البحث عن عباس (1)

اليوسفية: الأديب والقاص المغربي مهدي نقوس

-1-

العشية عشات والليل راح

محلى اللغا يدور بين الملاح

الورد اعطى ريحتو والذات ما زالت حزينة

والدم جف والذات يا حسرة ما زالت حزينة

يا ناس وما انتوما ناس

يالزايدين المهموم في همو

يالمعاونين الظالم على ظلمو..(1)

 

-2-

تشرب قهوتك يا عباس – قهوة سوداء كالليل مع قليل من السكر – أنت لا تعشق سوى ذلك .. لأن كأسا مترعة بالسائل الأسود بعد ساعات العمل المضني تجعلك بمنتهى الخفة والرشاقة.. تبيد ما تحس به من هموم وما ترسب في أعماقك من آهات.. أنت تعرف السبب طبعا يا عباس.. فما أكثر ما تتجرع من هموم من إشراقة الشمس إلى إشراقتها لكن اشد ما يثير الدهشة هو انك تذبل بدل من أن تشحن و تمتلئ كالزكيبة

ما معنى أن يجلس المرء الى طاولة بأقصى ركن في مقهى.؟

-ما معنى أن يرفع عقيرته بالصياح.. يقرا الجريدة اليومية ويناقش أخبارا سياسية مهمومة ويعلق ببرودة أعصاب ويتفرج على حشود المارة ويلحس ببؤبؤ عينيه مؤخرات الفتيات…؟

آه ما أجمل الفتيات

أنت متيقن من أن أغلبية المارة لا هم لهم سوى متابعة الفتيات والنسوة .. بنات بائسات جميلات رشيقات ممتلئات الأرداف بالشحم واللحم متوردات الخدود والوجنات

ما معنى التفرج على الصبايا العرايا بأسمالهن البالية وأكتافهن وأعضائهن الشبه عارية وسحناتهن الطينية وإمطار المارة بسيل من الشتائم والسباب..؟

ما معنى ان تجيب العالم بألف خير الدنيا بخير وأنت تموت فقرا ؟

كذب المنجمون ولو صدقوا

ما معنى أن تجيب بطريقة ببغاوية لا بأس الكل بخير.. وانت تعيش في هذه الدنيا تحتضن بؤسك في وقار يغتالك بمهارة مع سبق الإصرار والترصد وتحنو عليه..؟

كاد الفقر ان يكون كفرا

لو كان الفقر رجلا لقتلته

هكذا لقنوك عندما كنت تلتصق بخشب المدارس.. لكن الفقر ليس رجلا يا عبس ولا حتى امرأة انه جبار مارد بشجرة قرون متفرعة فروعها ذاتك وجذورها أجداد أجدادك.. ويمتد منك إلى أكواخ القصدير الصدئة جنوبا حيث تتقيا المدينة زبالتها.. وحيث يتخلى الهواء عن حمولته المنعشة.. يمتد من بائعي التقسيط إلى بائعي النعناع والمتلاشيات الى بائعات الهوى

إن اشد ما تكرهه في بلادك يا عباس بائعات الهوى.. ليس تعاليا ولكن شفقة على أحياء يأكلون ذواتهم

(التريبونيم بال) يمتلك شاربين طويلين يعقفهما ويتدلل عارضا عضلاته بأجسادهن

أنت حينما تقول هذا إنما تسترجع مأساتك مع الزهري وحقنات الاكستنسلين 2400 المؤلمة

لكن الفقر ليس رجلا يا عباس ولا حتى امرأة..  بل ليس الوحيد الذي يضيق علينا الخناق بل انعدام الحرية أيضا

إن الحياة جميلة لكن حينما نساوم من اجل اللقمة والحرية والمساواة والعدالة ومن أجل كرامتنا تفقد الحياة حلاوتها وتبدأ عملية لف حلزونية تسقطنا في جحيم العدمية تحرقنا تذيبنا وتفنينا.. هكذا يدفع الفقر الأغنياء لافتراس المستضعفين وشرب دمائهم الجارية بشبكة العروق

-3-

(أتمنى لو أن أحدا يشرح لي كيف أن الذين يملكون الأرض بكاملها يملكون كذلك الذهب.. أنا عندما اشتري رغيف خبز أعطي قروشي الستة للخباز. ولو احتفظت بها لنعتوني بالسارق..) (2)

-4-

هكذا أنت دائما يا عباس حينما تختلط عليك الأمور تضع رأسك بين راحتيك تعتصره تطرق للأرض تتحسر تتمزق أسى ولوعة.. تنفث آهات تلعن هذا العالم الموبوء.. تعبس بوجهه تنفخ في الهواء الرطب تهرب بنفسك من ضجيج المدينة تدخل دروبا حلزونية يفتض بكارتها ضوء شاحب اصفر يطلي الجدران كالبيض المفقوس ويحيله كوجه شبح مسلول

تهرب من ضجيج هذا العالم المفتعل تنسل من ظلالك الواهية الرخوة المتواطئة مع الفقر تهرب وتنغمس في الظلمة

 

– 5-

أثمان اللحوم سنة 1980

لحم الغنم 25 درهما

لحم البقر 27 درهما

لحم الدجاج 8 درهما

سمك السردين 3 درهم

 

أثمان اللحوم سنة 2006

لحم الغنم 50 درهما

لحم البقر 65 درهما

لحم الدجاج 15 درهما

سمك السردين 6 دراهم

 

-6-

تدمع عيناك يا عباس حزنا وتفرح لان الباعة يدافعون وبأشكال عشوائية عن حق من حقوقهم من اجل العيش الكريم وتبقى أنت خارج اللعبة قابعا تحت الجدران يمتصك الظل ويزملك الصمت

أنت لا تأكل إلا لحم الشاة أو لحم الضـأن عندما تشتهي لحم الخروف.. ولا تأكل إلا لحم الجمل عندما تريد لحم البقر، وغالبا ما تأكل لحوم الحمير والكلاب والقطط

لكم أنت سيء الحظ يا عباس

لكم أنت سيء الحظ يا هذا

وتقضي وقتك في لعن الوقت وأولئك الذين يعيشون في الفيلات يركبون السيارات الفخمة، يدخنون البيب ويحتسون الويسكي، وتسكن أنت الكوخ وتركب عربات الحمير وسيارات الأجرة وتدخن ارخص أنواع التبغ وتشرب الشاي والكحول والروج وتحتفظ لهم على الطاقة الثمينة لتتجمد إطرافك بفعل برد الشتاء القارص.. هل هناك إخلاص أعمق للوطن من كل هذا

لكم أنت مخلص للوطن يا عباس

لكم أنت صادق الإخلاص يا هذا

 

-7-

(تضمن الدولة ما تجده قائما للبعض ثرواتهم وللبعض الآخر فقرهم.. للبعض الحرية القائمة على الملكية وللبعض الآخر العبودية النتيجة الحتمية لبؤسهم)

 

-8-

أثمان الذهب

سوق لندن 850 دولار

سوق زيوريخ 842 دولار

سوق هونغ كونغ 856 دولار

لوحظ تهافت الزبائن على مكاتب الصرافة والبنوك التي يقي بعضها مفتوحا الى أخر منتصف الليل والناس جد متخوفين من نشوب حرب كونية ثالثة..(3)

 

-9-

تحزن يا عباس تمشي تحو البحر تغد السير دون التفات.. الموج أمامك يعلو بتطاول وشموخ.. يتسابق كقطعان أفراس جامحة .. تندفع بقوة تنطلق تتطاير فتحجب الأفق البعيد.. ووراءك هموم الدنيا الغلاء الحروب الرشوة العطالة التخلف تلهب ظهرك كالسياط

سطح اليم يتموج بخفة.. اليم عميق لا له قرار.. والأرض منبسطة عالية مسطحة واسعة طويلة وعريضة.. هكذا حدثنا السندباد.. في الأعماق اللؤلؤ والمرجان و المحار والعنبر والحوت الذي ابتلع يونس وفوق الأرض الجبال والوديان والسهول وناطحات السحاب وسبع سماوات طباق.. تخطو يا عباس ينساب الماء تحت رجليك يتطاير رشاشا حواليك تؤلمك الملوحة في جراح الجسد المهزول.. تتنامى إلى خياشيمك روائح لمزيج من النفايات ملح زنخ وسمك مغدور.. زيت محروق نفط واز بال.. تنتابك قشعريرة مريرة لملامسة المياه الباردة لكن يشجعك إيمانك الراسخ بقوة وفعالية الإنسان الكامن بأعماقك بخلق جيل جديد ذي ملا مح بطولية.. جيل مناقض لأجيال الذل والهزائم والخيانة والجبن وبيع الخيرات والمتاجرة في الأعراض والأوطان.. جيل التواريخ المدنسة والمسمومة والمؤامرات والدسائس والخذلان

جيلك يا عباس كالنعام ما إن يحيق به مكروه حتى يسارع إلى عقد مؤتمرات مؤامرات يساعد بها على تعميق الهوة.. هوة الشقاق ونكأ الجراح القديمة والحديدة الغائرة بوجه التاريخ كالبراز

جيلك يا عباس جيل الوصاية والحكم الواحد الأحد والكذب والبهتان والابتزاز والسرقات والزنازين والرصاص

لكم انت سيء الحظ يا عبس

لكم سيء الحظ يا هذا

تخطو يا عباس نحو اللجة.. تشرع في عملية العلو والهبوط تنبسط أمام ناظريك صفحة الماء ثم ما تلبث أن تغيب.. تضرب الماء بكلتا يديك تستهويك عملية الضرب.. ترغب في فتح طريق بين جحافل الموج.. تتعب يداك لكن الماء حينما يتوالى عليه الضرب لا يزداد سوى صلابة ويتخذ شكلا حجريا.. تخطو يا عباس لكن نحو أسفل.. وتبدأ عملية التساوي والمزاوجة.. تستوي أمامك صفحة السماء الداكنة بالون الغروب بصفحة اليم الرصاصي االمترامي الأطراف.. يختلط عليك صياح النوارس المتطايرة بخفة فوق راسك بنعيق الغربان المتربصة بالجيف بهد ير الموج برقص الحيتان في الأعماق.. وتمتليء بطنك بالماء المالح… وتتداخل الألوان متخذة إشكالا شبيهة بحمولات ضد سعال مزمن حمراء وخضراء وقرمزية وصفراء وبيضاء وزرقاء وسوداء.. تتخد الحمولات مباشرة أشكال نجوم في عز الظهيرة .. يتسارع التداخل والتلون كأنك مصاب بعمي الألوان.. يتوحد اللون نهائيا ثم يغمى عليك.. وينتهي المشهد بإطفاء الألوان وإسدال ستائر الماء.. وتتبخر الأحلام إلى الضفة الاخرى

لكم أنت سيء الحظ يا عبس

لكم الوطن ظالم وقاسي يا هذا

(يتبـــع)

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد