بقلم ربيعة الكوطيط
يتحدثون ويقولون الكثير عن السجن.. ومهما كان فسجن المرء الداخلي أكثر ظلمة وضيقا من أي سجن آخر.. ربما.. قد يقول قائل أني لم أجرب سجن المكان، وردي هو اني ترددت كثيرا على أحد أقبح السجون حيث يقبع خليط غير متجانس من الناس، فهناك المعتقلين السياسيين أرضة الكتب والمجرمين القابعين في عتمة الجهل والأمية.. ومع ذلك كان هؤلاء كلهم يخضعون للفطرة الإنسانية حيث يقيمون علاقات فيما بينهم ليستطيعوا الاستمرار ضمن شروط جد صعبة.. وكنت ترى الابتسامات توزع هنا وهناك إذ عندما يختلط الجهل بالمعرفة في مكان ضيق لا يحمل أقل الشروط الإنسانية ،فثمة ضحك مر لحد النسيان.. ومع ذلك كان المكان يزهو بالخضرة..
بالنسبة لي كان سجني الداخلي غرفة رمادية قبعت فيها ستة عشرة سنة أدور وأدور باحثة عن مخرج كما كان يفعل بطل رواية “الاعتراف l’aveu” لكاتبها التشيكي “ارثر لندون” حيث ظل يدور لسنوات طوال في غرفة انفرادية مظلمة لكي لا يجن…
ربما كان المكان الذي انتقلت إليه ونموذج الحياة التي وجدتني أعيشها فجأة كجحيم غرفة “آرثر” تلك.. فمن عالم يمتزج فيه الأخضر والأبيض والأزرق إلى عالم نشاز.. كانت القرية الشبح التي لحقت فيها بزوجي عبارة عن أسوار من الحجر الطيني وبقايا جدور التين الشوكي.. وأنا مقبلة على القرية كان في اعتقادي انها كقرانا في منطقة الشمال حيث الماء يداعب الصخور وينفلت منها وكأنه يدعوها للمغازلة.. والخضرة سيدة تظلل عاشقيها وتحرس المكان في صمت مهيب لا يخترق السكون فيه غير شدو العصافير تتمايل له الأغصان وقد امتلأت نشوة.. خلال الطريق ولمسافة ستين كيلومتر، ظللت أتطلع من النافدة علني أجد ظل شجرة أو نبع ماء.. وكل مرة أوهم نفسي بأني سأحصل على مبتغاي، فلا يمكن أن توجد قرية دون أشجار وماء.. كم كنت غرة وجاهلة وأنا التي اعتقدت أنها تعرف جغرافية المغرب.. اتركوني من جغرافية الكتب.. يجب النزول الى الواقع لمعرفة الجزئيات البسيطة التي تكون حياة الناس وتحدد مساراتها..
عند مدخل القرية بدت لي شجرة يتيمة بئيسة تقاوم عدوى الزمن وقد انبثقت عين صغيرة يتسرب ماؤها في حياء عل تلك الشجرة تستمر في الحنو عليها.. شجرة واحدة ومتر مربع واحد من أعشاب يائسة تحيط بها..
ها هو إذن السجن الجديد الذي سأقضي فيه أربع سنوات وقد انتقلت من مدينة يجللها الأبيض والاخضر ويسورها الأزرق وتحتمي في رقة ودلال بين جبلين ينضحان بأعشاب لم تعرف لها أسماء في قواميس الطبيعة..
ثلاث ألوان هي ماكنت أمتص عبيرها، الأزرق والأخضر والأبيض.. الآن يمتد أمامي شريط من التراب والحجارة البنية الفاتحة وبقايا التين الشوكي وقد حال لونه الى أصفر باهت تتخلله بعض البيوت المتفرقة وكأنها نبتت في الظلام دون أدنى شرط معماري وفراغات ترابية واسعة تجبرك على قطعها للوصول الى المكان الذي ستقيم فيه.. انها “تازمامارت” (سجن في الصحراء الشرقية المغربية) التي سأقبر فيه وأنا أنتظر انتهاء مدة حبسي التي لم أكن أعرف آنذاك كم ستدوم…
سننتقل الى سجن بلدة أوسع.. سجن أوسع…
يتبع