من حيث أقف!

 الأديبة السورية سوزان إبراهيم

من حيث تقف، ما الذي يمكنك أن تراه ؟ وهل تتغير رؤيتك أو ما تراه لو أنك غيّرت مكان الوقوف ؟

في إحدى قصائدها،‏ كتبت الشاعرة «إدنا سانت فينسنت ميلاي»: (كلُّ ما أقدر على مشاهدته من حيث أقف/ كان ثلاثة جبال طويلة وغابة).‏

أظن أن لدى الإنسان خاصية يتمتع بها، وهي قدرته على رؤية ما هو غير موجود تماماً، أعني قدرته على تجسيد الخيال كرؤية واقعية والاقتناع بأنها موجودة.. ويمكن للإنسان أن ينتقي من المشهد جزئية ما فقط يركّز عليها، وينسى الباقي، أو يتجاهله فكأنه غير موجود في ساحة الإدراك. ‏

من حيث تقف ماذا ترى الآن ؟‏

من حيث أقف هذا الصباح، أرى غابات حزن وارفة ببصمات سورية محفورة بعمق.. أرى نوافذ وأبواباً مغلقة، لا بسبب البرد، بل بسبب الخوف مرات، وبسبب الانغلاق على الذات مرات !‏

من حيث أقف يلفت انتباهي، أن كثيرين – ممن فقدوا الأمل بحدوث بشائر تغيير في سلوكات الواقع- مشغولون بحزم الحقائب بحثاً عن أرض وحلم !‏

من حيث أقف، ما زلت أجرب صناعة الأمل.. لا ألعن العتمة.. لكن الظلام يحتاج إلى ضوء كاشف حارق، وهذا ما لا تقدر على فعله شمعتي !‏

قبل سنوات الحزن، كان هناك مشروع لزراعة آلاف «شتلات» الوردة الشامية في جبل قاسيون، وما عدت أعرف أين ومتى توقف مشروع الجمال الدمشقي هذا !‏

أمس.. بالقرب من قلعة دمشق.. على طرف ساقية تغطس فيها جذوع أشجار تين عارية.. ولأغصان التين البيضاء المجردة من أوراقها الخضراء سحر خاص أيضاً، كانت قبيلة من اليمام (الستيتيات) تسوّي وضعية نومها.. كان المشهد ساحراً ولا يمكن لأي كاميرا أن تلتقط جمال اللحظة، هي فقط عين القلب.. وعين الذاكرة من يقدر على الاحتفاظ بها أبداً!‏

من حيث أقف، ما زلت أقف غير واثقة تماماً من موقع قدمي وثباته.. لكن غرسة ياسمين فتية، وقلم وردة جورية بيدي.. أعدُ نفسي، أعِدُ دمشق التي تسكنني، أنني سأزرع العطر السوري أينما كنت.. ومهما كانت الظروف.‏

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد