مَارْكس وَصِراعَاتُ الْورَثةِ

الأستاذ محمد الهلالي

2- ماركس وورثته: لينين، تروتسكي، بليخانوف، كولونتاي

استعملت كلمة “ماركسية” لأول مرة في نهاية سنة 1870. وكان ماركس وأنجلز يفضلان الحديث عن “الاشتراكية العقلانية النقدية” حسب مؤرخ الحركة الاشتراكية جورج هوبت Georges Haupt، وعن “الاشتراكية المادية النقدية” و”الاشتراكية العلمية” حسب نويل كاستانييز روجيو Noëlline Castagnez-Ruggiu. بل إن ماركس قال لبول لافارغ Paul Lafargue، لما اطلع على ماركسية الحزب العمالي الفرنسي آنذاك:”إذا كانت هذه هي الماركسية فأنا لستُ ماركسيا”.

إن التذكير بأهم مفاهيم وتصورات ماركس سيوضح غنى الإنتاج النظري الماركسي بعده، من خلال قراءات الورثة، كما سيوضح تعدد الرهانات بخصوص الفكر الاشتراكي وآفاقه، وسيساعد على طرح مسألة راهنية الماركسية.

اعتمد ماركس مفهوم الطبقة الاجتماعية، الذي كان يستعمله قبله آدم سميث وألكسيس طوكفيل وآخرون، اعتمادا على موقع الفرد ضمن علاقات الإنتاج وامتلاك الوعي الطبقي.  واستعمل مفهوم الصراع الطبقي، الذي نجده أيضا مستعملا عند مؤرخين فرنسيين هما فرانسوا غيزو François Guizot وأوغيستان تييري Augustin Thierry، وحدد هو نفسه الجديد الذي أتى به في هذا المجال قائلا: “إن الجديد الذي أتيت به هو البرهنة على أن وجود الطبقات لا يرتبط إلا بمراحل تاريخية محددة من تطور الإنتاج، وأن صراع الطبقات يقود حتما إلى ديكتاتورية البروليتاريا، وأن هذه الديكتاتورية نفسها لا تمثل إلا مرحلة انتقالية نحو تقويض كل الطبقات، في اتجاه مجتمع بدون طبقات”(1). ويخاض الصراع الطبقي في مجتمع يحدد –حسب ماركس – بنمط إنتاج معين الذي هو مجموع قوى الإنتاج (أي أدوات الإنتاج وقوى العمل وموضوع العمل)  وعلاقات الإنتاج (العلاقات الاجتماعية بين الناس بناء على أنشطة الإنتاج). ولما تنتقل البروليتاريا من طبقة في ذاتها إلى طبقة من أجل ذاتها بفضل الوعي تصبح طبقة اجتماعية بالفعل.

تعتبر الماركسية نقدا للرأسمالية وإثباتا لضرورة انهيارها، لذلك تسود مفاهيم هامة بهذا الصدد: التراكم البدائي للرأسمال، التمييز بين العمل وقوة العمل، التمييز بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية، الأجور، الربح، فائض القيمة، الاستلاب، الديالكتيك، البنية التحتية، البنية الفوقية، الإيديولوجية، الدولة…

وتعتبر الإيديولوجية والدولة مفهومين مركزيين وإشكاليين تمحورت حولهما نقاشات ومجادلات عدة، كان من نتائجها تبلور خلافات وتيارات مختلفة بل ومتناقضة رغم إعلانها الانتماء لنفس المرجع.   

وبخصوص الدولة، فلقد صاغ ماركس وأنجلز تصورا عن الدولة اتهم بافتقاره للنسقية. ولقد انصب النقاش حول كيفية اضمحلال الدولة، والمرحلة الانتقالية الفاصلة بين وجود الدولة، في المرحلة الانتقالية، واضمحلالها التام. يتحدث ماركس وأنجلز في “بيان الحزب الشيوعي” عن اشتراكية الدولة، أي عن دولة البروليتاريا التي تحتكر ملكية الأرض والأبناك والنقل… تحت قيادة الحزب، أي أن هناك ثنائية في السلطة: البروليتاريا والحزب، وهناك أيضا مفارقة وجود البروليتاريا كطبقة مسيطرة وحيدة ووجود الدولة.

لكن كمونة باريس دفعت ماركس لإعادة النظر في موقفه السابق من الدولة، وطرحت إشكالات مرتبطة بالمرحلة الانتقالية، لأن الكمونة كانت حسب تعبير ماركس نفسه “هي حكومة الطبقة العاملة”، أي أنها قامت بمهام الدولة التي حلت محلها بطريقة مختلفة جذريا، حيث أن دستور الكمونة هو تعبير عن صيغة لممارسة السلطة البروليتارية، وهي صيغة لم تكن دولتية، فالكمونة هدمت الدولة. إلا أن أنجلز اختلف عن ماركس في تقييمه للكمونة، لأنه يرى ضرورة المرحلة الانتقالية، أي ضرورة وجود دولة تمارس القمع على ما يسميه “بقايا الطبقة المسيطرة القديمة”. فديكتاتورية البروليتاريا حسب أنجلز ستكون دولتية. نحن هنا أمام تصورين لمسألة المرحلة الانتقالية: تصور ماركس الذي يميل للديمقراطية المباشرة (شيوعية المجالس، أو ديمقراطية الشركاء) وتصور أنجلز الذي يطرح مسألة القمع وبالتالي ضرورة الدولة الاشتراكية التي ستمارس ذلك القمع.

يستمر طرح الإشكال في “نقد برنامج غوتا”: مبدئيا سيتم تدمير الدولة، لكنها ستوجد مؤقتا إبان مرحلة “التغيير الثوري”، وهي مرحلة تفصل ما بين المجتمع الرأسمالي والمجتمع الشيوعي، وتكون الدولة في هذه المرحلة هي الديكتاتورية الثورية للبروليتاريا.

وارتبطت إشكالات أخرى بمسألة الدولة منها: لماذا تكون البروليتاريا هي آخر طبقة اجتماعية تاريخيا ؟ هل الطبقة العاملة طبقة كونية فعلا؟ وهل ستحرر الإنسانية بتحررها ؟ هل ستكون الدولة في المرحلة الانتقالية تابعة للمجتمع أم تابعة للحزب ؟ ألا يهدد وجود الدولة، حتى وإن كانت ثورية، وجود الحرية وممارستها ؟ كيف يمكن القبول بصيغة “رأسمالية بدون رأسماليين ؟” ما الضامن على اضمحلال الدولة البروليتارية ؟ ولماذا لا يجب هدمها من الأساس ؟ ما هو أساس المرحلة الانتقالية نظريا وسياسيا واقتصاديا ؟

 

من أبرز الورثة لينين (1870-1924). الذي ارتبط تطبيق الاشتراكية باسمه. وأثارت مواقفه النظرية والسياسية جدلا كبيرا. وانقسم بشأنها الماركسيون إلى مؤيدين ومعارضين ومنددين ومبررين. تميز فكر لينين بجعل الحزب المحرك الأساسي لصراع الطبقات ولديكتاتورية البروليتاريا وللثورة، كما تميز بفكرة الطليعة الثورية التي ستنجز الثورة وتحمل الوعي الطبقي والنظرية الثورية إلى الشعب، وبفكرة دور المثقفين الثوريين حملة الوعي الذين عليهم الاندماج مع الحركة العمالية لتسليحها بالمعرفة، وبفكرة أهمية الفلاحين كقوة ثورية شريطة أن يكونوا مؤطرين بالطبقة العاملة وبالحزب، وفكرة المركزية الديمقراطية داخل الحزب التي تتجسد في “حرية النقاش ووحدة العمل”،  ومن أبرز إسهاماته أطروحاته في “الدولة والثورة” التي يمكن تلخيصها في الأفكار التالية: الدولة هي نتاج تناقضات الطبقات التي لا يمكن التوفيق فيما بينها، تعمل الدولة بالعنف ولا ينفصل وجودها عن وجود قوات مسلحة متخصصة، الدولة وسيلة لاستغلال الطبقة المضطهدة، ستلغي البروليتاريا الدولة البرجوازية عبر ثورة عنيفة، كل دولة تفرض وجود بيروقراطية وجيش دائم، يتم إلغاء الدولة البروليتارية، التي لا يمكن الشك في ضرورتها المؤقتة، وفق نمط “الاضمحلال التدريجي والتلقائي”، تتميز المرحلة الانتقالية، التي هي الاشتراكية، بظهور ديمقراطية جديدة وديكتاتورية جديدة.

أما تروتسكي (1879-1940) فلقد دافع دوما عن إرث لينين، لكن فكره السياسي تميز بكونه نقيضا لفكر ستالين، وبالخصوص معارضته لأطروحة ستالين حول “بناء الاشتراكية في بلد واحد” بأطروحة “الثورة الدائمة” بناء على تأويله لفكر ماركس ولشروط قيام الثورة الاشتراكية في بلد متقدم صناعيا وفكرا وسياسيا، ووصفه الدولة السوفييتية “بالدولة العمالية البيروقراطية” أو “الدولة المنحطة”، إضافة إلى نقده العميق والصارم للبيروقراطية السوفييتية واصفا البيروقراطية “بالتشوه الديكتاتوري” للدولة البروليتارية، وتأسيسه للأممية الرابعة ونقده لسياسة الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية.

ونجد بليخانوف (1856-1918) على الطرف النقيض من لينين، حيث دافع على أن روسيا لن تتحقق فيها الاشتراكية إلا بعد تطور طويل المدى للرأسمالية، كما انتقد الشعبويين الذي تبنوا الإرهاب لإيقاظ وعي جماهير الفلاحين، وبين أن التاريخ لا يُصنع من طرف فئة قليلة من الأبطال وإنما يصنع من طرف طبقات اجتماعية تصارع وتناضل، كما ركز على أن للبروليتاريا إمكانية ثورية لا يملكها الفلاحون، واشتهر بشرحه للماركسية ولأسسها الفلسفية ولمنهجها.

وقادت ألكسندرا كولونتاي (1872-1952) المعارَضَة العمالية في الحزب البلشفي، وانتقدت سياسة قادة الحزب القائمة على المركزية وعلى الاعتماد على “المتخصصين من الإداريين والاحترافيين البرجوازيين الصغار الباحثين عن النجاح المهني الشخصي”، وهو ما كان يعني في نظرها أن البلاشفة هم الذين وضعوا الأسس للبيروقراطية السوفييتية. ويمكن إجمال مواقفها ومواقف المعارضة العمالية التي كانت تنتمي إليها في ما يلي: يعاني الحزب والدولة وهيآت تدبير الاقتصاد من اختراقها من طرف عناصر دخيلة على البروليتاريا وعلى الفكر الاشتراكي، ضرورة تعويض الموظفين الدخلاء بالمناضلين المرتبطين بالجماهير، ضرورة دمقرطة الحياة الحزبية في جميع المجالات واعتماد مبدأ إقالة المسؤولين في جميع مستويات المسؤولية عند الضرورة، إعادة حق المساهمة في اتخاذ القرارات للجماهير، السماح للتيارات والمجموعات بالتشكل داخل الحزب، ضرورة تدبير العمال والنقابات لجميع البنيات الاقتصادية، ضرورة أن ينتخب العمال الإدارة الاقتصادية المسيرة للبلاد. كانت ضد هيمنة الدولة على الإنتاج، ومدافعة عن الصيغة الجماعية للإنتاج، كما كانت ضد تقليص الحريات السياسية وضد قمع المعارضين الثوريين المخالفين للبلاشفة، كما طالبت باستقلالية النقابات عن الحزب والدولة واتهمت لينين بالدفاع عن الرأسمالية.

هوامش:

1) ماركس، رسالة إلى J. Weydemeyer  . بتاريخ 05 مارس 1852

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد