قراءة متأنية ل”قصيد فالنتاين” للشاعر القدير عبد الجبار الفياض

قراءة بقلم الأستاذة مجيدة السباعي

بوحك الأستاذ الشاعر عبد الجبار الفياض متميز إنساني هادف مسؤول واع معتق، وفيض أنفاس معزوفة راقية على أهداب الروح، أهديت بها حروفا بليغة منتقاة مذهلة مترجمة حاكية، تلخص كل الكلمات الدالة الحكيمة، وتصور كل المواقف المؤثرة، بل تدعو لرتق ما يجب أن يرتق، لها وقع قوي تحرك الإحساس وتوقظ الحس، وتأخذ المتلقي إلى أقصى متخيل جميل آسر، وتؤجج الرغبة لتدبر الوقائع وإبرازها جلية مشرقة شفيفة، بعيدا عن التأثر بما يستورد من أفكار غربية دخيلة غريبة جريئة مزيفة، تزعزع القناعات وتغير منحى المسالك، وتغيب كل دلو به يستقي الظمآن، فكيف السبيل إلى الارتواء العذب الصحيح، والمودة النقية الصافية ؟ أتراه بالاحتفال بفالنتاين ؟ هنا يخرس السؤال….

“حضرت بياقة بيضاء..بقبعة..بسيكار كوبي بزجاحة خمر اسكتلندي.. تعبئ داء بدواء…تهب الأطفال موتا تحت خيام من دخان”

أي عيد هذا والقلب تعبئه الآلام، وتسحقه الخيبات وانكسارات عدة ؟ حقا ما كان الحرف الشاعري الدال إلا رسول الوجع، أما كلوديوس الروماني فرمز ودلالة أثريت به الحكي، ولعل توظيفه في غاية الأهمية والدلالة الرمزية، به تستحضر التاريخ بنكهة الحكاية، فكيف الاحتفال بعيد الحب والحب غاب عنا ؟ بل مات حب الإنسان في قلب أخيه الإنسان، وزاد أن انتشى بإيذائه ونسي أن الجميع بزورق واحد، وأن من أوقف مجدافه “عطل السير… أنتم من تخلقون أرحام الخوف.. .فهل لكم من بعد ذلك دلو لبئر؟”.

”سيرتك الذهبية… يخر لها بائع الأيام والأيتام والتراب ساجدا….. “حروفك حقا دؤابة روحية لا تقبل المحاكاة تعكس عمق الألم، مضمخة بعمق الرؤى، بحب وطني حقيقي ساكن بين تجاويف الفؤاد، وتعلق بالأرض والتراب عارم متمدد لا شطآن له ولا ضفاف ،حروفك جميلة بما وظفت من إيحاء مضمر ودلالات واعدة كمنار يضيء عتمة شطآن النفوس، ترفع إلى الأعالي شكواها، وتصحح كل هوة ،تتفحص آلام أبرياء عزل تأدى قلبهم من الجروح وتبعثر ممشاهم، فارتكنوا في غصص وخيبات لا تنتهي، تنبش جروحا وتصور أوجاعا قاسية لا تطاق، وخاصة تزرع بسخاء حاتمي آمالا عريضة غير متناهية في غد مشرق، فالقلوب الصادقة حتما لا تصدأ أبدا.

هكذا حملت رموزك معان ثرية برسائل وجيهة سديدة، تدعو للعيش في الحياة بلا كدر بلا ضغينة وبلا قناع وردي جارح ،تلح على النهوض من حلم سراب معتم فالنتاين ليس بمقاس لباسنا ولا تصل رمزيته مقام حضارتنا، فمن تحلى بغير ماله فضحته شواهد الأيام، ونزعت عنه كل قناع مزيف.

لامحالة حروفك تصرخ بملء فمها أننا لقوم كان الإقدام لنا ركابا، لسنا البتة بحاجة لأفكار ملونة بالوردي الاصطناعي، أمة اعتلت مدارج الشمس ،وغمرت الأرض بما هو قابل للإنبات والإزهار والتفتح، فارتقت المعالي بالأدب والدين والشعر والعلوم ،بل رفعت بها رايات الفتوحات عالية، وأنصف بها المستضعفون ونعموا بكل الحريات “فأما الزبد فيذهب جفاء ،وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

كما يبدو جليا أن لهذا القصيد الجميل الآسر نكهة إبداعية متميزة، ومتخيل خصب ثري حالم، امتطى صهوته الشاعر ليفصح عن أعماق روحه الشاعرية، التي سمح لها أن تذوب في قضيته الإنسانية، فنظم لها عقدا من كلمات متناغمة تتدفق بكل المعاني النبيلة، وتعبر عن كنه جوهر انفعاله الوجداني، والكلمات هذه كانت أداته الأساس لامتصاص أوزار وآلام تنزف وتشظي الفؤاد، اختارها سهلة ممتنعة منيعة، حيث استكنه بها عمق قضيته، وعبأها بطاقة إيحائية جد مكثفة لاعتماده على الإيحاء والترميز والدلالة، فمن يقرأها ويطلب المضمون المباشر يستعصي عليه فهم المحتوى الدلالي وبعده الجمالي.

“كلوديوس.. مازلت حاضرا بيننا…لأننا في عصرك الوثني الحديث” ما استثماره لإسم كلوديوس الإمبراطور الروماني الظالم الذي أعدم القس فالنتاين إلا رمز للطغاة القتلة المتجبرين أينما تواجدوا، ودعوة ملحة لتقريب المسافة بين الخيال والواقع، كأنه تأكيد للتشابه الكبير بين الرمز والوقائع، وحكي واع عن هموم دفينة وبكاء واقع عربي مرير…. قتل … دماء … اعتداء… أبرياء لكن بقايا إنسان أجهضت آمالهم، يئنون من تقل اليأس وأوزار الضعف وغبن الواقع…. يتوقون ويتوقون.

أهديت اللغة حبلى بحمولة دلالية تعبيرية ،وشحنات دلالية بديعة قوية ،تسعف على ضمان قراءات عدة جد فاعلة حادة لها مشرط لا يقاوم، ولا تشبه قراءة أخرى ولا يختلف اثنان أن هذا الحضور المكثف للدلالة هيأ هذا البوح الجميل الدال، وسمح له أن يكون منفتحا على كنه أعماق الذات الإنسانية.

قصيد فالنتاين
للشاعر القدير عبد الجبار الفياض

فالنتاين

كلوديوس*
ما زلت حاضراً بيننا
لأنّنا في عصرِكَ الوثنيّ الحديث . . .
صليباً صَلَبتْ
هلالَاً شنقتْ
خليطَ أجناسٍ مرمى قوس . . .
الصورةُ بأبعادِها الأولى
اغمضوا عيوناً
أيُّها الأشتات
أنتم مَنْ تخلقون أرحامَ الخوْف . . .
لا تروْنَ ما تروْنَ إلاّ بعيْني . . .
بيني وبينَكم قلمٌ وسيف
وكلاهُما لي . . .
فهلْ لكم من بعدِ ذلكَ دلوٌ لبئر ؟
. . . . .
سيرتُك الذهبيّة !
يخرُّ لها بائعُ الأيامَ والأيتامَ والتُرابَ ساجداً . . .
حُبلى جيوبُهُ بما لبيوتِ الطّين . . .
دائرةُ الظّلامِ
تتسعُ بعيونِ لصّ . . .
عقوقُ الأرضِ لا غُفرانَ له !
. . . . .
حَضرْتَ
بياقةٍ بيضاء
بعمّةٍ
بقبّعةٍ
بسيكارٍ كوبي
بزجاجةِ خمرٍ اسكتلندي . . .
تعبّئُ داءً بدواء . . .
تَهَبُ الأطفالَ موتاً تحتَ خيامٍ من دُخان
لا سؤالَ عن قبورِ الماءِ والجليد . . .
. . . . .
دَنَساً
كانَ العشقُ لديْك
تطهّرُهُ بقعةُ دم . . .
لكنَّكَ تجذُّ الآنَ الذّكورةَ
حتى لا تكونَ هناك فسحةٌ لحياة !
الأشجار
المياه
الصخور
يلوّنُها طيفُ حُبّ . . .
يغرقُ قيسٌ ببيتِ غَزل
تمدُّ ليلى إليهِ يداً !
. . . . .
ضاجعْتَ ليالينا
فأنجبتْ غداً مشوّهاً
لا يُشبُهُ أيَّاً من أيّامٍ تداولْناها بينَ النّاس . . .
تشظّى خوفاً
لهُ ما لجهنمَ بابٌ لا يُغلق . . .
. . . . .
أي كلوديوس !
ما زلتَ تشربُ قهوةَ الصّباح
مستلذّاً بأخبارِ بُقعٍ داكنة
ديارٍ مُستباحة
حشرجاتٍ
تكتمُها الأرصفة . . .
بحرقةٍ في جوفكِ
يُطفؤها حريقٌ ظامئ . . .
. . . . .
ليلُكَ السّاخنُ
ملهاةٌ
يندلقُ منها مُجنٌ
في خيالِ مُخرجٍ نَزق . . .
غوانٍ
بغابةِ سيقانٍ بضّةٍ
في لجةِ شهواتٍ مُنفلتة
يوزّعْنَ اللّذةَ بسخاء !
. . . . .
فالنتاين
أيُّها القدّيس
وهبتَ أحمرَكَ
لا ليكونَ عيداً أحمرَ
على شفاهٍ حُمر
تَرسمُ القُبلاتِ قبلَ أنْ تكون . . . !
ما ذهبتْ صرختُك
في وادٍ سحيق . . .
صفعةً كانت
رُبَما
قبراً بلا شاهدة
في مدافنِ اليوم . . .
وجوهُ الظّلامِ تستحقُ الأكثر !!

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد