عزاء استثنائي

محمد هرار :الدّنمارك.
صحيح أنّ جمهور الفقهاء قد ذهبوا إلى استحباب التعزية ثلاثة أيّام مستندين – كما جاء في إسلام ويب – إلى حديث الإحداد الذي قال فيه الحبيب صلّى الله عليه وسلّم [لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدّ على ميّت فوق ثلاث، إلّا على زوج أربعة أشهر وعشرا]… وصحيح كذلك أنّهم أجازوا تعزية الغائب إذا رجع ولقي أحبابه ممّن لم تُتَح لهم فرصة التعزية زمن استحسانها!… وعليه فقد أعرب بعض الأحبّة، لمّا عدت مؤخّرا من المغرب، عن الرّغبة في تعزيتي، وقد اغتنموا فرصة التآم حفل الترحيب بحجيج هذه السنة لأكون معهم في مقرّ الوقف الاسكندنافي!… أين حضر الكثير من الأحبّة وبعض الشيوخ في مقدّمتهم الشيخان الجبيلان، الدكتور محمد فؤاد البرازي والشيخ محي الدين عوينات، اللذان قالا فأحسنا، أحسن الله إليهما، ودعوا للوالد فلبيّنا من ورائهما سائلين الله تعالى القبول!… رفع لي الجميع أحرّ التعازي في الوالد الكريم محمّد بن عبدالسلام هرار، والدي الذي لقي ربّه جلّ وعلا فجر السبت التاسع من سبتمبر 2017 الجاري، وذلك إثر إصابته بجلطة دماغيّة تواصلت معه سنة ونيّف… معلوم أنّ والدي الحبيب كان قد زار الدّنمارك وتعلّق بأهل الوقف الاسكندنافي فيها زمن الشيخ المربّي أبو لبن رحمه الله!… ومعلوم كذلك أنّ حالة الوالد قد تراجعت إثر موت الوالدة رحمهما الله تعالى جميعا… يُذكر أنّ والدي رحمه الله من الريف المغربي، وقد هاجر مع أبيه عبدالسلام إلى مدينة تطوان في بداية الأربعينيات من القرن الماضي!…
كان رحمه الله يحبّ القراءة والمطالعة وكان رحمه الله يتفانى في شراء الكتب وقراءتها رغم أنه لم يجلس قط على كرسي الدراسة… كان رحمه الله مهتمّا بالتاريخ وبالسيرة النبوية الشريفة، وسيرته والله الحمد والمنة معروفة لمن تعرف عليه عن قرب…
امتنع أيّامه الأخيرة رحمه الله تعالى (25 يوما) عن الأكل حتّى أجاب نداء ربّه يوم مجيء الأجل، السبت التاسع من سبتمبر، كما أسلفت… كنت أمزح معه في أيامه الأخيرة محاولا أن يأكل ولو قليلا ومشجعا له، فيقول: يا ولدي العزيز: لقد أكلت ما قسم الله لي أكله وشربه منذ ثمانين سنة وزيادة، فلا تحاول. لن أموت حتى أستوفي آخر لقمة هي من نصيبي لن يضيعني الله، فلا تقلق.
من أعظم الوصايا التي ركزت رحمه الله عليها لي: الاستقامة والدعاء له.
رحمه الله تعالى رحمة واسعة وتقبّله في الصالحين وحشره مع النّبيئين والأصفياء من الشّهداء والصالحين، وعوّضنا فيه خيرا وجعلنا دعاء خير له وتنميّة لعمله الصالح، فإنّ عمل الميّت لا ينقطع من ثلاث أحدها ولد صالح يدعو له… كما نسأله تعالى أن يُنزل علينا السكينة ويُفرغ علينا صبرا، وألّا يفتننا بعده ولا يحرمنا أجره!…
هذا ولا يفوتني أن أدعوَ لكلّ من تقدّم إلينا بالعزاء هنا في الدنمارك وفي المغرب، أو عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، ونشكرهم شكرا جزيلا، سائلين الله تعالى أن يجنّبهم ما يكرهون…
حفظكم الله، وسدّد خطاكم، وتقبّل عزاءكم… وإنّا لله وإنّا إليه راجعون…
تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد