مدرسة السوق

الباحث السوسيولوجي الدكتور فريد بوجيدة

1لكي يصل أبناء الأحياء المجاورة إلى المدرسة كان عليهم اختراق ساحة سيدي عبد الوهاب والأسواق المجاورة، والمرور وسط حشود المتفرجين المستمتعين بحلقة الملاكمة وبصاحب الطربوش الأحمر، ومغامرات الأعرج صاحب الدراجة النارية… الأسواق كانت تسرق البصر، والفرجة فوق الوصف… الحكواتي ولَمْسَيَّح مول الكمنجة، والمشروبات الغازية اللذيذة…، بعض الأصدقاء كانوا يحكون بكثير من الإعجاب عن سينما النصر والملصقات التي كانت توضع في الخارج من أجل استدراج المتفرجين، أما القادمون من حي “بودير” (وكنت منهم) فكانوا يحكون عن مباريات الملعب البلدي، كان خيالنا الصغير مكرسا للمشاهدة، ولم نكن نتصور الحياة دون كرة القدم… كنت أتساءل دائما لماذا يمنعوننا من اللعب والفرجة… لم تكن المدرسة إلا مكملة لثقافة منبعها الحلقة وملعب الكرة، كنا نتعلم الموسيقى من الرجل الضرير، ونسمع الحكايات العجيبة ونصلي على النبي عدة مرات، ومع لمْسيَّح كنا نتلذذ بصوت الكمنجة ونضحك من طربوشه الأحمر وسخريته المرة، كان الضرير يعزف مقاطع غنائية بكثير من الرقة ولا يحرك يديه قبل الحديث عن المقامات والجمل اللحنية، بالمقابل كنا نكره المعلم ومعه كنا نكره زمن المدرسة…

2

كان المعلم وكانت العصا، والباقي تفاصيل صغيرة لا تستحق أن تروى.. 

معلمنا كان يفتخر بعصاه، وكان ينظر إليها مدة طويلة، يدللها، ويمرر يديه الخشنتين عليها في صمت، وفي كثير من الأحيان كان يجهر بذلك الإعجاب ويتحدث عن أصل عصاه وكيف استطاع الحفاظ عليها  وكان يدخل في حوار مع المعلمين الآخرين عن كيفية استعمال العصا والطرق التربوية في الضرب، بل كانت عصاه موضوعا للنقاش، لا يتعلق الأمر بالتأثيرات الجانبية لاستعمال العصا، بل بالعود الذي يصلح للضرب المبرح، كان معلمنا يدافع دوما عن شجرة الزيتون وفوائدها الجمة، عودها الخشبي الجميل يكسر العظام، ويساعد على ترميمها، هكذا كان يقول، معلمنا كان يغار على عصاه، ويعتبرنا محظوظين لأننا نأكل من خيرات الزيتون ما تيسر من الفلقة، وهو بذلك كان يكرمنا ويغدق علينا من كرم الشجرة المباركة. معلمنا ذلك الرجل الرمادي لم يكن يكترث لأنيننا بقدر ما كان يخاف على عصاه منا، فهو إذا سامح أحدنا، فذلك شفقة على عصاه منا نحن العفاريت، ومما كان يشغل بال المعلم أننا كنا نلعب الكرة، ونشاهد الحلقة ونحكي عن ملصقات السينما بكثير من الإعجاب... كبرنا ولا زال وسؤال واحد يشغلنا لماذا كان ذلك المعلم يكرهنا ويكره اللعب…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد