باريس بين عصر الأنوار و عصر الدمار

سموها في السابق مدينة الأنوار، لكن الآن انطفأت أضواؤها وبزغت ملامح سوداوية الشكل كالأشباح في عمق الظلام ، حولتها إلى مدينة الأضرار. أحببتها لضخامة إرثها الثقافي، لكن يبدو أنها لا تبادلني نفس الود، لأنني كل مرة أنزل بها تقع لي واقعة آو شيء يعكر المزاج ويفسده.فإن كانت شامبانيا أردينيا قد فتحت لي أدرع الترحاب والمودة، فلم أجد في باريس إلا البؤس والغبن، لأن المدينة فقدت بريقها وجاذبيتها وتحولت إلى وكر للشريرين الذين يعجبهم إيذاء الغير، بسرقة أمتعتهم آو التظلم عليهم . فعلى السائح أن يظل يقظا، إن أراد الإفلات من قبضة ذئاب المدينة التي تجوب شوارعها المكتظة ك الريبوبليك، وماجنطا ، و سباسطروبول ، وجان جوريس ، وشارع فولتير، والأزقة الضخمة التي تشبه الشوارع ك لافاييت وفوبورغ، والأحياء سيئة الذكر ك باربس. وبما أنني من هواة المشي لا أتوقف إلا عند العياء، حينها الجأ إلى وسائل النقل لأكمل الطواف . فكل خطوة إضافية تفيك بسر من أسرار المدينة . أجمل ما شاهدت فيها هو الخط  الذي يبتدئ من نويي سير سين إلى فرساي. حتى منطقة فنسين التي توجد بها حلبة لسباق الخيل لا تقل جمالية . فالباريسيون يعتبرون غابة فنسين كالرئة التي تتنفس بها المدينة . فحذار من تلوثها، كما تلوثت مجاري مياه حوض سان مارتان، بأبشع القاذورات، والنفايات . ولست أدري إن كان لمقالي وقع بعد نشره في جريدة لها امتداد سيبرنتيقي. لأن في الزيارة ما قبل الأخيرة ، وجدت الكنال الشهير في حالة يرثى لها. بقايا دراجات مرمية وسط الأزبال تعترض السيلان ، براميل و قارورات زجاجية ، أكياس بلاستيكية، أوحال، عجلات من المطاط…   فكفنان ايكولوجي المعتقد لم تعجبني هذه الصورة . وكان لزاما علي أن أدون صرختي وأعممها عبر وسائل الإعلام .أما في الزيارة الأخيرة ، أي بعد عام ونصف، فوجدت الكنال في أبهى حلته و أنقى صورته. قمت بنزهة طويلة على القدمين تحت ظل الأشجار الباسقة التي تحيط به. محاولا تناسي ضجيج المدينة، الذي يبعث على القلق. صفارات الشرطة والإسعاف لا تتوقف ليل نهار ، كأن البلد في حالة حرب . الكل قلق و يعيش على الأعصاب. الجميع يشتكي من الاقتطاعات الضريبية. وأثار التقشف بادية للعيان. لربح بعض القطرات من الكازوال يوقف سائقو الأتوبيس المحرك عند الضوء الأحمر.  

زرت باريس مرات عديدة، لكنني لأول مرة أعيش فيها  أجواء الانتخابات الرئاسية، التي مرت في أجواء باردة، وكان واضحا مند البداية أن ماكرون سيفوز لأن بنية المجتمع الفرنسي تفرض الوسطية ولا تسمح بالتطرف ، كالذي تنادي به منافسته التي تنتمي لأقصى اليمين . ومن الأكيد أن فوز لوبين كان سيكون كارثيا بالنسبة لفرنسا. إذ ستعم الفوضى في كل أرجاء البلد و على كل الأصعدة . لأنه من الصعب حل إشكالية المهاجرين بالاعتماد على قرار تعسفي واستفزازي ، فحتى باسكوا في عز أيامه والذي ينتمي لليمين المعتدل لم بنجح في ذلك.

إن التطرف يولد التطرف. هناك الآن أحياء باريسية “مستعمرة” من طرف الأجانب لا يلجها البوليس خوفا من اندلاع مواجهات جماعية دامية كما وقع في السابق . فكل الممرات المؤدية إلى محطتي القطار المسميتين تباعا الشمال والشرق ، ممتلئة عن أخرها بدوي البشرة السوداء والتي حولوا الأمكنة إلي سوق خاصة بهم . منهم من يحلق الشعر فوق الرصيف وعلى الهواء الطلق، ومنهم من يبيع الإعشاب والتوابل. وحين تغامر بنفسك وتقتحم هذا الفضاء الملون تنسى انك في عاصمة أوربية، وإنما في أدغال إفريقيا الاستوائية.

فبعد الاعتداءات الإرهابية الأخيرة صار التعايش ألاثني في مأزق، الكل يحتاط من الآخر. وأصحاب الفنادق الغير المصنفة يعلقون إشارة مكتوب عليها “كمبلي” ولو أن نصف الغرف شاغر. وأبشع ما شاهدت عيناي في باريس هو نوم المئات من المتشردين على أرصفة الشوارع الرئيسية، ومع مجيء أفواج أللاجئين السوريين ازدادت الوضعية تأزما. هؤلاء المتشردون يقتاتون من بقايا الصحون ومن صدقات المحسنين ، منهم من يتبول في ثيابه الرثة، لأن العاصمة الفرنسية تعاني من أزمة مراحيض حادة، تماما كمدينة   الرباط ، عاصمة المغرب، والمقاهي لا تفتح مراحيضها ألا للزبائن . أما المطاعم الشعبية التي يسيطر عليها الأتراك والجزائريون، فلا يوجد في معظمها روبيني لغسل اليد أو مرحاض. وبما أن التسمم منتشر على نطاق واسع، ففي كل بقعة تجد اثأر التقيؤ. أما فيما يخص الإسعاف العمومي فيتعذر الإجابة لكل الطلبات، لأن الكثافة السكانية تجاوزت الحد المسموح به. فحتى لو حملوك في سيارة الإسعاف إلى المستشفى، فالاستشفاء غير مضمون، خاصة بالنسبة للأجانب. فحتى الباريسيون من محدودي الدخل يتعرضون للإهمال.

وعلى مستوى القراءة وصلت عدوى الكسل لسكان الميكابول الفرنسية. لا نرى من “قراء الميترو” إلا القليل، كيف تحلو القراءة وسط اكتظاظ العرباتّ؟ في الماضي ، حينما أتيت إلى باريس لأول مرة،   في إطار ورش تطوعي للشباب (1988)، كان الذين لا يقرؤون يكونون أقلية. فحتى عدد القاعات المختصة بالفنون التشكيلية قد تقلص بشكل رهيب. أما دور النشر فهي تعاني هي الأخرى من أزمة غير مسبوقة. الشيء الوحيد الذي يعرف انتعاشة قوية وهو الإقبال المتزايد على ما يسمى بالعاب الحض، خاصة لعبة أميكو المنتشرة في البلد بشكل واسع . أما فيما يخص رهان الخيل الذي ينقل مباشرة في المغرب وفرنسا عبر قناة إيكيديا ، فلو توقفت هذه القناة عن البت لتسببت في سكتة قلبية بالنسبة لمنظمي سباق الخيل في كلتا البلدين، الذين يربحان الملايير على ظهر الخيل .

لنعد للوقائع التي اعترضت سبيلي وانأ بباريس . ففي سنة 2015، بعد رجوعي من صالون  شامبانيا أردينيا الثالث والنزول بباريس، نظرا لانعدام وسائل النقل التي تحملني مباشرة من هذه المنطقة المخدرة إلى الرباط ،  سرق لص فرنسي  محفظتي السوداء التي  وضعت فيها كتبي، من المتجر الذي ولجته لاقتناء بعض اللوازم. لكن بسرعة “عويطة”  لحقته وأسقطه على الأرض بعنف  . استرجعت محفظتي و فتحتها  أمامه والناس تجمعت حولنا. قلت له في غضبّ: ” لو كنت تملك عقلا سليما  لقراءتها لتركت كتبي لك. إذهب  يا ابن الزا….
لم أقدم شكاية للبوليس، رغم توعد صاحب المتجر بتسليم نسخة من الشريط الذي سجلته كاميرا المراقبة. لا اعتقد أن هذا السارق الغبي سيعود إلى نفس المكان الذي أهين فيه  أمام الملأ.
أما في سفر هذه السنة فقد وقعت لي فيها واقعتين تستحقان الذكر، سأحكيهما ليعلم الناس أن باريس اليوم ليست هي باريس الأمس . وفترة فراغ هيكلي كالذي يرافق فترات الانتخابات الرئاسية تشكل بالنسبة للسائح معضلة ، خاصة إذا تعرض لاعتداء وأراد  رد الاعتبار والإنصاف، أو أصيب بوعكة صحية تتطلب علاجا استعجاليا اعتمادا على الطب العمومي، حيث لا يجد الشخص المصاب آذان صاغية وترحيب،  رغم  أن شعار الدولة الأسمى هو ” حرية مساولة أخوية “، و الذي نقشت أحرفه عند مدخل كل   ثانوية تعليمية، ومؤسسة سيادية.
وقع الحادث الأول في محطة السكة الحديدية، كنت انتظر القطار الذي سينقلني إلى شالن شامبانيا للمشاركة في أول بروفيكتس للفنون ، إذا بثلاثة أشخاص يدعون أنهم من الجمارك . فتحوا أمتعتي أمام المسافرين كأنني مهرب. هؤلاء الصعاليك لا يحملون شارات أو زي يميزهم . وما أثار استغرابي هو تصريح  واحد منهم: “هل لديك ما فوق 10000 يورو”.  قمعت ضحكة بباطني، لأنه لو كان لذي هذا القدر، لاخترت أجمل البلدان. وأخيرا حينما لم يجدو أي شيء محظور بحوزتي ، وكمحاولة لتبرير فعلتهم الدنيئة التي  تذكرنا بما كان يفعله أجدادهم الوقحون بأجدادنا ، إبان عهد الحماية ، قال لي أطولهم قامة أن رائحة ”السيراج”  هي التي أثارت عملية التدقيق، لكن لو كان هذا الشرطي الذي له شم الكلاب ، يحترم القانون لقام بعملية التدقيق  في مكتب رسمي وليس أمام المسافرين . أليس هذا منتهى الشطط ؟

لماذا حملت معي علبة “سيراج” ؟ لأن الفرنسيين لا يرضون بتلميع أحدية الغير. لذلك تجد المواطن الباريسي يرتدي بذلة أنيقة ( آخر صيحة ) لكن حداءه متسخ. كذلك ” وفاء لعنصريته” لا نجده في الأماكن التي يقصدها المغاربيون والأفارقة ، رغم أن هذا الصنف الآدمي الأخير هو الذي يتكلف بجمع نفاياته و تشطيب أزقته وحراسة سكناه. كنت أضن أن العداوة بجوارنا، إذا بي أجدها في كل مكان.

في الحادث الثاني تأكد لي من خلاله أن لا اعتماد إلا على الجيب، لضمان صحته. تعثرت بحجر فسقطت ليلا على الأرض، وسال بعض الدم من فمي . نودي على سيارة الإسعاف فنقلتني على وجه السرعة إلى قسم المستعجلات. لكن لما أوصلوني لم أتلقى أي علاج، اكتفوا بوضع بطاقة بلاستيكية بيضاء على شكل ساعة يدوية تحمل اسمي العائلي و سني . انتظرت دوري لكن بدون جدوى، وبما أن الفندق يسد أبوابه في منتصف الليل، ركبت آخر الأتوبيس لألتحق بغرفة النوم. ففي يوم السبت رجعت إلى المستشفى عساني أجد مضمد لتخفيف أوجاع الفم . فقالوا لي أن الطبيب الاختصاصي غير موجود لأنه يوم عطلة . لكني احتجبت بشدة على الكذب الذي سجلوه في محضر الإسعافات، حيث كتبوا أني تلقيت العلاج وذهبت في السادسة صباح . والحقيقية هي أني نمت في الأوطيل، وليس في قسم المستعجلات ، ويمكن لمدير الفندق أن يدلي بشهادة تثبت أني نمت ليلة الخميس 4 مايو في الغرفة  الذي تحمل رقم 35.

من بين الأشياء التي برمجتها في سفري الباريسي ، زيارة ود للمسرحي الشهير بيتر بروك الذي فاز بجائزة بوزغيبة للفن الساخر لسنة 1916. لكن ما وقع لي في هذه المدينة العصية دفعني للإلغاء هذا اللقاء، فعجلت الرحيل. حملت حقائبي و توجهت إلى منطقة كليشي حيت تتوقف حافلات النقل المتوجهة للمغرب. من حسن حضي أني وجدت واحدة على وشك الرحيل . عند الركوب خلعت عن لساني لغة موليير المستوردة للرجوع إلى أحضان اللغة الأم .

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد