بقلم :الأستاذحسن السوسي محلل سياسي مقيم بلندن
تناول العاهل المغربي الملك محمد السادس مسألة العمل الحزبي في خطاب العرش لهذه السنة، ضمن رؤية اشمل لعمل مختلف المؤسسات وتأثيره على حياة المواطنين. وليس ليخفى على احد ان تناول عمل السياسيين والأحزاب والمؤسسات المنتخبة كان مكملا لتناول قضية اشتغال مختلف مؤسسات الدولة الدستورية وطبيعة تفاعلها مع مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفِي مقدمتها الادارة العمومية. حيث جاء خطاب العرش ضمن روحية نقدية شاملة عرفت احدى مراحلها الانعطافية في الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان في دورته التشريعية الحالية في الرابع عشر من أكتوبر الماضي حيث ركز على الاختلالات التي تعرفها مختلف مرافق الادارة العمومية على المستوى الوطني كما على مستوى تمثيليات المغرب في مختلف أنحاء العالم.
ان الإشارة الى هذه المسألة ليست للتقليل من أهمية النقد الموجه الى مختلف الفاعلين السياسيين في البلاد، بل يهدف الى إبراز ان كل محاولة اختزال للخطاب الملكي في مطالعة نقدية للعمل الحزبي، لاستنتاج عدم أهميته او تبرير اتجاهات تبخيس العمل السياسي، يتنافى مع منطوق ومفهوم الخطاب معا. ذلك ان عملية النقد تتمحور حول ضرورة النجاعة واعتماد مقتضيات الدستور من حيث تحديد دور الاحزاب السياسية ومجمل الفاعلين، وعلاقاتهم بالمواطنين وقضاياهم وفق ما تقتضيه المصلحة العليا للوطن، وخارج كل الحسابات السياسوية الضيقة التي تضحي بمصلحة الوطن، بدل السخاء في بذل الجهود من اجل خدمتها والدفاع عنها بالملموس، ولو أدى ذلك الى التضحية بالمصالح الخاصة للأفراد والتنظيمات والمؤسسات الحزبية.
ويعتبر خطاب العرش من جهة اخرى، استمرارا وتعميقا واستخلاصا لدروس ملموسة من ممارسات وسلوك القوى السياسية بعد خطاب ذكرى المسيرة الخضراء الذي وجهه الملك الى الشعب المغربي من عاصمة السنيغال دكار، في نوفمبر الماضي، حيث تم وضع اسس مقاربة نقدية واضحة عندما تبينت ارهاصات لعبة ما سمي بالبلوكاج الذي أعاق تشكيل حكومة جديدة، رغم مرور شهرين من الزمن على تنظيم الانتخابات التشريعية في السادس عشر من أكتوبر وتكليف الاستاذ عبد الاله بنكيران الامين العام لحزب العدالة والتنمية بتشكيلها.
فقد كان واضحا لمجمل المهتمين بالشأن السياسي المغربي فأحرى الملك، باعتباره رئيس الدولة المؤتمن دستوريا على السهر على السير العادي للمؤسسات، ان المشاورات التي دشنها رئيس الحكومة المعين قد اصطدمت بالطريق المسدود، نظرا لتغليب المصالح الحزبية على مصالح البلاد. وبذلك انحرفت الأمور الى مستوى طرح الشروط والشروط المضادة، بما يتنافى مع منطق المشاورات والمفاوضات الهادفة الى تشكيل الحكومة، وحيث غاب تماما نقاش اَي تصورات برنامجية للحكومة لينصب حول حصص الاحزاب فيها، ومن هو مسموح له ومن ليس مسموحا له بالمشاركة فيها. وقد كان التحذير الملكي واضحا وصريحا في ذلك الخطاب، غير انه لم يكن مسموعا من قبل بعض القوى السياسية، الامر أدى الى اعفاء السيد بنكيران من مهمته وتكليف الرجل الثاني في حزب العدالة والتنمية الدكتور سعد الدين العثماني بتشكيل الحكومة، تشبثا بالمنهجية الديمقراطية من جهة، وحرصا على تجاوز ازمة ميلاد الحكومة من جهة اخرى. وهو ما سرع في تشكيل الحكومة الحالية، لكن بعد أشهر طويلة من هدر الوقت والجهد، بل وهدر نصيب لا يستهان به من رصيد مختلف القوى السياسية التي لم تكن قادرة على اخراج الحكومة من دائرة المشاورات الماراثونية الى الواقع الفعلي ضمن آجال مقبولة. ولعل مما عقد الوضع كوّن احتجاجات الريف، قد انطلقت دون ان تنكب على معالجة قضاياها حكومة تصريف الاعمال، الامر الذي عقد مأمورية الحكومة برئاسة العثماني دون ان يكون في هذا اَي تبرير لعدم تحركها بالسرعة اللازمة لتدارك الموقف، ومنذ الأيام الاولى لتشكيلها، بل كان هناك نوع من الارتباك في خطواتها الاولى، في مقاربة ملف اجتماعي كبير يعرف تطورات متسارعة، خاصة بعد بروز بعض القوى التي حاولت الاستثمار فيه بما يتعارض مع مصالح ساكنة الحسيمة ونواحيها وطبيعة الشعارات المطلبية التي رفعت خلال تلك الاحتجاجات.
ضمن هذا السياق السياسي والاجتماعي وتطور مختلف الأزمات التي توضحت معالمها على مستوى اداء الادارة ومختلف المؤسسات، بما ذلك الاحزاب السياسية، يمكن قراءة خطاب العرش حيث جاء فيه بالحرف الواحد: ” إن اختياراتنا التنموية تبقى عموما صائبة. إلا أن المشكل يكمن في العقليات التي لم تتغير، وفي القدرة على التنفيذ والإبداع.”
” فالتطور السياسي والتنموي، الذي يعرفه المغرب، لم ينعكس بالإيجاب، على تعامل الأحزاب والمسؤولين السياسيين والإداريين، مع التطلعات والانشغالات الحقيقية للمغاربة.” مؤكدانه امام هذا الوضع من “حق المواطن أن يتساءل: ما الجدوى من وجود المؤسسات، وإجراء الانتخابات، وتعيين الحكومة والوزراء، والولاة والعمال، والسفراء والقناصلة، إذا كانون هم في واد، والشعب وهمومه في واد آخر؟.”
ويبدو ان هذه العبارة الاخيرة قد خضعت لعدد من التأويلات غير الدقيقة في اقل تقدير ان لم تكن مغرضة احيانا.
والواقع، ان هذا التساؤل لا يتجاوز مستوى الإقرار بالحق فيه الى مستوى تبني اي جواب يقول بعدم جدوى كل هذه المؤسسات، وانما المقصود على العكس من ذلك تماما، هو التأكيد على ضرورتها باعتبارها من محددات تنظيم الدول والمجتمعات الحديثة. غير انه يترتب عليه واجب تفعيلها اي جعلها تقوم بالأدوار التي قامت أساسا للقيام بها. وهذا ما يعطي الخطاب بعده الحقيقي باعتباره تدخلا لتقويم الممارسة وتفعيل مؤسساتها، وليس لاصدار حكم إعدام على السياسة وتعطيل أطرها وأدواتها بدعوى كونها غير ناجعة، او لمجرد كون من يقع على عاتقهم تفعيلها قد قصروا في اداء مهمتهم. ذلك ان معاينة هذا التقصير، بالذات، هو الذي دفع بالملك الى الحديث عن ضرورة قيامهم بمهامهم او الانسحاب. ولو كان الهدف تعطيل الحياة السياسبة لما كان ضروريا الحديث أصلا عن هذا الانسحاب لان تعطيل عمل المؤسسات يؤدي حكما الى الغاء ادوار من هم مدعوون الى العمل على رأسها او داخلها.
وليس يخفى ان هذا القصد لم يتم نفيه عند حرص الخطاب الملكي على إقرار ان ممارسات ” بعض المسؤولين المنتخبين، تدفع عددا من المواطنين ، وخاصة الشباب، للعزوف عن الانخراط في العمل السياسي، وعن المشاركة في الانتخابات. لأنهم بكل بساطة، لا يثقون في الطبقة السياسية، ولأن بعض الفاعلين أفسدوا السياسة ، وانحرفوا بها عن جوهرها النبيل.
وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟”
يمكن الوقوف هنا عند مستويين مختلفين تماما من حيث البعد النقدي ومن حيث الجهة المعنية بالنقد:
المستوى الاول، يعني مجمل الممارسة السياسية والطريقة التي يتم نهجها في التعاطي معها، وهي لا ترقى الى مستوى اقتناع الملك بجدواها. ونقد الطريقة لا يسمح باستنتاج موقف سلبي ما من السياسة في حد ذاتها، رغم ما لا يمكن إنكاره من ان الاختلال في أساليب العمل وطرق تناول القضايا السياسية يؤثر سلبا على مصالح الوطن والمواطنين، الأمر الذي يحتم على القوى السياسية اعادة النظر في طرق تناولها للقضايا السياسية المختلفة حتى تكون لديها روابط فعلية مع المواطنين ويكون لها تأثيرها الايجابي على مجرى الحياة السياسية لأن عمل الاحزاب مثلا لا ينحصر في القيام بالإجراءات التنظيمية والقانونية من مؤتمرات واجتماعات حزبية كما اكد الخطاب على ذلك.
اما المستوى الثاني، فهو اعلان الملك عن عدم ثقته في عدد من السياسيين، وهو كلام ينحو منحى التبعيض الصريح، لئلا يتم استنتاج ان ملك البلاد قد فقد الثقة بشكل كامل في مختلف السياسيين، وهو امر لا يمكن استنتاجه لا من منطوق الكلام ولا من مفهومه، حيث جاءت عبارات لاحقة لتؤكد انه لا يمكن اختزال الشعب المغربي في هذه الفئة من السياسيين التي أصبحت لا تحظى بثقة الملك ولا تغطي مجمل الجسم السياسي المغربي.
ان المستوى الاول يتضمن إذن، دعوة واضحة الى اعادة النظر في طريقة ممارسة السياسة، لتتلاءم مع انتظارات الشعب المغربي من مختلف المؤسسات تحت طائلة اعتماد مبدأ المحاسبة في ضوء المسؤولية التي يضطلع بها الأشخاص والمؤسسات، وفِي ضوء الصلاحيات التي لديهم في اتخاذ القرارات والمبادرات الضرورية، وعلى ضوء الإمكانيات المتوفرة فعلا في مختلف المجالات.
بينما يضع المستوى الثاني المقصرين عن اداء مهامهم كاملة امام الابتعاد النهائي عن تحمل تلك المسؤوليات عبر أسلوبين اثنين لا ثالث لهما: الاول تقديم الاستقالة والانسحاب الإرادي من مسرح المسؤوليات. الثاني، الإقالة بسبب عدم الوفاء بالالتزامات والاستهتار بالمسؤولية ومصالح الوطن والمواطنين. وكل هذا واضح في خطاب العرش. وهو ما يشكل تفنيدا واضحا لتأويلات تهويلية تنذر المغاربة بالويل والثبور بدل اعتبار الخطاب لحظة مصارحة على درجة كبيرة من المسؤولية لتصحيح مسار عمل المؤسسات والدفع بإمكاناتها الى أقصى الحدود في مجال خدمة المصلحة العليا للمواطنين واعتماد طرق ابداعية في إنجاز المسؤوليات وعدم التهرب منها تحت مبررات واهية، لأن الدستور قد اطر كل هذا عندما نص على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة. وليس خطاب العرش الا محكوما بهذه الفلسفة الدستورية التي تحرص على تأويل النصوص بما يخدم المواطنين والوطن لان هذا الاخير فوق كل الاحزاب والمؤسسات والمناصب الإدارية كما جاء في الخطاب.