بقلم الأستاذة مجيدة السباعي
شكر وتقديم: كما عودتنا الأستاذة مجيدة السباعي بتناول النصوص القصصية بذائقة ذوقية نقدية مقتدرة، تمكنها من سبر أغوار النص، بعدما تتمكن من الانصهار في بوثقة الشخصيات والأحداث إلى حد التعاطف كما سيرى القارئ من خلال قراءتها لنص (خوروس، بوروس قطاع الروس)، هذا النص المتخم بالنصوص الغائبة التي تستوجب المعرفة الدقيقة بدلالات الإحالات، والإشارات الاسطورية والتاريخية والدينية، وغيرها، ولعل تفكيك الرموز، واستجلاء الغموض عن تلك النصوص الغائبة، هو ما يشكل عقبات لا يستهان بها بالنسبة لأي قارئ أو ناقد يقرأ نصا من هذا النوع، والملاحظ أن الأستاذة مجيدة تمكنت من تفكيك رموز هذا النص، نسبيا ووفق رؤيتها الخاصة وتبعا لخلفيتها الثقافية، وهذا راجع لكون كل نص إبداعي كيفما كان نوعه يكون منفتحا على تعدد القراءات قابل للاختلاف والتنوع، وحتى لا أطيل على القارئ الكريم، أشكر الأستاذة مجيدة جزيل الشكر على ما بدلته من مجهودات لتفكيك مستغلقات هذا النص الذي لا يخلو من صعوبات رمزية، ومزيدا من التألق استاذة مجيدة !!
—
تقديم: بقلم صالح هشام
القراءة النقدية
إذا ما كانت القصة القصيرة تستدعيك، وتلح على قراءتك النقدية لها، فذاك يعني أنها جد مؤثرة / معبرة/ مصورة وآسرة/ لمتلقيها القارئ، وإنك حقا استمتعت بواقعية وعمق أسرار مضمونها، وحسن آليات شكلها ولغتها، فتتولد لديك رغبة أكيدة لاستكناه أغوار دلالاتها، وسبر طيات رموزها الدفينة، وتكون متعطشا لاستكشاف هذا المنتوج الفكري، الإنساني الراقي.
ويتعلق الأمر هنا بنص للقصة القصيرة، معنون بخوروس بوروس، للكاتب صالح هشام، نص سردي بطله الرئيسي مجنون: (خوروس) من فن القصة القصيرة الواقعية، يسطر الكاتب من خلالها تفاصيل آلام رجل متشرد، معتوه، مهمش، يئن شجنا ورفضا من المجتمع، وقذفا، وعزلة قاتلة.
ولجهل عات في العقول فسادا إذ لم يكتف الآباء الراشدون والمسؤولون، بما هو غارق فيه من معاناة لا متناهية، بل زادوا الطين بلة ولقبوه بما يشهر عنفه، ودمويته، فصنعوا منه شخصية الغول المفزع لأطفالهم الصغار، وبذلك جحضوا حقه كإنسان في العيش الكريم، وظلموا معهم صغارهم الأبرياء، بأن لقنوهم طريقة تربوية معوجة، بأفكار مغلوطة تستند على التخويف، والإفزاع، شعارها: القتل، وإراقة الدماء، بل وقطع الرؤوس، فلا غرو أن هذا من فعل تأثير رواسب الجهل، وسيطرة العادة، فالجهل ظلام ذباح، معتم.
ولكي أحقق بغيتي وأنجز هذه القراءة بتفحص، وأنا التي أجد كل ما يفتح شهيتي لذلك، لابد من استغوار كنه النص، والوقوف على جماليات لغته، وسبر أغوار بواطنه الموغلة في العمق، بدراسة الرموز، والدلالات، فالكاتب نمق سرده هذا بجودة حكائيه، تزاوج بين التميز اللغوي، وواقعية المضمون، وعمق الدلالة.
سأدخل مباشرة من العتبة العجيبة، التي تفتح الباب على مصراعيه وتجعل المرور يسيرا إلى سرداب هذه القراءة، إنه العنوان، منار في شط بحر قراءة القارئ، وطعم متمكن جاذب له، يسقطه في شباك حباله، يحبب له القراءة، فيأسر اهتمامه كليا !
“العنوان” يعد المحدد الأول لمصير قراءة أي نص، إذ يذيب لدى المتلقي كل رغبة في غيرها. فيساعد على اقتحامه، وتشريح أجزائه، وكأني الآن أسمع صرير باب النص يفتح، وأنا أقرع باب العنوان جاء مكونا من كلمتين (خوروس بوروس)، الأولى تختلف عن الثانية في جزئها الأول فقط، وكلاهما باللهجة العامية، وخوروس بمعنى أخ للرؤوس، وبوروس بمعناه الدلالي الرمزي سفاح، مخيف، قاطع للرؤوس البشرية، يختار ضحاياه من الصغار لضعفهم، و قلة حيلتهم، وفتوتهم، إذ يعشق إسكات ضجيجهم، ومرحهم، ومجرد سماع لقبه يبث في ذهن المتلقي الاستغراب، ويولد لديه رغبة أكيدة في قراءة هذه القصة، المشوقة بعنوانها، لأنه هو الدال عليها وملخص لها، وداع إلى قراءتها حال جودة انتقائه، لبثه الفضول والتشويق لمعرفة الأحداث.
وبوروس وظفت كرمز لشخصية غامضة، مصابة بمرض الدهان، مهمشة، لا يكف صاحبها عن التسكع في الطرقات، ويستجدي الأمن، بعيدا عن أدى الصبيان، هنا يبرز جليا مدى احتدام الصراع الداخلي، وتوالي أزمات النفس المعذبة للشخصية الرئيسية، إذ تعاني أمر الأوضاع الاجتماعية والنفسية، وتفتقد لأبسط حقوق الإنسان، والعيش الكريم، أما الصبيان الصغار فلهم عالمهم الداخلي الخاص، يعانون بدورهم أزمات خوف، وتراجع، وأوهام، وهواجس، هي علاقات لا تسودها الألفة، ولا الانسجام.
وخوروس يعرب خبرا لمبتدأ محذوف تقديره هو، والخبر جاء مفردا، ونفس الشيء لبوروس الشخصية الغامضة المنبوذة من كل أفراد المجتمع، صغارا وكبارا. فإلى أي حد يا ترى يعكس العنوان رموز المضمون، وبلاغة اللغة، وواقعية الأحداث، في هذا النص القصصي ؟ !
الزمان والمكان
الزمان والمكان فضاءان مهمان جدا في سرد القصة القصيرة، بهما تتوزع الأمكنة، وتجري الأحداث، وتتحرك على أرضيتهما كل الشخصيات، فالكاتب هو نفسه السارد، كان عند تحقيق الأحداث الواقعية طفلا صغيرا، ويتمثل في ذهنه ضواحي مدينته، حيث كان يعيش البطل خوروس بوروس مهمشا، ويحفظ كل جزء من زقاق أزقتها حيث كان يقطن.
وزمان النص يعد كتوأم للمكان، وإن كنا ندركه بالعقل ونلمس آثاره، وحدثت هذه الوقائع بالضبط في سنوات في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وتعمد الكاتب استعمال أفعال مصرفة في الزمن المضارع، رامزا بذلك أن المأساة مازالت مستمرة حتى الآن، وبوروس سيتكرر في كل عصر، وزمان، وهذا الحكي صور مجتمعا مثقلا بالخيبات والهموم.
وهناك إشارات للزمان واضحة (ذات زمان عاصف) (ذات راعدة مبرقة) والسارد هنا يوظف تقنية استرجاع ما حدث. الزمان والمكان جد منسجمان في القصة، خدما بقوة الحكي والمعاني والدلالة، هي رحلة عناء في بيداء سنين بوروس.
أهنئ الكاتب الأديب لتمكنه من إهداء قصة قصيرة، تضمنت كل آليات القص المتين من حيث الأسلوب، المضمون، الصياغة، والفكرة، وجعل لكل ذلك سمات الإبداع، فذكرنا جدا بأجواء نجيب محفوظ، وحمل هموم الشعب، وعذابات المستضعفين.
دراسة الشخصيات
يبدو جليا أن الشخصيات ساهمت في حركية، ونماء الاحداث، فعملت على تطويرها، ونسج مواقفها حتى النهاية، عن طريق الافعال والتحركات. هناك بطل رئيسي هو بوروس، وأبطال ثانويون هم الأطفال الأبرياء.
البطل الرئيس
هو بوروس الماثل في الصورة تحت النص، إنه الشخصية الحقيقية بملابسه، وعمامته اللولبية، وعصاه بدون مقبض، أو نصل، وتاريخ أخد الصورة مسجل عليها. (ينتشي بالنسر، ينهش كبده) أول جملة بالنص، ويبدو معناها غريبا، سيتعجب القارئ منها كذلك لكن يتدارك، ويذكر أن النسر لا يرتاد الا القمم ويستخف بالسفوح، وهو فتاك جارح، لذا وظف رمزا ودلالة لدمويته، وكونه من الطيور الجوارح، وهذا ايحاء لصفة البطل لقطع الرؤوس، والفتك بها. وفي الواقع هذا استدعاء من الكاتب لامتطاء مركبة الاسطورة، ويعد توظيفها في غاية الاهمية والدلالة الرمزية، اذ باستحضارها يستحضر التاريخ بنكهة الحكاية الشعبية، فيعكس بذلك معتقدات الشعوب وتقاليدهم، وهذا ما يؤكده تعبير “كلود ليفي ستروس” (كل اسطورة تروي تاريخا).
ولا يخفى البتة جانب الأسطورة الفني والجمالي، فهي خطاب أدبي وفكري، ورمز مضيء رائد لا يحيد عن لونه التاريخي، يهدي للكاتب فضاء أرحب وأثرى لأفق متخيله، مستندا في ذلك الرمز والإيحاء، لذا فكل مجتمع إذا ما غرق في مستنقع الجهل إلا ورزح في وحل الشعوذة، والعكس !
صحيح إذا ما تعلق بالمعارف والمنحى العقلي فسيتحرر ويرتقي، ولعل توظيف الأسطورة في المنتوج الفني القصصي تعطش كبير، وتوق حقيقي للبطولة الحقيقية والتاريخي الزاهي المنحى عن كل ظلم، وتعد. فعبر التاريخ كانت الأسطورة الملاذ الأول المساعد على تذويب كل المآسي، وتجاوز كل أزمات الإنسان المقهور، المفجوع في تطلعاته وطموحاته، وكأنها بديل يساهم في تحقيق توازن نفسي، وتصالح حقيقي مع المجتمع والبيئة. فإذا كان الواقع مرا علقما فبالحلم يتم تخطي الغصة والمرارة، فتنقشع كل الدياجير، لأن الحلم قادر أن يجلو صدأ القلوب، والنسر هنا هو النسر الإلهي الذي كلف بنهش كبد بروميتيوس الطيب، وظف في النص السردي هذا للدلالة على البؤس والفاقة، والعته، والتشرد، وغياب كل حق من حقوق الإنسان، وكان الكبد يتجدد كل ما نهشت، فينهشه من جديد ليستمر العذاب وهذه إشارة لعذاب خوروس الدائم المستمر، والأسطورة تثير أيضا لدى القارئ إحساسا بالمتعة والجمال، والشموخ، لإبعاد واقع طافح بالجهل والمعاناة، وتدفع إلى تحريك الطاقة التخيلية.
– (يحلق الإلاهي في الفراغ يعانق خواء الخواء): الكاتب يمزج بين الإلهي الأسطورة، وشخصية بوروس، الذي يغرق في فراغ قاتل، وخواء مدمن، مما يؤكد عذاباته التي لا تنتهي، ولا تتوقف، وحيدا يجتر الألم، ويلوك الأنين، والرفض من العالم الخارجي وأصحابه القساة.
– (يتجدد كبده): معاناة مرضه العقلي آفة تنال منه، فيحتد وضعه الصحي كل يوم، ويعيش منبوذا من المجتمع، بل يعد رمزا للهول فهو قاطع الرؤوس.
– (يهيم على وجهه): يغير مكانه ناشدا الأمان، والسقف، والحنان والسلوان، لعله يتقي غضب الطبيعة من البرد والعاصفة، وحقد الإنسان، وقسوة قلبه المتحجر. لا مأوى يدفئ جسده، وينسيه مرضه، وابتلاءه، وقسوة بني جلدته، فيتجول دون هدف، دون سند، أو رحيم أينما حملته قدماه.
– (يحمل ذاته بذاته ) انطوائي، يكلف نفسه مجهود حمل جسده، المثقل بالخيبات المعنوية، وعقله المريض، وعذاباته اليومية بسبب تشرده، والضياع القاتل، والوحدة الموحشة، والفاقة المفترسة.
– (في يده شعلة نار): هي استحضار لشعلة نار بطل الأسطورة الطيب، وإشارة دالة تبعث الأمل في أن من المحتمل أن تتوقف هذه المعاناة ومؤازرته أخيرا.
– (سيفه بلا مقبض ولا نصل) اتخذ عصا يتكئ عليها لمجابهة الاعداء، وطريق الوحدة الشائكة، رآها السكان سيفا مؤهبا لقطع الرؤوس وسفك الدماء، رغم أنها خالية من المقبض والنصل، هو بريء من تهمته التي لا تفارقه، فصارت عصاه مؤنسته الوحيدة دون بقية سكان الأرض.
– (قريض مهبول) مهمش، محروم، منبوذ دون سند، لا يسمح له ابتلاؤه المرضي من القرب، أو الحديث، أو الاحتكاك بالآخر، حاله كالأجرب، الكل يخافه.
(نحترم مسافة الاقلاع، وركوب الريح) لا بد من فاصل لاتخاذ الحيطة، وهكذا أعدمت روحه وهو حي، وإن دققنا النظر وجدنا حكاية بوروس تشبه فن السيرة الذاتية، إلا أن الراوي تكلف بالسرد، وهو نفس الكاتب أحد اولئك الاطفال الصغار، الذين حضروا الوقائع.
– هي شخصية لسان حالها يحكي مؤثر فاعل، وشكله مصور أكثر من أي رسم، أو حرف، أو صورة، يلدغ بطلها الإحباط، ويفترسه الخدلان، ويشمله الظلم في كل أرض، روحه متعبة، تلوكه ألسنة المجالس، دون اكتراث بحقه في العيش الكريم، واستنشاق الرحمة التي هاجرت القلوب.
الأبطال الثانويون
الأطفال الصغار هم الأبطال الثانويون، الذين لقنوا أفكارا مغلوطة عن بوروس، قاطع الرؤوس، فصدقوا الكبار. رتابة زقاقنا الضيق (دخل بوروس تحت تأثير العاصفة زقاق) الأطفال بحي شعبي، فكسر روتينه الهادئ فجرى الصغار بعيدا، اعتقادا بأنه سفاح. (نشرئب أعناقنا من النوافذ) (يبدو أنهم كثر، وكلهم شوق) لاكتشاف عالم هذا المعتوه القاتل.
تخترق جسده مئات العيون القلقة (عيون صغيرة لا حصر لها) متعطشة لاكتشاف أغواره، دقائقه، أسراره، فتحاول اختراق مظهره لاستكناه ما يخفى، وما يستتر بعيون جاحظة محتاطة، وكل رأس من رؤوسهم وجل، خوفا أن يتزحزح عن جسده.
نكاد نسد الشقوق (لا أحد منهم بالشارع، بل يشرفون من) الشقوق من اجل السلامة. نقارب منه بحذر شديد (إحساس بالخوف، والهلع، وضرورة) اتخاد الحيطة. هو ذا قطاع الرؤوس بعمامته اللولبية (يتم التركيز على رأسه) دون بقية الجسد، هو تساؤل عن مدى اختلاف رأسه عن رؤوس الناس.
هم يكذبون ونحن نصدق (هنا السارد يعاتب الكبار الذين كذبوا) وظلموا الرجل المريض، فصدقهم الصغار لبراءتهم، وصدقوا أكاذيب أخرى، حرمتهم أطايب الطعام يوم العيد)، لسان الكبش يسبب البكم ومخه يسبب الهبل (وهم وسراب).
(يتأجج تعطشنا لمعرفته أكثر) (يمثل نموذجا خارقا، لهم لهفة لاكتشاف تفاصيل دقيقة عن هذا الغول السفاح). بشبه كبارنا في تدخين السيجارة (يتوهمونه مختلفا عن الاباء، فيتعجبون لأنه يحاكي طريقتهم في التدخين). هم لا يناقشون ولا يتناقشون فهم الكبار (انتقاد لطريقة الكبار الكلاسيكية في التربية، اذ لا يقبلون السؤال، ولا النقاش، ولا الانصات ولا الحوار.
إيذاء الاطفال نفسيا عن طريق الكذب والقمع، من قبل الوالدين يتسبب في أضرار نفسية، وعاطفية، فيتعرضون للخوف، والاكتئاب، ويكونون أكثر عرضة لمشاكل دراسية، وقد يميلون لأنشطة إجرامية، ولعل الصحة النفسية رهينة بمساعدة الفرد على التكيف مع نفسه ومجتمعه، فيعيش حياة سوية، خالية من الاضطراب، ومليئة بالعطاء، والحيوية، والقدرة على مجابهة الحياة. هذه المفارقة بين بوروس والأطفال الخائفين حتما تحقق لذة القراءة، وتشويقا عارما، وتجسيدا للمواقف الإنسانية المتباينة، ذات الطابع الواقعي، والابداعي، والشعوري دون تكلف.
اللغة
كان الكاتب محترما لشروط كتابة قصته القصيرة، فراعى ضيق مساحة النص، وجعله يستوعب الأحداث، والشخصيات، والعقدة، والقفلة المشوقة العجيبة، فتفوق في أن أتت فضاء قصته بكل هذه الخصائص، مع مراعاة الاختصار، وحسن ربط الجمل بالمعاني، لتحاشي الإطالة، والتصنع، والحشو. كما كانت عينه كاميرا متحركة في كل الاتجاهات، تلتقط، وتترجم، وتقارن المواقف، وتكتب ما يبدو على ملامح الابطال، بل تخترق داخلهم ايضا، وتتجول بدفين نفوسهم ولا أدل على ذلك من وصفه لبوروس، عندما زارته الأزمة المفاجئة، وانطلق في هيجان، وصياح، وضرب بعصاه في الفراغ، فأهدت قراءة مشوقة للقارئ، تزيد من تأثره، وتعاطفه، وانفعالاته، فتجعله يقرأ النص بنهم، ويسرع حد أن يلهث، حتى القفلة.
– لغة السرد واقعية، خالية من كل حشو، والمعاني تخدم الدلالات وتصور المواقف الإنسانية فتسمح للمتلقي باكتشاف كنه الرموز، بالانزياح والمجاز، الذي يسحر بصور أخاذة شاعرية، فباللغة الانزياحية نضمن التكثيف، وهو أساس في القصة القصيرة.
– أول النص وظف الكاتب الأسطورة لتجسيد هموم البطل، وعذاباته، لها حتما تأثير ايجابي في تغيير الواقع، والنفاذ لعمق الشخصية المدروسة، إنها إضاءة قوية لزمن النص.
– بعض الكلمات عن قصد اخترقت النص بالعامية (لا ثقة في عتيقة) (كلامك هو الكبير).
– استعان ببعض الأمثال لإثراء النص، وهي مستقاة من الفكر الشعبي (تسقط البقرة؛ تشحذ السكاكين)
– لحدق الكاتب، جعل بعض الكلمات تدل على أصوات، وروائح لإبراز الجرس والدلالة (كركرة؛ نحنحة؛ همهمة؛ طرطقة) (تفوح فائرة؛ يتلمظ روائح دمه).
– وظف ايضا جملا استفهامية، وجملا حالية (هم يكذبون ونحن نصدق).
– استعان قصد تعزيز المعاني بإشارات من قصص قرآنية (مفاتن امرأة العزيز)
– لجأ لصور تشبيهية (يتمطط كالأفعى / يقعى كالكلب) مزيدا في الإيضاح.
وهكذا توفق بأسلوب شيق، ولغة واقعية، في خلق صور من الواقع المعيش، وسرد فاض صدقا، رسمت كلماته ببساطة لا متناهية، وانسيابية متدفقة وتسلسل متين.
ولنأت على القفلة لاعتبارها أهم عنصر في هذا اللون الأدبي، إنها هي التي تذهل القارئ بإيجازها، ومفاجأتها، وجملها الصادمة أحيانا، حيث تغلق باب القصة كخاتمة، ولعل قفلة هذا النص من النوع المضمر، فالنهاية تقريبا قائمة على الإضمار، خلالها يستدرج السارد المتلقي للمشاركة في صنعها بالتأويل، فكل متلق وقفلته.
ولعله اختارها كذلك، لأن بوروس ظل بدون علاج، وهو القريب من مدينة برشيد، حيث أكبر مستشفى للأمراض العقلية. أما زاوية النظر التي اختارها السارد لتقديم مضمون قصته، فتحدد بالرؤية مع. فالسارد هو أحد أبطال القصة الثانويين، طفل صغير بصمت ذاكرته هذه الاحداث لواقعيتها، هو الكاتب نفسه الاستاذ صالح هشام، وحكاية بوروس تماثل ما يشبه فن السيرة الذاتية، واللغة تنبني على النهج المنطقي، وتتنحى كل حس رومانسي.
حقا أمتعتنا القصة، ونالت إعجابنا، وحققت الاندهاش، والتشويق، والمتعة الفنية، دون حشو، أو تصنع، أو إقحام، حيث عرض الكاتب حالة هؤلاء المشردين الذين لا يعون عواقب أفعالهم، يتجولون بكل حرية، دون علاج، أو استشفاء لذا يتبين انه لن يتحقق التوافق في المجتمع بين أفراده، إلا بضمان الصحة النفسية، الى جانب التوافق الاجتماعي. انتهى
—-
خوروس / بوروس: قصة قصيرة
بقلم الاستاذ: صالح هشام / المغرب
ينتشي بالنسر ينهش كبده، إلى آخر مضغة، يتلمظ روائح دمه تفوح منه فائرة، يحلق الإلهي في فراغ الفراغ يعانق خواء الخواء !!
يتجدد كبد ه، يستمر ألمه /عذابه، يحيى من جديد، يلملم نفسه، يدحرج أوجاعه أمامه، يحمل ذاته بذاته، يهيم على وجهه من القوفاز إلى أرض الله الواسعة !!، ذات زمان عاصف !
ذات راعدة مبرقة:
تلفظه السماء، في إعصار من كويرات البرد الكبيرة في حينا !
يخلخل رتابة زقاقنا الضيق: نشرئب بأعناقنا من النوافذ والأبواب، تخترق جسد الرجل مئات العيون القلقة، الجاحظة عبر الشقوق والثقوب، نلتهمه حد تجريده من أسماله الرثة !
يروي لنا عنه كبارنا:
– هو خورس / بوروس / قطاع الروس ذاك:
القادم من عمق الألم ووجع العقاب الجماعي، وصداع الرأس !
يتأجج تعطشنا لمعرفته أكثر !
على رؤوس الأصابع ،نمارس رقصة البالي، نلتصق بالجدار، نكاد نسد الشقوق، نقترب منه بحذر شديد:
– هو ذا خوروس بلحمه وشحمه !
– هو ذا بوروس بعمامته اللولبية !
– هوذا قطاع الروس: سيفه بلا مقبض ولا نصل، في يده شعلة نار !
كم رأسا قطع، هذا القطاع ؟
هم يكذبون ونحن نصدق !
هم كبارنا ونحن صغارهم !
هم كبار عملاء زيوس !
لسان الكبش يسبب البكم !مخه يسبب الخبل والهبل ! هذه خدعهم تحرمنا من أجمل ما في كبش العيد !
* خوروووووس!
* بورووووووس!
* قطاع الروس !
قريض مخبول: سينية خرقاء، رعناء، بلهاء !
تهمة تلصق بالرجل، هو بعيد عنها بعد يوسف عن مفاتن امرأة العزيز، بعد (ضم الباء) القط عن اللحم المعلق !
هم يطبخون ونحن نأكل !
س-ؤ-ا-ل: صفعة بيد مفلطحة غليظة، تضيء النجوم في رأسك في عز النهار، تلزمك صمت الصمت، تزج بمخك المخبول في تجويفه، ويتحجر السؤال على شفتيك !!
يتمطط غريب الحي كالأفعى، نسمع طرطقة عظامه وضلوعه تتكسر !، يسند ظهره إلى الحائط، يهوي بجسده تتلقفه الأرض، يقعى كالكلب !
يعدل عش القلاق فوق مؤخرة جمجمته، تلوح لنا ثلاثية الأبعاد !
عصاه براقة ملساء، بدون نتؤات يلقبها (بوصالح):
تصلح ظهر كل شارد عن الصواب، نخالها عصا موسى، حية في حينا تسعى، تلتهم عكاكيز كل شيوخنا !
غير بعيد منه، نحترم مسافة الإقلاع وركوب الريح، يحسن تسديدة العصا، تلتوي على القدمين، تقيد الحركة، ندرك ذلك حق الادراك !
نحنحة، همهمة، حمحمة، نهنهة، زفرة عميقة، تصدر عنه أصوات كثيرة غريبة ولا نميز صوتا منها، نحسبه يعب الماء !
يشعل سيجارة، يمص الدخان عميقا، يلتصق جلد وجهه بأضراسه النخرة، يحرره بتلذذ، يلفظه من ثقبين في وجهه آهلين بذبابة خضراء كبيرة، تصول وتجول في ربوع خيشومه !
أصابعنا على الزناد، تحسبا لأي طارئ أو أي حركة تصدر منه !
(لا ثقة في عتيقة) أسطوانة معطلة، تلوكها أمهاتنا يوميا ؟
* خوروس !
* بوروس !
* قطاع الروس !، قطار سريع، بدون مكابح، بدون ربان:
من يدوسه يشد بالضباب، يقبض على السراب !
يكذبون فنحمل كذبهم محمل الجد !
هم لا يناقشون، لا يناقشون، ولا يتناقشون، فهم الكبار !
يغفو خوروس /بوروس، مقرفصا، يضغط على صدغيه بركبتيه، ينتشي بلذة غيبوبة مؤقتة، نشعر بحبل الأمان يشدنا إليه:
– أنفه كبير، معقوف، يذكرنا بمنخر سيرانو الضخم، جبهة كبش نطاح، وجهه حليق، خال من التجاعيد !
أمره غريب خوروس بلباس أفغاني، بوروس بعمامة لولبية كبيرة ! قطاع الروس، بلا سيف ولا حصان: فقط شعلة نار على رأس عصا ملساء، بدون نتؤات !
يشبه كبارنا في تدخين السيجارة الشقراء، وشرب المشروبات الروحية، القادمة من وراء بحر الظلمات، من بلاد العم توم !
فجأة تصيبه نوبة صراخ هستيرية تنتشله من غفوته، مرعوبا، يلوح بعصاه هنا، هناك، تحت، فوق، يمين، شمال ،يضرب على الخواء !
يرقص فوق صفحة الماء، يشتم، يتوعد، يتف، يتأفف، ويصرخ:
– كرونس يلتهم أطفاله الخمسة: منه تضخمت عقدة الكراسي !
– آدم يقضم التفاحة المحرمة:
– قابيل (لأقتلنك) يقتل هابيل !
– هابيل (انما يتقبل الله من المتقين) فيقتل: اللعنة، لعنة اللعنة !
يحتدم الماء في المتانة المتعفنة كحمم، يحررها رعب رهيب، تنفلت وتستقر في قاع المداس !
– خطوة، خطوتين، ثلاث خطوات، نقلع كطائر النغاف، نركب الريح، نحلق: تختلط طقطقة الأحذية البلاستيكية الصغيرة بتكتكة الأقدام الحافية ترتطم بالإسفلت المسبوك، بصوت واحد:
– وا.. خوروس.. وا.. الملعون !
– وا.. بوروس… وا.. المغبون !
– وا.. قطاع الرووووزوووووس !
تمتصنا متاهات الأزقة الضيقة، ولعنة الكبار تنزل علينا غيثا مدرارا !
أسئلة تدغدغنا: أدمغتنا صغيرة لا تربو عن بيضة دجاجة !
– من يحارب خوروس / بوروس، عندما تأتيه هذه النوبة المفاجئة ؟!
جواب إمام المسجد العتيق ضبابي، غير مقنع:
– خوروس / بوروس !
قادم من وراء الضباب !
يمتطي صهوة السراب !
يحارب القمع والفساد !
قطاع الروس !
هو ليس قطاع رؤوس ! غربته بيننا، وخوفنا من شعلة ناره ألصق به هذه التهمة: قطع الرؤوس !
خوروس عدو قوى الظلام، مفجر الابداع في جدار ذاكرة البشر
بوروس أضافته، سليقة عربية، تعشق القافية السينية الهامسة !
قطاع الروس نستعين بها على تخويف اطفالنا لتربيتهم على الخوف والخنوع واحترام الكبار، وموسقة سين القصيدة !
يرجح أن خوروس هو بروميثيوس، ينشر المعرفة ويتحدى زايوس !
انبرى أحد سكان زقاقنا وصاح بانفعال شديد:
– هذا هذيان، يا كبير، كلامك هو الكبير !
خوروس / بوروس شاب مخبول، يشتغل في صنع الأسرة، من ضواحي مدينتنا، أبوه وإخوانه أحياء يرزقون ! أنا أحق حتى عدد دجاجاتهم في خمها !
يخوض حربه ضد ليليث ملكة أشجار الدفلى، عدوة الرجال !
تخطفه من بين أبنائه تريد أن تلحق به الأذى !
– تمتص منه لذتها، وترضي شبقيتها الأيروتيكية وتتبول وتتغوط على جسده، تمل منه تبقر بطنه، ترمي جثته على ضفاف وادي الدفلى: انتقام أبدي من الرجال !
خوروس / بوروس يحارب الخواء، يقارع الهواء ! يصارع النسور تنهش كبده ! يقاتل ليليث العفريتة الشريرة ! لكنه لا يقطع رأسا غير رأس الفراغ، ينشر الإبداع:
تسقط البقرة، تشحذ السكاكين !
خوروس / بوروس تمتصه الجاذبية، يتهاوى، يغيب في سابع نومة / موتة، ستنتشله منها كركرة المنقار العاجي للقلاق في عشه أعلي مئدنة المسجد العتيق ينتشي بتكبيرات متهدجة فيها بحة: المؤدن فيه آثار النعاس !