باريس: ربيعة منوني
صديقتي.. أكتب إليك اليوم بعد أن تماثلت للشفاء من مرض عضال كاد يجهز على ما تبقى بداخلي من ذرات الجمال والعفوية وحسن الظن والبراءة، ومن بقايا أمل في الحياة، أكتب إليك ويدي ترتعش وأناملي تمسك بالكاد قلمي من شدة الوهن، إنني في فترة نقاهة ولا يُحَبَّدُ أن أنكش في كلمات اليأس فقد تعاودني نوبة الاستقالة من الحياة.
غريب ان أكتب إليكِ أنتِ بالذات هذه الرسالة فقد تبتسمين وأنتِ تقرئين عباراتي وقد تضحكين وربما تقهقهين من سذاجتي التي تلامس أحيانا الغباء وقد ترددين: ألم أقل لكِ أنه لا يستحق ؟.. لا أحد يستحق..
اليوم فقط فهمتُ فلسفتكٍ في الحياة، كنتُ في الماضي أتهمكِ ببرود المشاعر، بالاستهتار بعواطف الآخرين وكنتُ ألومكِ على تلكَ الأنانية التي تشهرينها في وجه كل من ساء حظه ووضعه في طريقكِ.. وكنتُ أقول لكِ إنكٍ “ميتة” فمن لا تعرف الحب تعتبر ميتة، كنت أرمي في وجهكِ بكلماتي القاسية، بقناعاتي الفولاذية التي لا تكسرها وجهات نظر ولا تشرخها تجارب وكأنني أملك سر إكسير الحياة ومفاتيح السعادة. وكنتِ تضحكين وأنتِ تطفئين عقب سيجارتكِ في المطفأة وتقولين لي:
– حبيبتي، أتعلمين ؟ كلهم عندي كهذه.. وتنظرين إلى عقب سيجارتكِ وانت تضغطين عليها بأصابعكِ بنرفزة وتضحكين بسخرية.. أستمتع بنكهتها ثم أرميها… وقد يحدث أن أدوسها بقدمي …
صديقتي.. قد تفرحين وقد تقفزين كالطفلة على سريرك، أعرفكِ جيدا، كثيرا ما تترك المرأة بداخلك المكان للطفلة ، لا يهمها شيء ، تفعل ما يحلو لها أمام الجميع . كم مرة نزعت حذاءك وسط الطريق على مرأى من المارين غير آبهة لنظراتهم المستغربة، المندهشة، وأحيانا المستمتعة قائلة لي: لا تنظري إلي هكذا، لن أتحمل شيئا يوجعني كي أرضي أناساً لا أعرفهم ولا يعرفونني ؟ وأضحك أنا لتصابيكِ وكم وددتُ أن أكون مثلكِ، أن أفعل مثلكِ أن أفكّرَ مثلكِ.. ستفرحين حتماً وتركضين في كل أرجاء غرفتكِ وستقولين: أخيراً فهمتِ، أخيراً واجهتِ الحقيقة من غير أن تهربي ببصركِ إلى حلم لم تصدقيه إلا أنتِ ولم يشاطركِ إياه هو مرة واحدة.. أخيرا.. وستطلقين سراح زفرة ارتياح طويلة. لا لأنكِ كنتِ تنتظرين كبوتي ولكن لأنكٍ كنتِ تنتظرين استفاقتي من غيبوبتي وها أنا أزف إليكِ خبر نجاتي وعودتي للحياة.
اليوم فقط لبست ثوب الحداد على حبه وترددت طويلا في اختيار لونه.. أأختار الأسود أم الأبيض ؟ في بلدي تلبس النساء الأبيض في المآتم ربما لتستكين أرواحهن للحزن ويُمسح كل ما علق بها من شوائب العتاب واللوم وسواد الذكرى وتفسح الطريق للمغفرة والتسامح فقط. ولكني سأختار الأسود، لا تستغربي صديقتي ولا تنعتيني بالحقودة التي يطيب لها اجترار العتاب حتى في توديع جثمان العشق فقد اجتاحني ظلام الحزن حتى لم يبق بداخلي بصيص نور أهتدي به للغفران، سأختار الأسود لأن المرأة الشرقية بداخلي، شامخة، عنيدة، تنتصب كالنخلة أحيانا، لا إعصار يقتلعها ولا طوفان يجرفها وأحيانا تكون كالسنبلة الممتلئة تنحني للريح عندما تهب لأنها رجحت كفة العقل وكم رجحت كفة العقل فاتهمتُ بالسخافة والتفاهة وكم انسقت وراء الجنون أحب وأعشق بشره فاتهمت بالسفه والتصابي …
فقري عينا غاليتي.. جئتك لأزف إليكِ خبر موته، بداخلي، نعم لقد مات هو وبقيت أنا على قيد الأمل، فهناك رجال يتركون الأرض حبلى بعد رحيلهم تزهر وردا وزنابق، تقطف من تربتها أحلى الثمار وهناك من يتركونها بورا لا تصلح إلا لدفن الخيبات…