ظاهرة الغش في الامتحان من المسؤول عنها؟

بديعة خداد: إعلامية مغربية
من منا لم تصدمه الفيديوهات التي تم تداولها مؤخرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يتحدث فيها بعض التلاميذ، بعد إجرائهم لامتحانات الباكالوريا، عن صعوبة الأسئلة بل يحتجون فيها بتذمر بالغ، على صرامة الحراسة و منعهم من الغش الذي حولوه إلى حق من الحقوق. و لعل الفيديو الأكثر خطورة، ذلك الذي يظهر فيه تلاميذ و هم يخربون مؤسسة تعليمية بمدينة فاس، احتجاجا على صعوبة الأسئلة و منعهم من الغش. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على تدهور و انحطاط المستوى لأخلاقي لهؤلاء التلاميذ. وهو تدهور يعكس فشل الأسرة و المنظومة التعليمية في بلادنا، بنوعيها العمومي والخصوصي، في القيام بدورهما التربوي. فمن المسؤول عن تفشي ظاهرة الغش، التي كانت موجودة سابقا و لكن ليس بنفس الحدة و بنفس التحدي، و لم يكن التلميذ الغشاش يجاهر ويطالب بها نهارا جهارا؟ هل الأسرة أم المنظومة التعليمية بمقرراتها الهجينة، التي حولت التلميذ المغربي إلى فأر تجارب، أم هما معا؟.
لذلك، قبل أن نلوم التلاميذ الذين صدمونا بعنفهم، أو الذين جعلونا نضحك ضحكا كالبكا كما قال المتنبي، يجب أن نتساءل عن السبب الجوهري الذي أوصلهم إلى هذا المستوى المخجل. و السبب هنا واضح ذو حدين، تشترك فيه الأسرة والمنظومة التعليمية الفاشلة بشهادة الجميع، غير أن هذه الأخيرة تتحمل القسط الأوفر. و من الطبيعي والمتوقع أن تنتج تلاميذ فاشلين، وهذه حقيقة مرة و محزنة. إنها منظومة تدور في حلقة مفرغة جعلت أولياء التلاميذ يدورون معها في نفس الحلقة باحثين عن حلول ترقيعية بديلة لتعويض النقص الهائل الناجم عن فشلها. هي منظومة تكرس الطبقية في أبشع مظاهرها. ففي الوقت الذي تتباهى فيه بعض الأسر المغربية الميسورة أو المتوسطة بتعليم أبنائها في مدارس أجنبية أو في مؤسسات خصوصية، رغم ما يكتنف هذه المؤسسات من ارتجال و غموض و جشع، و في الوقت الذي يستفيد فيه أبناء أسر أخرى اختارت التعليم العمومي، من دروس الدعم المكثفة، يحشر أبناء الفئات الفقيرة في مؤسسات تعليمية عمومية أفقدتها المنظومة التعليمية بوصلتها ومصداقيتها، و حادت بها عن رسالتها النبيلة بسبب عدة إكراهات.
و كنتيجة لذلك، أصبحت المنظومة التعليمية تنتج فتاتا معرفيا مغلفا و متبلا بكثير من العنف و الكراهية المتبادلة بين التلميذ و الأطر التربوية و الإدارية، عوض إنتاج العلم والمعرفة و ترسيخ قيم الأخلاق والمبادئ. و على هذا الأساس، فعندما نسخر من هؤلاء التلاميذ الغشاشين، وهم كثر، لا يجب أن ننسى في غمرة صدمتنا و حنقنا عليهم، أن من بينهم الفقير ابن الفقير الذي لم يحظ بدروس الدعم، و لم توفر له ظروف مشجعة و ومناسبة للتعلم والاستعداد للامتحان، و من بينهم اليتيم الذي يفتقد وجود أب يواكبه ويدعمه، أو أم ترعاه وتشجعه و تحنو عليه، أو بكل بساطة، هناك التلميذ الذي نشأ في أسرة تملصت من مسؤوليتها رغم إمكانياتها المادية الجيدة.
هؤلاء الغشاشون اليافعون الذين ضجت بهم مواقع التواصل الاجتماعي، هم نتاج ظروف اقتصادية واجتماعية بئيسة، لم يترعرعوا في وسط أسري سليم، و لم يحظوا بتعليم جيد و عادل يحتضنهم و يقوم و يهذب شخصيتهم المتذبذبة بسبب تربية أسرية عرجاء. و بقدر ما أضحكتنا تصريحاتهم التلقائية، بقدر ما صدمتنا صراحتهم و تذمرهم من صرامة الحراسة و حرمانهم من الغش. و هم في الواقع ليسوا سوى رأس جبل الجليد الذي يخفي ما يخفي من أهوال. قد يعزو البعض ذلك إلى الظروف الاستثنائية التي أجروا فيها الامتحان و هم صائمين، دون أن يحصلوا على قسط وافر من النوم، وهذه حجة واهية، لأن ظاهرة الغش انتشرت في مواسم أخرى لم يصادفها رمضان، ناهيك عن استفحالها بين طلاب الجامعة أيضا.
وحتى نتفق، فإن الغش مرفوض و ممقوت و التلميذ الغشاش مخطئ، و لكن من التجني أن يتحمل نتيجة هذا الخطأ و يلام و يتهم بمفرده، باعتباره الحلقة الأضعف في هذه الظاهرة المقيتة. لذلك، لا بد من توجيه اللوم و الاتهام لبقية الأطراف المشكلة لها، و على رأسها المنظومة التعليمية التي برهنت عن فشلها المزمن. و النتيجة هاهي أمامنا: تلاميذ أدمنوا الغش في مختلف مراحل دراستهم، و سيدمنونه في دراستهم الجامعية و بعد ذلك في حياتهم الخاصة و العامة. و من المؤكد أن منظومتنا التعليمية لن تنقشع ضبابية أفقها و لن تتبدد غيوم سمائها و تبزغ شمسها، ما لم يتم اعتماد سياسة تعليمية جادة بعيدة عن العبث و الارتجال، و الحس التجاري الجشع، والتلاعب بمصائر التلاميذ الذين هم ثروة بشرية تهدر هدرا.
إن المطالبة بإصلاح التعليم في المغرب ليس مجرد كلام يلقى على عواهنه، بل الأمر جد مستعجل. و ما البؤس الفكري و الضياع الوجداني و التخبط الهوياتي و انفصام الشخصية التي أصبحنا نعيش على إيقاعها، سوى أكبر دليل على ذلك. و لنا في ما ورد في الفيديوهات السالف ذكرها أٌقوى مثال. و يظل إصلاح التعليم اللبنة الأساس لإصلاح الفرد و المجتمع. و ستذهب كل محاولات التصدي للغش في الامتحانات سدى ما لم يتم التعامل بجدية مع أسبابه.
و السؤال المطروح في هذا السياق: لم لا نلقي نظرة على أنظمة تعليمية ناجحة؟ أقول نلقي نظرة للاستئناس فقط. و لنا في النظام التربوي والتعليمي الفنلندي خير مثال، ليس لأنه الأفضل عالميا فحسب، بل لأن فنلندا شرعت في إصلاحه و هو في أدنى حالاته منذ أربعين سنة، وقفزت به إلى أعلى المراتب. و كما ورد في مقال نشرته “هاف بوست” في نسختها الإنجليزية، لكاتبه الأنغولي زاندر كامبوس، تحت عنوان “ثلاثة دروس من النظام التعليمي الفنلندي”، فإن سر نجاح فنلندا في إصلاح منظومتها التعليمية، التي لا تعتمد على ميزانية ضخمة، يكمن في ثلاثة أسس:
1ـ ترك الأطفال يلعبون: يعتمد النظام التعليمي الفنلندي على حصص دراسية قليلة، من ثلاث إلى أربع حصص في اليوم، مقابل تمتيع التلاميذ بالعديد من فترات الاستراحة مدتها 15 إلى 20 دقيقة، التي غالبا ما تتم في فضاء خارجي حتى في فصل الشتاء، و ذلك لمساعدة الطفل على استيعاب ما تلقنه. فقد أثبتت الدراسات في هذا المجال، أنه من الضروري منح الطفل فرصة التحرك حتى يستطيع الاستيعاب أكثر.
2ـ منح الأساتذة بعض الاحترام: يضع النظام التعليمي الفنلندي شروطا صارمة لتوظيف أساتذة التعليم الابتدائي. و يحظى أستاذ التعليم الابتدائي بفنلندا بأهمية قصوى، و يعتبر من الدرجات العلمية الأكثر والأصعب تنافسية. و لا تقبل برامج التدريس سوى 10 في المائة من المترشحين و ترفض الآلاف سنويا. و يخضع المقبولون، و يكونون عادة من المتفوقين و اللامعين، للعديد من المقابلات و فحوصات الشخصية لتحديد مدى قابليتهم الطبيعية للتدريس، قبل أن يسمح لهم بالانتساب للجامعة لإنهاء تكوينهم في سلك الماستر، ليتخرجوا بعد ذلك بدرجة أستاذ ابتدائي عالي التأهيل و التكوين يتمتع بحرية الابتكار في تخصصه.
3ـ توفير الرعاية الفردية قدر المستطاع: و ذلك باعتماد فصول دراسية قليلة العدد. و عادة ما يدرس الأستاذ نفس الفصل لمدة تصل إلى ست سنوات، يحتك خلالها أكثر بالتلاميذ و ويعرف احتياجاتهم و ما يناسبهم في التعلم. و هي مدة تمكن الأستاذ من التنبه باكرا للتلميذ الضعيف و احتضانه و دعمه. و بصفة عامة، فإن النظام التعليمي الفنلندي يركز على الدفء الإنساني و التعاون و التشجيع و التقييم، ليقوم الأستاذ بدوره التربوي و التعليمي بعيدا عن الضغط و المراقبة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد