الأستاذ محمد المعزوزي
خلال مسار حياتي الواعية، ومنذ المحاولات الأولى المتواضعة في تجربة الكتابة الشعرية كنتُ دائما أتساءل: ما الشعر ؟ وما هي منفعته ؟ كما كنتُ دائما أحار في التوصل إلى الإجابة المقنعة عن هذا المنتوج الإنساني الذي تغنى به السابقون، وتعلمنا أبجدياته وقواعده خلال المراحل الدراسية المتعاقبة، وبأساليب بيداغوجية عتيقة بعدما انتقل تاريخيا من الشفوي إلى المكتوب ليصبح قيمة بشرية مخصوصة بالإنسان. ورغم كل محاولات التعريف التي سمح لي الوقت بالاطلاع عليها من خلال القراءة والحوارات واللقاءات والمهرجانات… فإن الحيرة كانت دائما رفيقتي منذ أكثر من ثلاثين سنة. “فالشيء الذي كلما عرفته بالصفة بعد الصفة كان عنها أعلى، وكلما أوضحته بالعبارة بعد العبارة كان عنها أخفى” (أبو حيان التوحيدي، المقابسات)
كانت قراءتي متعددة، وأصبحت أكثر تعددا وتشعبا بفعل تأثير هذا السحر الذي مارسه على الشعر… وتأثيراته النفسية والثقافية والفنية، وبفعل تأثري بحمولات وتقلبات التاريخ وتنوع الجغرافيا.
لقد سمحت لي قراءة كتاب فارس الأنوار للأديب البرازيلي “باولو كويلهو” أن أشبه الشعر بالماء، والشاعر يتصرف كأنه الماء… يواجه كل العراقيل التي تصادفه في الطريق، وهو آت من الأعلى إلى الأسفل، يتأقلم مع كل الظروف… يقبل من الحصى أن يرسم له الطريق بين التضاريس الوعرة وبدون تذمر… في مجاله الطويل والمنحدر يتغذى من الجداول والشعاب والأنهار… بعد فترة تصبح قوته كبيرة وشاملة… إنه كماء النهر يتأقلم مع كل تلاوين سطح اليابسة ولا ينسى هدفه: البحر.
والشعر الذي هو صوت يسمع من الإنسان بآلات كثيرة… وكتابة ترسم بحروف ولغات متعددة، يتغير بتغير الأحاسيس وعوالق الوجدان ودوافع الإدراك وقوة البوح وقدرة التعبير المتجلية في طبيعة الكلام…
والكلام حسب بعض النحويين يدور على ثمانية عشر بناء إذا سمي فاعله… ويتفرع إلى عدد من الأشكال والأصناف حسب المبنى والمعنى والمقصد من الممارسة البشرية الظاهرة والخفية والمتراكمة تاريخيا (الكلام الأدبي، الكلام العلمي، الفكري، السياسي، الديني… وغيره).
وإذا كان الكلام كله جدل ودفاع، وحيلة وإيهام، وتشبيه وتمويه، وترقيق وتزويق، ومخاتلة وتورية… فإن خيره “ما أيده العقل بالحقيقة، وساعده اللفظ بالرقة، وكان له سهولة في السمع ووقع في النفس، وعذوبة في القلب، وروح في الصدر إذا ورد لم يحجب، وإذا صدر لم ينس، وإذا طالع لم يمل، وإذا قصر لم يحقر” (الإمتاع والمؤانسة، أبو حيان التوحيدي)
قال الناشئ أبو العباس في نقد الشعر: “الشعر قيد الكلام، وعقال الأدب، وسور البلاغة، ومحل البراعة، ومجال الجنان، ومسرح البيان، وذريعة المتوسل، ووسيلة المتوصل، وذمام الغريب، وحرمة الأديب، وعصمة الهارب، وعذر الراهب، ومزحة المتمثل، وحاكم الاعراب، وشاهد الصواب.
إن لكل إنسان نفس شاعرية… قد تكون مرهفة وقد تكون قاسية حسب حالات وطبائع العيش… واختيارات ثقافية وحضارية… وللارتقاء بهذه النفس الشاعرية وتحققها في فضائها الطبيعي لا بد من بعض الشروط اللازمة لها:
1. فالشعر إحساس وشعور كأساس لا محيد عنهما للبناء، بدونهما لا وجود للإبداع… كي يحلق الشعر بعيدا يحتاج إلى منصة للانطلاق… أي أرضية صلبة يمشي عليها أولا، ثم يطير…
2. الشعر تعبير عن ثقافة وثيقة الصلة بها، والشاعر ابن بيئته كما يقال، أي الرحم الطبيعي الذي يترعرع فيه. ولا يكون شاعرا حتى يكون منتوجه الشعري معبرا عن ثقافته معنى ومبنى، لغة وذهنية بعد أن يكون قد خَبِر وتَمَرَّس قواعد اللغة والكتابة الشعرية.
3. الشعر تعبير جمالي يستعمل كل الأدوات الجمالية المتاحة والمتداولة مجتمعيا وثقافيا… كالصورة، والموسيقى، والرسم، والرقص، والنحت، والسينما وغيرها. وهي ميزات نجدها منتشرة في كل الجغرافيات مع تباين في البيئة والثقافة.
4. الشعر مجال الحرية ومبادئ وقيم إنسانية. فلكل شاعر ميولات ونوازع والتزامات وانزلاقات… وإذ يمارس أنشطة الخلق والإبداع من أجل حياة أفضل… ضد الظلم والظلام… فانه مساهم فاعل في التنمية البشرية.
قال ابن طباطبا في “عيار الشعر”: “الشعر تُدفع به العظائم، وتُسل به السخائم، وتُخلب به العقول، وتُسحر به الألباب لِما يشتمل عليه من رقيق اللفظ، ولطيف المعنى”.
والشعر تجربة تنبع من عمق الكائن البشري الذي يظل لغزا محيرا ومخلوقا عجيبا لا يتملكه علم ولا تصل إلى كنهه تجربة. وفي هذا المعنى قال المبرد: “قال بعض السلف: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن شفع له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمر استلبته العزة، وإن أفاد مالا أطغاه الغنى، وان عارضته فاقة فضحه الجزع، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد”. (البصائر والذخائر، ج 6، ص 19)
وقال أبو حيان التوحيدي: “يا هذا: …. استيقن انه لا حرف ولا كلمة ولا سمة ولا علامة ولا اسم ولا رسم ولا ألف ولا باء، إلا وفي مضمونه آية تدل على سر مطوي وعلانية منشورة، وقدرة بادية وحكمة محبورة، وإلهية لائقة وعبودية شائقة وخافية مشوقة، وبادية معوقة فاصرف زمانك كله لفي قلي هذه الأنباء واستنباط هذه الأنباء”. (أبو حيان التوحيدي، الإشارات الإلهية، ص 50).