السنة الميلادية ونواقيس العولمة

د. ماجدولين النهيبي، كلية علوم التربية

صادفت على شبكة النت شريطا لشاب أمريكي، بعمر ثماني عشرة سنة تقريبا، يطرح سؤالا على الداعية الهندي الأصل ذاكر نايك المشهور بمناظراته ونشره الدعوة الإسلامية في كثير من أنحاء العالم. سأل الشاب الأمريكي الداعية نايك عن أسباب النهي عن تهنئة المسيحيين بالسنة الميلادية، وقال في سؤاله إن هذا الحدث أصبح ذا طابع تجاري محض، وأفُرغ تقريبا من حمولته الدينية. كان سؤالا ذكيا جدا من الشاب الأمريكي، وكان جوابا مختلفا من الداعية ذاكر نايك الذي اشتهر باستعمال الاستدلال المنطقي المحكم للدلالة على وجود الله، وعلى حقائق قرآنية في مقابل ما تورده الكتب السماوية الأخرى. الداعية الهندي، إذن، تحول من الخطاب الفكري المنطقي الذي عادة ما يستعمله أمام خصومة من المفكرين الغربيين، إلى خطاب العاطفة والضرب على وتر الخوف، وأجاب الشاب أن التهنئة برأس السنة الميلادية يساوي الإقرار والاعتراف بأن عيسى ابن الله…وأضاف الداعية “المفكر المنطقي” أن من فعل ذلك مجاملة للمسيحيين يشبه من يشرب الخمر مجاملة لهم…
لست أكتب هذه الكلمات لأدافع عن الاحتفال أم عدم الاحتفال، أو التهنئة أو غيرها، لكن ما أثار اهتمامي هو رد فعل الشاب الذي اصفر لونه، وبدت عليه علامات عدم الاقتناع بالاستدلال المعوج الذي لا يربط بين المقدمات والنتائج بما تقتضيه أصول الفكر السليم، فلا شك أن هذا الشاب الأمريكي المسلم يدرس في الجامعة، ويتبحر في عوالم الفكر العلمي، ولا شك أنه تعلم خلال دراسته طرق الاستدلال المنطقي، ليفاجأ بهذا الخطاب الذي يرغمه على نسيان كل ذلك والامتثال إلى أمر لا يستقيم منطقيا. وهو يعلم أيضا أنه كمسلم لا يعتقد بألوهية المسيح، ولا يقر ولا يعترف بذلك، ولن يقر بذلك ما دام على ملة الإسلام، ويعلم أيضا أن ما يجول في قلبه من معان إيمانية، ومن خواطر لا يطلع عليها سوى خالقه تعالى، وليس لأحد أن يطلع عليها أو يصفها أو يصنفها، ولا لأحد الحق في أن يتهم أحدا بالاستناد إلى أمور غيبية لا دليل له عليها…
متى سيبدأ الدعاة والقيمون على الدين بمخاطبة هذا الجيل بما يرقى إلى ذكائه وبما يجعله ينخرط حقا في منظومة الدين الإسلامي كفاعل لا كمتلق وكمأمور فقط؟ إن مشكلة الاحتفال برأس السنة الميلادية لم تعد ذات طابع ديني، بل على العكس من ذلك. لقد أُفرِغت السنة الميلادية من حمولتها الدينية قصدا من لدن اقتصاد العولمة والشركات الضخمة المستفيدة من الحركة التجارية الهائلة، والأرباح الطائلة التي يمكن أن تجنيها خلال خمسة أيام من السنة فقط، أي ابتداء من 25 دجنبر إلى حلول السنة الجديدة، وهي شركات يترأس الكثيرين منها يهود ولا دينيون وبوذيون،الخ.
الأجدر أن ننبه أطفالنا وناشئتنا إلى أخطار الاستهلاك العولمي، وأن ننبت فيهم القناعة والتبصر، ونحذرهم من أخطار اتباع النموذج الواحد، في الأكل والشرب واللباس والسكن، الخ. هذا النموذج الذي تُروج له الإعلانات والشركات الإشهارية لتجعلنا مجرد مستهلكين، ونعلمهم أن الإيمان يتعزز بإتباع السنن الكونية من أكل طبيعي صحي وممارسة للرياضة البدنية والفكرية، وندربهم على عدم التقليد والقبول بالأشياء لمجرد الاتباع حتى لا يكونوا إمّعات…وإنني لأستمتع كثيرا بما أقرأه في تراثنا الإسلامي من فكر راق في مقارعة الحجج بين الفقهاء، وبين مسائل القياس وإعمال العقل، والتدرج بين مراتب الإباحة والكراهة والنهي، الخ، مع مراعاة الخلاف وانتهاج المرونة الفكرية، ومع الاحتياط في العبادات والتيسير في المعاملات… وأستمتع بما خلفه لنا التراث الفكري الكلامي من استعمال للمناظرة العلمية الفكرية الراقية دون تعصب ذميم ولا نزاع منتقص. إنها عبارة عن رياضة فكرية جعلت أصحابها يؤسسون للإسلام في رقيه وسموه وغناه وسعته واستيعابه للعلوم الأفكار والثقافات ما لم تتناقض مع قواعده الراسخة.
إن جيل اليوم بالغ الذكاء، كثير الانفتاح على العالم ، غني التجارب، متنوع المشارب الثقافية والمؤثرات الحضارية، والرهان الحقيقي هو أن يرقى خطابنا الديني إلى مستواه، حتى يتبناه عن محبة وعن قناعة وعن وعي، وحتى يدرك معاني الأمور ومقاصدها وحِكَمها وعِبرها، فيكون مسلما فاعلا نافعا راقيا نابغا في العلوم والمعارف مقبلا عليها بشغف. فهل هذه هي حقيقة شبابنا اليوم، مع الكم الهائل مما يسمعونه من خطابات ومواعظ؟ مجرد سؤال للتفكّر…

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد