الأستاذ محمد الهلالي
لا يمكن الحديث عن اللغة الفلسفية دون الحديث عن علاقتها بالشعر. ولكن الشعر المقصود هنا هو شعر الفلاسفة المفكرين الأوائل الذين عاشوا ما قبل سقراط (469 ق.م/399 ق.م) مثل بارمنيدس (نهاية القرن السادس/أواسط القرن الخامس) وأمباذوقليدس (490 ق.م/430 ق.م) وهيراقليطس (535 ق.م/475 ق.م)… فالشعر حسب المعنى الاشتقاقي للكلمة اليونانية Poèsis يعني شكلا من أشكال الخلق. ولقد عمل أولائك المفكرون الأوائل على بلورة مفاهيم جديدة وقدموا أسئلة كبرى لا حدود لها.
حسب ميشيل ديغي Michel Deguy تبدأ الوثيقة الفلسفية في الغرب مع ما قبل السقراطيين، أي تبدأ مع الشعر والشعري (قصيدة بارمنيدس، أقوال هيراقليطس) لذلك يمكن القول أن مصدر لغة الفلسفة والفلاسفة هو القصيدة بالمعنى الفلسفي اليوناني.
ترتبط اللغة الفلسفية بمسألة اللغة الأم أو اللغة المحلية، وبعلاقة هذه اللغة بلغات أخرى تاريخيا ولغويا وثقافيا (فاللاتينية أتت من اليونانية، والفرنسية أتت من اللاتينية، وهكذا…) كما ترتبط اللغة الفلسفية بمسألة اللغة المتخصصة (كما نجد ذلك في موقف بول ريكور) وترتبط في نفس الوقت باللغة اليومية كما نجد ذلك عند ليفناس الذي تستقي فلسفته مفرداتها من اليومي (مثل الوجه والصوت والنوم والقول والنشوة…).
وإذا كان ميشيل ديغي قد تساءل عن وجود كتابة عامة شاملة تتضمن كل أنواع الكتابات، تتضمن خصائص ومميزات الأطروحات والقضايا الفلسفية، والأفكار التيولوجية، والمبادئ الأساسية للحكايات الأسطورية، والقصائد الشعرية، فإن دومنيك مينغونو Dominique Maingueneau أثار مسألة اللغة الوسيطة أو اللغة البينية كلغة فلسفية والتي هي لغة اصطناعية مكونة من خصائص مشتركة لعدة لغات طبيعية وموجهة للتواصل العالمي.
فالفيلسوف يقيم بين التخوم والحدود. ويمكن تصور اللغة الوسيطة أو البينية في صيغة تعدد لغوي خارجي (العلاقة بلغات أخرى) أو في صيغة تعدد لغوي داخلي (التنوع داخل نفس اللغة). ففلاسفة القرن الثامن عشر كانوا يكتبون أحيانا باللاتينية وأحيانا بلغاتهم المحلية. فديكارت الفرنسي كتب باللاتينية، ومارك أوريل الروماني كتب باليونانية. فاختيار الفيلسوف الكتابة بلغة من اللغات هو اختيار فلسفي تقتضيه ضرورات الفلسفة. يقول دومنيك مينغونو: “في حالة ديكارت، لا يشكل قرار الكتابة بالفرنسية (كتابة خطاب في المنهج) اختيارا للغة المحلية الأم ضد اللغة اللاتينية. فمن منظور ديكارتي يمكن أن نقول أن ديكارت لا يكتب مؤلفاته لا باللاتينية ولا بالفرنسية، وإنما يكتبها داخل وضمن وفي عملية نحوية منهجية محددة للفكر، إضافة إلى ارتباط الفرنسية بالعقلانية…”.
ويجب أن نميز بين اللغة الفلسفية موضوع المسائلة هنا، وأنواع التعبير الفلسفي التي تحددت معالمها عبر تاريخ الفلسفة وتراثها، والتي هي: المحاورة (الصيغة المفضلة عند أفلاطون)، والمقالة النقدية اللاذعة (la diatribe) والتي يمثلها مؤلف أبيقور “حوارات”، كما نجدها عند المدرسة الكلبية (مدرسة فلسفية يونانية أسسها أنتيستين، وأشهر روادها ديوجين دو سينوب، تميزت بقلب القيم السائدة وتعليم التواضع لأقوياء اليونان القديمة، فلاسفتها ماديون ومعادون للخضوع، اقترحوا ممارسة جديدة للفلسفة والحياة تتميز بالابتهاج والحكمة والحرية والاقتراب من الطبيعة) (ديوجين -413 ق.م/327 ق.م- وأنتيستين -444 ق.م/365 ق.م-)، والرسالة أو البحث ( le traité) وهي نوع من الكتابة الديداكتيكية تعرض بشكل ممنهج مضمون مذهب مكتمل (مثل الرسالة السياسية اللاهوتية لسبينوزا، الأبحاث المنطقية الفلسفية لفتجنشتين)، والخطاب (le discours) وهو أقل أهمية من الرسالة، ويكون حذرا ومتحفظا مقارنة بالرسالة أو البحث (مثل: خطاب في المنهج لديكارت، خطاب الميتافيزيقا لــليبنتز، خطاب حول أصل واسس التفاوت بين الناس لروسو)، الدراسة (l’essai) وهي أكثر تواضعا من الرسالة ومن الخطاب (مثل: Essai philosophique concernant l’entendement humain (John Locke), Essai sur l’origine des connaissances humaines (Condillac),Essai sur les données de la conscience (Bergson), Essai sur l’empirisme radical, (Wilam James).
الشذرات، وهي مقاطع حماسية مستقلة عن بعضها البعض (مثل ما نجد ذلك عند شوبنهاور (Aphorismes sur la sagesse dans la vie) وكتابات نيتشه وخصوص في “هكذا تكلم زرادشت”.
يرى باتريك لورو أن هناك ثلاثة أبعاد للغة الفلسفية وهي:
– الحفاظ على الغرابة. فالفيلسوف هو غريب، وإذا اختفت غرابته (غرابة السلوك والقول…) فسيُلْغى بعد من أبعاد اللغة الفلسفية
– حياد هذه الغرابة (غرابة محايدة)
– وجود أمل حيث يتحول الحياد إلى خصوبة.
ويصنف فريدريك كوسيتا تعامل الفلاسفة مع اللغة الفلسفية إلى ثلاثة أصناف:
– بعض الفلاسفة يتصرفون وكأن اللغة شيء شفاف ويحاولون تحييد الأبعاد الأسلوبية والبلاغية للحصول على لغة محايدة على أقصى الحدود.
– وفلاسفة آخرون يشتغلون على اللغة في كثافتها.
– وآخرون (مثل فتجنشتين وبرغسون) يشتغلون على هامش اللغة ويبينون أن التعبير عن الفكر الفلسفي لا يتم لا في شفافية اللغة ولا في الاشتغال على اللغة وإنما يتم في نوع من الإفراط في البحث عن معنى فيما وراء اللغة الشفافة أو اللغة التي تم الاشتغال عليها، وأن المعنى ينتج عن طريق نوع من العلاقة السلبية مع اللغ