تفجيرات باريس تفضح عنصرية و نفاق العالم

بديعة خداد: إعلامية مغربية

 

لماذا يدعو البعض إلى مصادرة حق الشعوب الأكثر معاناة في هذا العالم في التعبير عن الحزن والاستغراب، من انتقائية العالم في التضامن مع ضحايا الإرهاب في كل مكان من كوكبنا المترنح؟لماذا كل هذا الإصرار على خنق منافذ  التنفيس عن مشاعر التضامن مع ضحايا باريس الأبرياء بالطريقة التي نريد أو التي تلائمنا و تتوافق معنا؟

 فإذا كان من حق البعض أن يتضامن مع ضحايا باريس عبر وضع العلم الفرنسي أو رمز برج إيفل على البروفايل، فمن حق آخرين التضامن دون المزايدة عليهم عندما استحضروا في أوج التضامن مع ضحايا الإرهاب الذي ضرب باريس، ضحايا الإرهاب في بيروت، سوريا، العراق، فلسطين، بورما، كينيا،متسائلين ـ حزنا لا حقدا، لوعة لا شماتة، تفاعلا لا جموداـ عن عدم استبدال البروفايل الشخصي بالعلم اللبناني أو العراقي أو الكيني، أو الفلسطيني، أو وضع أي رمز يحيل على هذا البلد أو ذاك.لا تطلبوا من الشعوب الأكثر معاناة و مظلومية أن تلعق جراح نفسهاالمفتوحة وتكتفي بالتضامن مع ضحايا باريس الأبرياء،و تكبت مشاعر الاستغراب و الاستهجان جراء عنصرية مفضوحةيمارسها العالم تجاه ضحايا الإرهاب بصفة عامة، و إلا فهي ليست أكثر من شعوب عاطفية،غوغائية، بليدة، جامدة الفكر مفتقرة إلى التفكير التحليلي.أو كما يدعي البعض، هي شعوب تشربت الإرهاب في المساجد وعلى مقاعد الدراسة لذلك لا يحق لها أصلا التضامن مع ضحاياه.

إن تعليمنا على علاته الكثيرة لم يدرس الحقد في مدارسه، و لم يشحن التلاميذ و هم على مقاعدالدراسة ليتحولوا إلى إرهابيين عندما يكبرون. تعلمناعندما بدأت مداركنا وعقولنا تستقبل أبجديات التعايش مع الآخر أن “الله لا يكلف نفسا إلا وسعها”، وأن “لكم دينكم و لي دين”، و أن “لا إكراه في الدين”، و أن الجهاد هو مجاهدة النفس الأمارة بالسوء.فلنبحث عن مصادر و دوافع أخرى مهدت لانبثاق وحش الإرهاب الأخطبوطي، بعيدا عن مسوغات تحيل على الدين الإسلامي في جوهره الحقيقي و ليس الخاضع لتفسيرات مغلوطة. و من التجني أن تقذف الشعوب المهانة بهذه التهم الثقيلة الرهيبة عندما تطالب بالعدل في التضامن مع ضحايا الإرهاب في كل مكان.

 إن أي شخص يؤمن بالقيم الإنسانية النبيلة الداعية للمحبة و المساواة و التعايش السلمي، كيفما كا ن مصدرها، لا بد أن يدين الإرهاب و يتضامن مع ضحاياه في كل مكان مهما تباينت دياناتهم و خلفياتهم الفكرية و الإيديولوجية، لأن هؤلاء الضحايا أبرياء بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.ويكفينا كدليلأن ضحايا تفجيرات باريس الأخيرة، قضى فيها فرنسيون وعرب، مسلمون و مسيحيون و يهود. كما أن معظم المناطق في العالم أصبحت مهددة بالإرهاب، و أصبح الإحساس بهذا التهديد واقعا يوميا يرافق إنسان القرن الواحد والعشرين أينما حل و ارتحل، انطلاقا من تواجده في الأسواق الممتازة والفضاءات المستقطبة للتجمعات البشرية الكبيرة كالملاعب الرياضية، المسارح و دور السينما، المطارات محطات الميترو و القطارات و غيرها. كلنا أصبحنا مشروع ضحايا أبرياء للإرهاب، الذي أصبح كالأخطبوط بعدة أذرع بعضها بارز للعيان و بعضها الآخر متوار عن الأنظار، نجهل مصدره ومهندسوه وصانعوه، إلا ما تجود به علينا بعض وسائل الإعلام من فتات الأخبار و المعلومات الغامضة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد