ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
ليست كرة القدم مجرد لعبة تدار أشواطها فوق المستطيل الأخضر، بل أصبحت في كثير من المجتمعات مؤسسة لإنتاج المعاني والرموز، وإعادة تشكيل الهوية الوطنية، وتعويض الشعور الجماعي بالإخفاق، فضلا عن كونها واحدة من أكبر الصناعات الثقافية والترفيهية في العالم. فقد تحولت إلى سلعة عالمية (Commodity) تُنتج وتُسوَّق وتُستهلك عبر شبكات الإعلام والرعاية والإعلانات وحقوق البث، وأصبحت الأندية والمنتخبات علامات تجارية تتنافس على جذب الجماهير ورؤوس الأموال. غير أن القيمة الاقتصادية لكرة القدم ليست سوى أحد أبعادها؛ فهي في الوقت نفسه تُنتج معاني ورموزاً تتجاوز المستطيل الأخضر، لتصبح أداة لإعادة تشكيل الهوية الوطنية وصناعة الشعور بالانتماء والكرامة الجماعية. ولذلك فإن قراءة ردود أفعال الجماهير بعد الانتصارات أو الهزائم، لا ينبغي أن تقتصر على الجانب الرياضي فقط، وإنما يجب أن تمتد إلى ما هو اجتماعي، حيث تتحول المباراة إلى مناسبة لإعادة إنتاج الكرامة الوطنية بصورة رمزية.
منذ عقود، أوضح علم الاجتماع أن الجماعات تحتاج إلى لحظات استثنائية تعيد إليها الثقة بنفسها، كما بينت نظرية الهوية الاجتماعية أن نجاح الجماعة يصبح جزءاً من تقدير الفرد لذاته. ولهذا يشعر الملايين بأن هدفاً يسجله المنتخب الوطني هو إنجاز شخصي لكل فرد ينتمي إلى ذلك الوطن. غير أن هذه الظاهرة تأخذ شكلاً مختلفاً في المجتمعات التي تعيش أزمات سياسية أو اقتصادية أو حضارية. ففي هذه الحالات لا يعود الفوز مجرد مناسبة للاحتفال، بل يتحول إلى تعويض عن إخفاقات لا علاقة لها بالرياضة أصلاً. وهنا يمكن استحضار تحليل الدكتور مصطفى حجازي لسيكولوجية الإنسان المقهور، حيث يبين أن الإنسان المقهور يبحث عن تعويضات رمزية تعيد إليه إحساسه بالقوة والكرامة عندما يعجز الواقع عن توفيرها. فالانتصار الرياضي يصبح انتصاراً نفسياً، ويغدو المنتخب حاملاً لآمال مجتمع بأكمله.
ويكتمل هذا التحليل بما يسميه عالم الاجتماع البريطاني مايكل بيلّيغ بـ “القومية اليومية” (Banal Nationalism). فالأمم لا تُعاد صناعتها في الحروب أو الثورات فقط، بل تُعاد صياغتها يومياً من خلال طقوس ورموز تبدو عادية كالعلم، والنشيد الوطني، والضمير الجماعي “نحن”، والمنتخب الوطني. وفي البطولات الدولية تتحول كرة القدم إلى إحدى أهم آليات إعادة إنتاج الأمة رمزياً، حيث لا يعود اللاعبون أحد عشر فرداً يمثلون أنفسهم، بل يصبحون تجسيداً للأمة بأكملها. ولهذا لا يقول المشجع: “فاز اللاعبون”، بل يقول: “فزنا”، ولا يقول: “خسر المنتخب”، بل يقول: “خسرنا”. وهكذا تصبح المباراة لحظة يُعاد فيها إنتاج الانتماء الوطني بصورة مكثفة، ويُستدعى الوطن بوصفه هوية جمعية يعيشها الملايين في الوقت نفسه.
ولذلك تتكرر عقب المباريات عبارات مثل: “نحن أحسن من أي أحد”، أو “ليس مثلنا أحد”، أو “نحن أسياد العالم”. بل خرج أحد المشجعين المصريين بالأمس، قبل نهاية مباراة الأرجنتين، ليعلن أمام الكاميرات: “احنا أبطال العالم، احنا موش شايفين حد قدامنا.” لا يمكن فهم هذه التصريحات باعتبارها مجرد حماسة رياضية، وإنما بوصفها تعبيراً عن حاجة نفسية إلى استعادة الاعتبار الجماعي. فالفوز في مباراة يتحول إلى دليل على التفوق الوطني، رغم أن الإنجاز تحقق في مجال رياضي محدود لا يعكس بالضرورة أوضاع الدولة في التعليم، أو الاقتصاد، أو البحث العلمي، أو الحريات.
تتجاوز بعض هذه الخطابات الاعتزاز المشروع بالمنتخب إلى ادعاءات التفوق المطلق. وهنا يبرز مفهوم النرجسية الجماعية الذي طورته عالمة النفس الاجتماعي أغنيشكا غوليتش دي زافالا، ويشير إلى ميل بعض الجماعات إلى الاعتقاد بأن الأمة استثنائية وتستحق مكانة واعترافاً يفوقان ما تحظى به فعلياً، مع حساسية مفرطة تجاه أي انتقاد أو تشكيك في قيمتها. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى الفوز الرياضي بوصفه نجاحاً لفريق كرة قدم فحسب، بل يتحول إلى دليل رمزي على عظمة الأمة بأسرها. وهكذا تنتقل المباراة من كونها منافسة رياضية إلى فضاء لإثبات التفوق الوطني، حيث يُحمَّل الإنجاز الرياضي دلالات تتجاوز حدوده، ويُقدَّم أحياناً بوصفه مؤشراً على تفوق حضاري أو تاريخي لا يستند بالضرورة إلى الإنجاز في مجالات أخرى. ومن هذا المنظور، يمكن فهم عبارات مثل: “نحن أحسن من كل أحد”، و”ليس مثلنا أحد”، و”نحن أسياد العالم”، ليس بوصفها مجرد انفعالات رياضية عابرة، وإنما كتعبيرات عن حاجة نفسية واجتماعية إلى تضخيم صورة الذات الوطنية واستعادة الاعتبار الجماعي من خلال انتصار رياضي.
وهنا تتداخل الرياضة مع السياسة. فالسلطات السياسية تدرك منذ زمن طويل القوة التعبوية لكرة القدم. فالانتصارات الرياضية لا يحتفل بها الجمهور وحده، بل تحتفل بها الدولة أيضاً، لأنها تمنحها فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية وصرف الانتباه عن الإخفاقات اليومية. ولذلك كثيراً ما تتحول انتصارات المنتخب إلى انتصارات للحاكم أيضاً، حيث تُستثمر في الخطاب الرسمي لإظهار التماسك الوطني وتجديد الثقة في الدولة ومؤسساتها. فالمنتخب لا يمثل أحد عشر لاعباً فقط، بل يتحول إلى تجسيد رمزي للأمة، ويصبح الفوز دليلاً على “عظمة الوطن”، حتى وإن كانت أسباب التفوق محصورة في المستطيل الأخضر.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تستثمر بعض المجتمعات في كرة القدم أكثر من غيرها. فكلما ضاقت مجالات الإنجاز الحقيقي، ازدادت أهمية الإنجازات الرمزية. أما المجتمعات التي تحقق نجاحها من خلال الاقتصاد والابتكار والجامعات والمؤسسات الديمقراطية، فإنها لا تحتاج إلى تحميل كرة القدم هذا العبء النفسي والسياسي. إنها تحتفل بالفوز، لكنها لا تجعل منه معياراً لمكانتها بين الأمم. إن المشكلة ليست في الفرح بالفوز، فالرياضة خُلقت لتصنع الفرح، ولا في الاعتزاز بالمنتخب الوطني، فهذا شعور مشروع. وإنما تبدأ المشكلة عندما تتحول كرة القدم إلى المصدر الرئيسي لإنتاج الكرامة الوطنية، وعندما يصبح الانتصار الرياضي بديلاً عن الإنجاز الحضاري الحقيقي. فالأمم لا تُقاس بعدد البطولات التي أحرزتها، بل بما تنتجه من علم، وما تبنيه من مؤسسات، وما تحققه من عدالة وتنمية وابتكار.
إن كرة القدم تمنح الشعوب لحظات من الفرح والانتماء، وهذا أحد أجمل أدوارها. لكنها تتحول في الوقت نفسه إلى قوة ناعمة، ووسيلة لإلهاء الرأي العام عن أسئلة الواقع، وإلى مصنع لإنتاج الأوهام الجماعية، وإلى أداة لإنتاج شعور زائف بالتفوق. فالكرامة الوطنية الحقيقية لا تبنى بالأهداف التي تُسجل في الملاعب، وإنما بالإنجازات التي تُحقق في المدارس والجامعات والمختبرات والمصانع، وبالمواطنة، والحرية، والعدالة. عندها فقط، يصبح الفوز في كرة القدم احتفالاً بواقع ناجح، لا تعويضاً عنه.