بقلم الصحفية / بوخلاط نادية / وهران / الجزائر
لا يعتبر التعدد اللغوي و الثقافي مهددا للقومية إلا ذلك الإنسان الذي ينبذ الحوار و يفكر بتلك الشوفينية و التعصب لقومية يراها مقدسة و غير قابلة للتدنيس كمثل عذراء لا يجب ان تستباح عذريتها .
إننا نعيش في مجتمع تتلاطم في بحره تجاذبات إيديولوجية و فكرية تتباين حدتها بين التطرف و المهادنة و الليبرالية تجعل من الخوض في مسألة الهوية أمرا شائكا و حديثا مقتضبا سرعان ما يتحول إلى صراع من أجل البقاء تكون فيه الغلبة للأقوى و الأصلح على حد تعبير من يعتبر اللغة العربية لغة مقدسة لا تضاهيها كل لغات الأرض
إن هالة التقديس التي حفت اللغة العربية و التي لا ننفي هنا جماليتها و ثراءها في أي حال من الأحوال و لكننا أيضا لا نقبل أن تكون هي وحدها من تحدد انتماء مجتمع برمته أو دولة بأكملها
ما جعل الله في اختلاف الألسن من مشقة على عباده و لا ضررا بهم إذا سلمنا منذ المنطلق بأن اللغة ماهي إلا وسيلة حضارية للتواصل مع الآخر و نافذة نستنير من شعاعها المنبعث للتعرف على ثراء حضارة من الحضارات و فهم لغة الآخر جزء من التقدير له و التقرب منه و الاضطلاع على ثقافته
التعددية اللغوية هي مكسب و ليست تهديدا على الثقافة ” الأم” و لا منافسا لها ، ان تجيد الانجليزية او الفرنسية او الايطالية لا يجعلك تتنكر للغتك الأم بالضرورة أو تنفر منها حتى إن كنت تجد لذة في الحديث بهذه اللغات عوض الحديث بلغتك الأم ، و لا يعتبر هذا انتقاصا من قيمتك و لا من قيمتها
ان الحديث عن اللغة العربية بتلك الشوفينية و التعصب يعتبر أكثر ضررا و تعميقا لمشكلة الهوية و جعجعة في طحين و زوبعة يثيرها بعض “المتعصبين” الذين امتطو صهوة القومجية و الشعبوية لإذكاء حقد الجماهير و قيادة “القطيع ” و تهييجه
إننا أمة نائمة جعلت من صحوتها كبوتها من خلال الخوض في مسائل هامشية فارغة و إثارة النعرات و الفتن باسم القومية العربية المزعومة
تستفزني شخصيا مقولة ” من تعلم لغة قوم أمن شرهم” لأنها تجاوزها الزمن ، فاللغة لم تعد وسيلة صراع بل أضحت وسيلة تحرك الطاقات الإبداعية الخلاقة و محرك للعلوم و البحث
في ظل هذا الصراع القومي العربي ماذا قدم العرب للبشرية حاليا بربكم ؟
لم يقدموا سوى تلك العنجهية و صفدت عقولهم الموصدة سلفا و التي لا تزال تحمل شوائب العنجهية و الحمية الجاهلية !!
اللغة وسيلة جمالية للتخاطب مع الآخر و تمكنك من استطعام ثقافته و تعريفه بثقافتك في تناغم و جمالية ، هذه وظيفة اللغة الجوهرية ، و كلما تعلمت لغة كلما اكتسبت معرفة جديدة ، من هذا المنطلق يجب التعامل مع اللغة كمكسب و ليس ك”غنيمة حرب”
لكل لغة جماليتها الأدبية و الأسلوبية و القدسية لدى الناطقين بها و لكن بدرجات متفاوتة لكن الفرد ” العربي المسلم ” يعتبرها مقدسة و يحيطها بتلك القدسية المفرطة معتبرا إياها لغة أهل الجنة ، هل فكر هذا العربي أن أنبياء الله عليهم السلام أرسلهم و خاطبهم بلغة قومهم ، فمنهم من خاطبه بالعبرية و منه بالسريانية و منهم بالآرامية و هي لغات سامية شأنها شأن اللغة العربية و هذا لا ينقص من قيمتهم و لا من قيمة اللسان الذي خاطبهم الله به
و استدل هنا بمثل قاله الكاتب كمال داود بأن البيت الذي فيه تعدد لغوي هو بيت منير ، و لأي شخص منتهى الحرية للتحدث بأية لغة شاء و ان يرسي قاعدة حوار و تواصل مع غيره من بني البشر و من شتى القوميات
يجب أن تتوقف و نحن في عمق صراع العولمة على اعتبار لغتنا اسمي من لغة الآخر و أن نقبل الاختلاف لان الاختلاف رحمة و لنهذب عقولنا على الحوار و قبول الآخر برحابة صدر ، و لنجعل من بلداننا نافذة مفتوحة على ثقافات و حضارات العالم و شعوبها فزمن الغزواة قد ولى
18/02/ 2018