قراءة نقدية لقصة مشروع شيطانة للكاتب عبد السلام هلال

قراءة بقلم الأستاذة مجيدة السباعي 

انها قصة قصيرة اجتماعية ذات شجون، ونص موجع حد النزف، تعكس مدى مرارة الطيش وحرقة الخيبات، وبشاعة التهور، وغلبة الزمان، وقتامة الندم.

مجمل تيمتها روح معذبة على خشبة حياة واهية ،تبنت قدرا طائش الخطى، اختزلت كل محطات الانحراف وواسع الاعوجاج، مجرد ريشة تؤججها الرياح، شجرة بدون لحاء، فراشة وسط عاصفة فالبطلة بتأثير سنها وقلة حنكتها تنازلت عن كرامتها بمحض ارادتها، ورمت بعيدا بعزة نفسها، وجرت مع أهوائها بجموح أعمى، وعاندت غرورها، وحلقت بعيدا بأجنحة من الطيش والتهور، فقبلت بيسر أن تمتطي صهوة أحلام براقة مزيفة، احتضنتها بشره وتعطش، تحصد بها أياما طويلة تمر أمام ناظريها تباعا كخيول ساحرة برية تعبر بعيدا قمم الجبال، لا تكف تحلم بامتلاكها لكنها صعبة المراس.

(كنت فتاة مدللة في بيت متوسط وحالة مادية متوسطة) لمست لنفسها مخرجا ،حيث استفزها عالم الإضاءة والاعلانات وعيون الكاميرات، فنذرت حياتها للهو المذر للمال والشهرة ،وكانت كلما أخدت استزادت ولا تقنع، ولكونها كانت فراشة بهية مكتملة الانوثة بديعة الألوان اقتربت كثيرا من الضوء وهو ذباح حارق، ونسيت أن الفراش لا يزور الخرائب فاحترقت الاجنحة وسلمت أمرها لقدر طائش مشاكس، بمساعدة جار دنيء كان من المفروض ألا يغرر بابنة الجيران، وألا يرمي بها في المحظور وأن يراعي حقوق الجار ويصحح ميولها وجنوحها.

(وانت تعلم ما يحدث لفتاة صغيرة…. يجري المال بيدها بلا حساب) سقطت في حبال ضوء الإعلانات، بما يليه من مال يجري ورحيق ثناء وبريق اضاءة حارقة، فتمرغت في المهانة والمدلة وعانقت المخازي،

وأنفقت عمرها في الخطيئة والتهمتها دوامة النزوات وكما تقول الآية الكريمة ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى. (الحفلات والسهر والموضة كل ما أعرفه) خالت الإبحار في الوحل سعادة، والصيد في السراب ثراء، فما حظيت إلا بالفقاعات وشامخ الزبد. (مطالبي مجابة بأقصى سرعة…وأحيانا تلبى قبل طلبي لها)
رفعها الغرور الى علياء السماء، وظنت نفسها وحيدة زمانها، تتربع النجوم وتصل الثريا ،أخدتها الأنا في ركابها ،فتعثرت بجهلها وغفلتها وصارت عدوة لصالحها، وصارت نفسها الغرارة حليفة لهواها المدمر،(أهملت المدرسة ورغم ذلك كنت أنجح ولك ان تفهم كيف حدث ذلك).

الحصان يكبو مرة واحدة وهذه لها كبوات بدون تعداد ،عوض أن ترتقي بسلاح العلم والعرفان وتدفع بدورها عجلة المجتمع الى الأمام سقطت سقوطا عموديا نحو الوحل، استنشقت الخطيئة ملء رئتيها، تخلت عن الدروس واستبدلت البراءة برداء خزي ،بل استغلت ذاك للفوز بنتائج مزيفة. (تزوجت صغيرة لا ادري ما الزواج وما الاسرة). كيف تتفوق التي ما كانت مستعدة لتقلد أعباء بيت ولا مسؤولية زوج ولا عناية بطفل ؟ وكانت ترى الآخرين قدماء في الزمن والتفكير والمنحى، فلا تعيرهم بالا لنصحهم. (وصلت لقتل ابني) ‘إهمالا باعت بالحياة الفارغة مشاعرها كزوجة، حنانها كأم، كرامتها كإنسانة.

(جنتي الرائعة). تفجر جنونها، وغرقت البطلة الزوجة في الوحل حد الادنين، وسبحت في يم الخطيئة حد الغثيان استهتارا وانحرافا، مما جعل رائحة روحها تزكم الانوف وتنفر الطاهرين ،كانت تحس أنها لا تقهر ولا تحدها موانع زواج و لا حمل ،انساقت كل الانسياق خلف أحلام حقيرة وانتشت حتى الثمالة.

لكن دوام الحال من المحال أخد الأم المرض وحملها القنوط الى صمت القبور، لعلها تجد السكينة من هم طال ونخر الروح، فكانت أكبر صفعة نسفت روح الطائشة، وتركتها فريسة لندم كثيف غائر، بل كأن قميص موت أمها أعاد لها نور البصيرة، حينذاك تهشمت آمالها، داستها الحسرة، شعرت ببشاعة موت ضميرها، انطفأ حولها كل بريق مزيف، وصارت نفسها مقبرة أحزان، تلطمها الاوجاع ولا تبارحها الذكريات المخجلة ومغبة الطيش الدميم، بل تشظيها الى ألف شرخ لا يرتق، احتضر حبها وتقديرها لنفسها، وتمدد الكمد على مدى مساحات من روحها ،أقعدها العار ووخز الضمير منزوية بمكان تعد الآهات وتبكي بدون دموع، يغالبها شعور غريب كما لو كانت فوق جمر مستعر.

أدركت أخيرا أن أكثر الأحداث إيلاما موت الأعزاء الوالدان والأبناء فلذات الكبد، وفقدانها لإنسانيتها لكرامتها لعزة نفسها.

تمنت بصدق لو ينسلخ عنها جلدها لتدفع كل تلك القدارة الثقيلة الكثيفة جانبا، كرهت نفسها روحها ذاكرتها كل العالم ،عرفت تمزقا روحيا صارخا يلتمس ألف مخرج، لم يحدث يوما أن كان المجرم الذي يجلد الضحية هو الضحية نفسها ،لسان حالها يقول هي المجرم والضحية، شعرت كما لو أن الأرض من تحتها تغور، بل شكت أن القبر عند الموت سيتبرأ منها.

كتبت للمذيع قصتها بصدق كبير كأنها تستجدي شفقة ورحمة، وتريد قلبا يترفق بها، ينتشلها من غياهب ظلمات، فتسترد كرامتها إنسانيتها كما المريض يريد من طبيبه أن يسمعه جوابا مطمئنا لكن الطبيب رفض الكذب الأسود، وصرخ بالحقيقة بملء الصوت، فر الزوج منها وتوقف الكل عند طيشها ،ومنهم مبدع القصة حيث ترك القارئ في حيرة والكل تناسى ، اهتم بي وسوف تراني أتنازل عن عيوبي وأناي. يبدو جليا مما سقطت فيه البطلة أنها عاشت مدللة أشد التدلل ،وعرفت قصفا من إهمال تربيتها من الوالدين، لا من يحاسبها إن توقفت عن دراستها، لا من يراقب غيابها في الفصل، لا من يقف سدا منيعا أمام اختيارها الطائش، زوجها هو الآخر تقوقع ولم يهتم، ولم يغر عليها كالأزواج، والتفت لحياته، فتقلصت بينهما المسافات.

الأساتذة وهم المربون بمثابة الآباء استغلوا وضعها طيشها، وتخلوا عن توجيهها، كانت مراهقة في أخطر مراحل العمر وأكثرها حساسية ،بحاجة للتوجيه ولم تكن تسلحت بعد بما يحميها ،ولم تستلذ يوما بحلاوة القرب من الله واتقاء عقابه، لا من فسر لها أن الحياة تصبح مستحيلة إذا خلت من كل القيم والمعاني، وإذا أقفرت من الإحساس بالحق و الايمان والخير والاستقامة.

حتما الكل سيحكم عليها كالأسوياء، وهي مريضة نفسيا شديدة العقد، كانت تعز زوجها دون أن تدرك، ولا تفهم لماذا لم يسلم من جفاء مشاعرها ،بل مات ولدها إهمالا، وحتى الحمل لم يوقف التيار الجارف، ولم تحب ابنها الثاني وهو يشبهها قطعة منها، ورغم مرضه لم ترأف منه، كانت بحاجة ماسة لمرافقة طبيب نفسي، فبإمكانه تحويل الفشل الى عزم وعمل مجد وتعويض لكل ما فات بعد علاج العقد ،وتبيان قيمة المسؤوليات التي فرطت بها.

عنون الكاتب المبدع قصته بمشروع شيطانة ،بصدق لم أستطب العنوان لكلمة شيطانة رغم أنه يخلق التشويق، وحتما سيشد القارئ الى النص ويدخله من بوابة عريضة ،قد استبدله بغياهب نفس معذبة.

كما أجد النص تشخيصا دقيقا لواقع نفسي اجتماعي معقد، يحتاج للترميم والتوعية والتحسيس، انفتحت كتابة المبدع على الذاتي وعوالمه وأغوار النفس وتصوير التفاعلات، فالقصة واحدة لكن تتداخل بها قصص شتى ومواقف مختلفة ورؤى متباينة، وأماكن عدة ويتداخل الماضي في الحاضر ويؤثر على المستقبل، اعتمد الكاتب انسيابية متدفقة أهدت الأحداث بيسر، وقدمت المشاهد الخارجية مع الأحداث النفسية والذهنية، كما تكثر المقاربات والتجاذب بين خطاب السارد وخطاب الشخصية الكلمات ذات وقع وتأثير، والأفكار جديدة جريئة، جعلت المتلقي بها يجري بين الكلمات بلهفة ليصل الى القفلة التي تركت مفتوحة فلم تشف غليل القارئ ،فسيكون لكل قارئ نهاية متباينة، أما لغة السرد فكلماتها سهلة ممتنعة دالة منتقاة منقحة بعيدة عن الغرابة والغموض، لها سلاسة وتدفق كبير في المعاني والرموز.

مشروع شيطانة قصة قصيرة

مستجمعه كل حواسها في أذنيها متأهبة للسماع، جلست في انتظار الحكم النهائي عليها، التصقت عيناها بشاشة التلفاز مترقبة ما تعرضه من مشاهد .
يبدأ صديقها مقدم البرنامج: وردتنا رسالة تحمل مشكلة من س. ع .ع.
تجلس مضطربة، تحاول نسيان أنها صاحبة الرسالة، زادت دقات قلبها عنفا، خائفة من كلماتها رغم أنها متخفية خلف أحرف اسمها.
صمت مطبق بالأستوديو، الجميع متحفزون لسماع القصة، وانطلق يقرأ رسالتها .
عزيزي:
بداية اسمح لي أن أقص حكايتي الطويلة من البداية، وأعذرني لكلماتي المتعثرة وأسلوبي الركيك فأنا أكتب للمرة الأولى عن مشكلتي.
كنت فتاة مدللة، في بيت متوسط وحالة مادية متوسطة، لما بلغت الخامسة عشرة تمتعت بجسم ناضج مكتمل الأنوثة، لفت هذا نظر جارنا مخرج الإعلانات هنا كانت بداية قصتي، عملت فترة طويلة (موديل إعلانات) وأنت تعلم ما يحدث لفتاة صغيرة تعرفها الناس ويجري المال بيديها بلا حساب.
تغيرت حياتي، الحفلات والسهر والموضة هي كل ما أعرفه عن الحياة، أهملت المدرسة ورغم ذلك كنت أنجح، ولك أن تفهم كيف حدث ذلك.
دائما مطالبي مجابة، بأقصى سرعة وأحيانا بأسرع مما أتوقعه وأحيانا تلبى قبل طلبي لها.
تزوجت صغيرة لا أدري ما الزواج والأسرة ، تبدلت رغادة حياتي فتحولت إلى مأساة ولم أحس بها في حينه .

انطلق قطار طيشي لا يلوي على شيء، كأني كنت أعادي نفسي، اخترت الأسوء لحياتي وانعكس ذلك على من حولي، وصلت لقتل ابني إهمالا، حتى الحمل لم يكن بالذي يوقف التيار، تزايدت أوقات سهري خارج المنزل، واتسعت الهوة بيني وبين الجميع، زوجي تقوقع على نفسه ولم يهتم لما يحدث، فشلت كل محاولات أبي لإثنائي، لم أتراجع وبدا واضحا أنه لا حياة لمن تنادي .
حتى أمي التي تعاني كثير من الأمراض عانت مني بقدر كل ما مر بحياتها من آلام .
أخيرا جاء الولد، يشبهني كثيرا لكني لم أشعر به، بل لم أحبه كأمه، طالت حبسة المنزل ولم أصدق نفسي حينما خرجت للسهر لأول مرة، توالت الليالي والسهرات، العمل مازال حتى ساعات متأخرة من الليل، رغم مرض ابني لم تتحرك داخلي أية مشاعر .
رسائل تحذيرية وصلتني تجاهلتها بغباء، مات أبي بعد مرض قصير، ثم مات بعده ابني، صفعات مدوية فشلت في إيقاظ أحاسيس المرأة الحقيقية بداخلي، ماتت داخلي كل المشاعر تجاه الجميع فيما عداي .
عانت أمي الأمرين، فعلت معي كل ما يستحق الطاعة والحب، وحيرني أمر زوجي، وهو الذي أحبني وتزوجني ورفعني لدرجة النجمة لم يسلم من جفاء قلبي وبرود مشاعري .
زاد عنادي و التفت هو لحياته فصارحني بأنه يبحث عن أخرى، لم أهتز وتجاهلت باقي كلماته، كأنني كنت بانتظار هذا الوضع المعلق، بدوت غير راغبة بمناقشة الترتيبات الجديدة بحياتنا، فساءلني عقلي: أين حياتنا هذه ؟ .
توقف المذيع عن القراءة، ربما ليعطيها فرصة لابتلاع ريقها الذي جف حلقها فيما يتسارع نبضها كأنما تنهي سباقا للجري، كل عيون جمهور الأستوديو مصوبة نحوها فزادتها نظرة الإشفاق والترقب والضيق رعبا على رعبها .

زاد التصاقها بالكرسي وظلت تغرز نفسها داخله كأنما تختبئ داخله، أحست بالتململ فغيرت وضع الكرسي وأعطت ظهرها للتلفاز، فيما بدأ المذيع في متابعة القراءة :
تابعت السير في طريقي لا أرى إلا شيئا واحد شيء فقط، متعتي وحريتي، مع شلة جديدة بينهم شاب يكبرني ببضع سنوات، وسيم يتفجر شبابه من عينيه وتعبيرات وجهه، متحفظا كان بتعامله معي، يظن أنني نجمة ومتزوجة ولذا فلا منطق للتقرب مني، جذبني بقوة شخصيته، زادني ابتعاده عني رغبة في القرب منه، بل امتلاكه، كنت أحس أنني لا شيء أمامه أكاد أذوب وتضيع مني الكلمات، وأنا التي ترغي باستمرار وعملي بالإعلانات يعتمد على ثقتي بنفسه، نجحت في ترويج سلع المنتجين وفشلت في ترويج نفسي أمام رزانته و اعتداده بنفسه، طاردته و انشغلت بوضع خطط الإيقاع به، مارست كل نزق المراهقة حتى أفوز به، لا تتعجب من كلامي فهذه هي الحقيقة .
أخيرا نجحت وضمتنا جلسة هادئة أخيرا، وفي مكان خاص جدا كنت ألوذ به حينما أحس باختناق من الأماكن العامة .
ليلة رائعة غبت فيها عن الوعي تماما، عشت ساعات في جنة بخيالي، أعب الحب عبا كمن ذاق الماء الزلال بعد عطش طال لسنوات .
جنتي الرائعة لم تسمح لي بالعيش فيها أكثر من ستة أشهر، كنت أسير مغمضة العينين خوفا من استفاقتي، أحداث جمة فاتني أن أعيشها، فضلت أن أعيش له، داخلي شعور قوي بأنني أحلم ومهما طال الحلم فسوف ينتهي .
باتت علاقتنا الزوجية في مهب الريح فلم نكن نتقابل إلا صدفة، ومال زوجي ناحية أخرى وتزوجها، لم يحس بالقهر إلا أمي كانت ترى بعيني قلبها انهيار حياتي رغم أني ظللت أعاندها ولا أبالي بما تقول، وزاد مرضها حتى سقطت في بحر الأوجاع وغرقت فيه ولم تخرج منه إلا عندما استرد الله وديعته.

موت أمي تسبب بانهيار قصر الرمل الذي بنته الطفلة المتمردة داخلي، كنت أطيل الصمت والعزوف عن الدنيا، أحسست أنها ربما بداية جديدة تستحق أن أعيشها، أو أستحق أن أتعذب بها، تحاشيت الخروج من البيت وعشقت الظلمة، أراحتني الوحدة ووجدتني أمضي أياما بلا كلمة، بلا طعام أو شراب، صمت مطبق أحكم إغلاق دائرته على أنفاسي .
عفت صديقي كما عافني، ووصلنا لحالة من الزهد في اللقاء غير متفق عليها، وما أشقاني إلا حنيني لأيامي الأولى مع زوجي، كان رفضه المستمر للعودة سببا كافيا لشعوري بالدناءة، كأني أعذب نفسي به تكفيرا عن ذنبي تجاهه .
هزل جسدي حد النحافة، وصرت أخشى صورتي بالمرآة، وأشك في كل من حولي كمن يعاني وسواس قهري، ما آلمني كان رغبتي الجامحة لإنجاب طفل من زوجي مرة أخرى، وفي مقابله رغبة شديدة في الانتحار وصرت أخشى من نفسي على نفسي .
فاجأني زوجي بزيارة في شقتنا، ورغم مداراته لدمعة تحجرت بعينه فإنه لم يخف كم كبير من الإشفاق ظهر على ملامحه .
نظرت لطابع الحسن في ذقنه كأنه قطعة من الدر ألصقت بها، كم كنت عمياء عن مدى ما تقوله عيناه من حب صادق، طعنني إحساسي بالغباء والجنون بسكين الفقد، كأنها صرخة مدوية تقول أنت فاشلة في تقدير قيمة ما لديك .
حاولت كثيرا أن أصارحه بكل ما حدث ولكن خانتني الشجاعة في كل مرة حاولتها خلال هذه الشهور الست، كنت أغمض عيني في كل مرة أجد نفسي أفكر فيه وأعترف له بكل شيء، أقول لكم بصدق أنني كنت في لحظات الاعتراف أحس بجلد الذات، واكتشفت أن ما أعانيه من ألم يزداد ويصغر بقدر ما أخبئ من حقائق حتى عن نفسي .

لحظات الصراحة رغم قسوتها بها جمال خفي نابع من الإحساس بالنقاء والسلام النفسي كانت وكأنها تخلصني من كل الأعباء والضغوط ومن بعض الحقائق، وخصوصا الحقائق التي أشعرتني بالخزي الشديد لاقترافي لها .
ما قتلني إلا غروري، أعلم هذا، ولذا أتضاءل كثيرا أمام نفسي، وأمامه هو أكثر، ورغم زياراته لي مرة أو مرتين أسبوعيا إلا أنها لم تكن أكثر من سؤال عن أحوالي، تبخر كل ما كان يكنه لي بقلبه من حب، فلا يحرص على السلام بيده، تحول وجوده لروتين وواجب يقوم به تجاه شخص كان يعرفه .
كنت أنتظر قدومه بين وقت وآخر، يأخذني حنيني له ولأيامنا الأولى وأعد نفسي للقاء ينهي كل الجفاء بيننا، وكنت أتساءل كثيرا لماذا لا يطلقني، ورغم ذلك لم أستطع نطقها إطلاقا .
وجدت أني أموت كل لحظة مائة مرة فلم تفلح محاولاتي معه، وجدتني مدفوعة للكتابة وبمنتهى الصراحة، أدرك أنني سأخسر كثيرا، ولكني أحتاج التوازن والاتساق مع الذات والتطهر فهذا أفضل ألف مرة مما أعيشه من قلق، أدرك أن الاعتراف قاس لدرجة القتل المعنوي أو حتى المادي، لكن لا حيلة لي ، هو جزء من العلاج كما أعتقد، يكفي أن أكون شجاعة في نظر نفسي رغم الفضيحة وجلد الذات .
أخاف مني أكثر على نفسي، ما أقسى صمت الداخل، تعمقت بالفلسفة حتى أبحرت داخل نفسي وعشت فيها حد التقوقع، وكان السؤال الملح على ذهني : هل أظل في معاناتي هذه بمفردي حتى الموت ؟.
حينما انتهى المذيع من قراءة الخطاب اختفت داخل الكرسي، تسمع فقط أنفاسا متلاحقة تدخل وتخرج في رعب، أذنان تتلقفان فقط كل ما يهمس به التلفاز، ذاهلة من هول ما سمعته وتكاد تنفجر من شدة غيظها وتساءل نفسها هل هي قصتها حقيقة أم أن المذيع اختلقها اختلاقا .
تتوقف عن التفكير بانتظار رد فعل جمهور الاستديو، وحكمهم على القصة وصاحبتها ؟. وما الحل ممن وجهة نظرهم ؟.
تناوب التعليق ما بين شباب وبنات ورجال وسيدات، ألهبن عقلها وجسدها باللوم والتقريع، وتمادى أحدهم فأخرجها من دائرة الإنسانية، وآخرون كالوا لها ولأهلها كل السباب بصورة مهذبة .
حتى جاء أحدهم وقال : هذه مسؤولية المجتمع سواء الدائرة القريبة منها وهم الأهل والزوج والأصدقاء أو المدرسة والجامعة وبيئة العمل وووووو .
وانتهى من كلامه بتوجيه اللوم للأسرة خاصة الأب والأم والزوج، ووصفه بأنه ليس رجلا من يترك زوجته تفعل ما فعلته هذه المستهترة .
كانت كلماته كسكين باردة تجتز رقبتها، أحست بالاختناق وراحت في نوبة بكاء، غابت عن الوعي لدقائق، لتفيق على صوت زوجها يرد على المشاهد من خلال الهاتف .
بالكاد تسمع صوته عبر التلفاز ومن خلال باب غرفته الموارب يأتي صوته يصرخ في الهاتف .
استمر الزوج بالصراخ في الهاتف، تستمع غير مصدقة ما يحدث، تذوب كشمعة من شدة اللهب بعقلها وقلبها، لا تدري إلآم ستصل المواجهة، عقدت العزم على تحمل النتيجة مهما كانت، فهي موقنة تماما أنها تستحق اللعنات والعقوبات التي ستنزل على رأسها حتى لو أدى ذلك لتحطمها تماما .
تمنت أن يخرج من غرفته ليقتلها ليريحها مما تعانيه الآن من عذاب، كان صمته قاتلا لها، خرج يحمل صورته المعلقة بالغرفة وأغلق الباب الخارجي بهدوء حتى أنه لم ينظر وراءه .

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد