الأديبة المغربية مريم بن بخثة
على وقع خطى العمر
يتوسد القلب النبض
ولا يجيد سوى لغة الأحلام
على شرفة الليل تضع عنها أحزان المساء. تخيط من لحاف الحلم رداء للفرح المأمول، تطرزه بشغف طفولي، وأنامل من ضياء، ترسم أحلاما مرجأة، تشتهي كل الألوان البراقة. تنظم الخرزات، تزخرف همسها تلونه بوهج السماوات، ونزوات الأمنيات الدفينة، وتبخر أحلامها بجيم الرجاء.. ليس لها سوى تعويذة الصحو ترددها وكلها دعاء.. ترجو أبواب السماء بأن تمن عليها بفرحة.
تبدو له في آخر الطريق عند زاوية الحلم، آيبة أو ذاهبة بوزرتها المدرسية، ومحفظتها التي تضمها إلى صدرها، كأنما تحبس بها نهديها المتبرعمين عن النمو، وتخفي بلوغها الحذر كى لا تغادر طفولتها الحالمة، كم حلم بأن يكون مكان تلك المحفظة لينال ودا كان عسيرا لحد تلك الساعة. تمضي أمامه بخيلاء، يتتبع خطوها كوليد يتلمس طريق أمه، يتأمل الجسد البتول، يتلصص على الوجه الصبوح، يتنسم من بعيد العطر الفواح، والشعر الذهبي المسبسب المرسل بأريحية على ملكوت الظهر، والعينين النجلاوين الناعستين وهي تخفضهما في خفر كلما التفتا بنظرته الخاطفة.
خطوة خطوة يصنع فرحا جديدا، ينتظر بشوق كبير أن تمنيه بنظرة محملة بكل شجن الحب البريء. تسير غير مبالية ولا ملتفتة، بخطى متعالية وواثقة تدوس بطرف كعب حذائها جغرافيا طفولته وما وسعت، في كل خطوة منها كان قلبه ينساب عشقا، يضخ أحلاما طفولية طرية مشبعة بالفرح والدهشة، ويتفتت في صمت جسور. تبدو له بدرا ينير سبيله، ثم يرنو إلى الأفق الممتد المحمل بذرات الفوسفاط، ويعود من حيث أتى، يجر أذيال الخيبة، وأحلامه المنكسة تقطر عمره المحبط سنة تلو أخرى نحو شريعة المستحيل، متمنيا أن يكون غده أفضل من سابقه.
يغيب في دهاليز الحياة، وكلما تذكرها هفا القلب الكسير شوقا يسائله في أي زقاق من أزقة الحياة كانت تختبئ الخيبات، وعلى أية صخرة ترتطم انكسارات العمر العاثر..
هل مازالت تتذكر ذاك الصبي المولع بتتبع خطوها في حلها وترحالها ؟
هل كان يهفو للالتقاء بها ولو في منعرجات الحلم الرحيم ؟
هل كانت تتعمد اقتحام طريقه كل مرة حتى يراها وتراه مخافة افتضاح سرها ؟
وهل كانت تعرف وله صاحبنا الهيمان، وهو يعانق عريها الماجن يتسلل خفية إلى مضجعه تحت سدول الليالي الموحشة حتى مطلع صحوته ؟
كان يحلم فقط؛ لأن الحلم لا ضريبة عليه. فالحرمان والأمل مجانيان لكل من خاب أمله المراوغ، وحرم لذة الفوز بأمله المنشود. ظل ذلك سره الذي خبأه في جوف القلب لا يستأمن عليه أحدا.
وعلى حين غرة، حين يسخر منك القدر فيحقق لك أمنية مقدسة كانت تتربع على قلبك، فإنها تأتي بعد أربعين او خمسين سنة، “أن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا”، وجها لوجه يتوقف الزمن، وتنبثق بكامل فيوض أنوثتها الطافحة وبسمتها المخفورة بوعول المسرات من بين سجوف الغياب، ويستحضر الشيخ صبيته المليحة، الفاتنة الممشوقة القوام وهي تتأبط عمرها الآبق. كم كانت فرحته عارمة وعميقة وجياشة وعنيفة وهي تحمله على بساط الحنين والمباغثة إلى أعوام صبا ذلك الشاب الخجول، الذي عشق محبوبته في صمت وما تجرأ على البوح في حضرتها أو حتى غامر برسالة أو إشارة، فتدفق الدم في العروق وضخ القلب الذي عاد للنبض من جديد.
لكن الفرحة كانت أكثر من دهشة اللقاء. غابت ملامح تلك الجميلة ليجد نفسه أمام امرأة ناضجة، أضفى عليها العمر فتنة كاملة، ودوزنت كل أحلامها على إيقاع خرزاتها القزحية الألوان، تصنع منها أباجورات وشمعدانات وعلب ومزهريات جميلة؛ تتحايل بها على الوقت. وتعد أحلامها الماضية، وترمم بقايا من العمر بقناعة صوفية من أهل الطريقة.
فتحت قلبها له، ودبج لها حكايات طويلة عن أيام الصبا التي تذكرها بذلك الصبي العاشق، الذي تجاوز الحلم وسعى لجعله حقيقة مطلقة لولا عنت الأهل الذين أقبروا حلمه في مهده بفوضى أعراف وتقاليد وتهيؤات، أخبرته أن قلبها لم يرفرف لأحد وما زالت على بوابة العشق تنتظر رغم الخسارات وعسف الزمان.