سترته = فاض من بين اليدين
….
كانت ملابسي ملتصقة ببدني ورجلاي تحملاني على مضض.. لم أنم طيلة البارحة.. ولم أطعم غير الغبن والخيبة والخسارات .. ولم اشرب سوى حليب النجوم وسهاد الليل .. ليل الطريق الطويل..
تحركت المجلة.. وظهرت رأس صلعاء حمراء شحماء.. وامتدت يد بضة ثخينة.. أزالت نظارات طبية عن عينين منتفختين ومحتقنتين من أثر النعمة.. ودعست دخينة في منفضة بلورية.. مددت يدي محييا.. لم تمتد لي اليد الثخينة.. ولم تمتد لأوراقي.. أفردتها أمامه.. لم يكحل عينيه بشهادتي.. صرف نظره عنها باحتقار وسلطه علي.. كانت ملامحه تشي بالكلل والبلاهة والكراهية.. طأطأت رأسي.. نظرت إلى هندامي متفحصا.. سروالي ليس مقلوبا وإن كان رثا.. وقميصي أيضا أزراره في مكانها وإن تآكلت ياقته.. تحسست أذناي وقفاي ومؤخرتي.. وخفضت له جناح الذل من المسكنة والبهدلة..
لم اتبين كيف أشار للحاجب الذي لكزني بذراعه.. جمعت أوراقي.. تبعته.. قادني عبر الممرات إلى قاعة أخرى.. فتح الباب.. دفعني وانصرف.. وجدتني إزاء صفوف من المكاتب فوقها أوراق وكؤوس وأباريق شاي وصواني وقناني فارغة.. بكرات صوف وهواتف.. وتحتها أزبال وقشور فول سوداني ونوار شمس وبذور قرع وأعقاب سجائر وغلايين وحشيش.. أشياء عديدة أهمها سحنات شاحبة وعيون مليئة بالأسى والإحباط ..
مررت بخطاي أمام المخلوقات القابعة وراء خشب المناضد.. ذرعت أرضية القاعة.. وأوراقي بيميني.. كانت الغرفة مضاءة جيدا.. وخيط شعاع رفيع يمتد من كوة بأعلى الجدار إلى الزاوية السفلى المقابلة.. المغطاة بأكداس من الرسائل بعضها مفتوح وبعضها مغلق..
درت حول المكاتب نصف دورة.. وحول نفسي دورة كاملة.. أخذني دوار وغثيان.. افتعلت ابتسامة صفراء كي أداري بها خيبتي.. لم تتحرك المخلوقات.. ولم تفطن لوجودي.. كانت غارقة في خدمة هذا الوطن السعيد… أنا الأبله، الأجوف، الأحمق، الأخرق، الأهوج، الأهبل، الأناني، الأمي، الانتهازي، الإمعة، البائس، البشع، البخيل، التافه، التعيس، الدنيء، الذليل، الجاحد، الجاهل، الجبان، الحسود، الحاقد، الحقير، الخامل، الخبيث، الخسيس، الخواف، العاق، العنيد، العبيط، الكافر، الكذاب، الكسول، الكريه، الرجيم، الرعديد، الصفيق، الضال، الضعيف، الظالم، السمج، السفيه، السخيف، السافل، الساقط، الشحيح، الشرير، الشقي، الفاسق، الفاجر، الفاشل، القبيح، القذر، القميء، اللقيط، الوصولي، النتن، النذل، النجس، النمام، النصاب، المارد، الماجن، المعقد، المجرم، الملحد، المحتال، الماكر، المتهور، المقامر، المنافق، المقيت، المـأفون، المتسخ، المفلس، المجرم، المعدم، المدعي، المنحط، المنتفع، المعتوه، المخرب، المتعنت، المفسد، المتحامل، المتعجرف، المتخلف، المغرور، المتمرد، المتغطرس، المتحذلق، المتناقض، المفتري، المتهافت، المتجهم، المتسلط، السليط اللسان، العديم الحياء، ناكر الخير والإحسان، الآتي من مراتع البقر والحمير، لا أراعي الأعراف ، ولا أعمل حسابا لاحمرار عيون الحكومة وسطوة ووقار الوظيفة.. أنا ابن ال (…) الفاعل التارك الذي لعب بعقله وضحك عليه كارل ماركس ولينين وتروتسكي وتشي غيفارا وروزا ليكسمبورغ.. وملأت سفاهة الكتب التافهة يافوخه بفكرة الصراع الطبقي وديكتاتورية البروليتاريا والمساواة بين المواطنين وحقوق الإنسان والحرية والسلام والديمقراطية والأممية الاشتراكية والكومونات وتحرير الشعوب وثورات الفلاحين وإضرابات العمال والطلبة وحرب العصابات الطويلة الأمد وصداع الرأس..
توجهت نحو أحدهم كان قد صحا من النوم لتوه.. تنحنح وفرك عينيه.. وضعت أوراقي أمامه.. شرعت أفسر له أني أتيت من بعيد أبحث عن عمل كي أعيل أسرتي وأشد أودها.. نظر إلي محملقا.. ونظر إلى أصدقائه.. نظروا إلى بعضهم البعض بغرابة.. ونظروا إلى جميعهم بشماتة.. الرجال والنساء نظروا إلي بتمعن.. كما لم ينظر إلي من قبل الرجل الذي ولدني.. وضحكوا حتى أبانوا على النواجذ.. كانت أسنانهم مدببة وصفراء وعليها بقايا أطعمة.. كنت لا زلت ألغو.. قام أحدهم بتثاقل.. تمطط حدست من حركاته أنه يود التوجه إلى دورة المياه.. توجه نحو الزاوية.. أخد حزمة من الرسائل وخرج .. كنت لا زلت أتكلم عن أصلي وفصلي ونجاحي وفقري.. أول الأمر لم أصدق أذني.. حسبته أنينا أو شخيرا.. لكن حينما تكررت الزمجرة ارتعدت فرائصي.. كانوا قد بدأوا يكشرون عن أنيابهم.. وكانت وجوههم الصقيلة قبل حين.. قد كسيت بالحراشف والزغب وأذانهم استطالت قليلا.. وأضحت عيونهم حمراء كلهب الكوانين.. وشرعوا في العواء.. تراجعت إلى الخلف هلعا مرتاعا.. وقلت لخيلي ما قاله امرؤ القيس بن حجر الكندي: “كري مرة بعد إجفال”.. لم أتذكر تماما كيف خرجت من البناية. هل قفزت الأدراج.. أم انشق الاسمنت المسلح.. لكني أتذكر أني خرجت وحسب. وأني كنت أجري ولا ألتفت.. كان النباح قد أخد يشتد ويرتفع وهو يتعقب أثري… والمارة ينظرون إلي ويضحكون.. وصلت إلى مشارف المدينة . كان العسس قد شرعوا في إغلاق البوابات. ودوريات الشرطة وفرق خفر السواحل تجوب المنطقة. وقبة السماء قد ازدانت بنجوم المجرات. والقمر حزين حزين… استلقيت على الأرض.. كنت متعبا وجائعا. سروالي تمزق. والعرق ينسكب من جسدي وثيابي مبتلة. وعروقي نافرة .. ورائحة الغبار ممتزجة بلزوجة الجسد المهزول.. كنت كجرو يخرج من معركة كلابية خاسرا مكسورا مدمى وممزقا.. تذكرت إخوتي وأهلي.. وصحت في خاطري قرابين أمي.. دعواتها وشموعها ووعودها.. ووصايا أبي الصارمة ووعيده.. وأمنيات خليلتي.. وصداقة الكلاب والقطط التي رافقتها ردحا من الزمن واقتسمت وإياها الخبز والملح.. وددت لو أقابلها وأعانقها وأسند عليها رأسي وأبوح لها بانكسارات العمر الجميل..
نزعت قميصي لوحت به للسيارات الآتية باتجاهي .. كان أربابها يمعنون في السرعة .. لا شك أنهم علموا بحكاية الفتي القادم من بادية الرحامنة ليعمل بالمدينة.. كنت ألوح بيدي وقميصي.. كان الظلام قد عم تماما.. وأضواء المدينة باهتة كالنمش تأتي من بعيد ولا تصل.. تغرق في لجة الأطلسي الأزرق المحيط الجميل السخي الودود.. وفيما كنت أتثاءب وأمشي وأصيخ السمع لصياح الديكة والطيور.. ويترامى إلى مسامعي آذان الفجر.. كان النباح لا يزال يترصدني في الأحراش والغابات والوديان والفجاج المجاورة…
أوقفت إحدى الحافلات.. ارتميت وسطها على عجل.. كانت ممتلئة عن آخرها.. افترشت أرضيتها المتسخة الباردة.. كان كل ركابها يتضاحكون.. وكنت بمفردي أبكي …
ـــ
*من مجموعة (صنائع من نوبة عراق العجب) – منشورات منتدى مطر 2014