مجلة نوافذ عدد مزدوج 63-64 – ملف العدد: اليسار الكوني

ريتاج بريس

افتتاحية العدد

ظاهريا، يبدو موضوع اليسار الكوني في متناول البحث والتفكير. لكنه يبقى، في العمق، بعيد المنال ويستعصي على التحليل والتأسيس المفاهيمي. ذلك أنه، من جهة، يفتقد للقدر الكافي من مقومات الوجود الموضوعي على صعيد الواقع والممارسة؛ ومن جهة أخرى، يحيل إلى شبكة معقدة من الإشكالات النظرية والعملية التي تعترض في تقاطعاتها الكثيفة طريق التأسيس له والصعود به إلى المفهوم. لهذا الأمر يرجع ربما فقر الأدبيات المتداولة حول هكذا مفهوم.

في المقابل، يتوفر اليسار العالمي على تراكمات هائلة من التجارب الميدانية، ومن المرجعيات الفكرية والسياسية المواكبة لها، التي ترمي بجذورها العميقة إلى أواخر القرن الثامن عشر مع بروز مقولة اليسار على خلفية الثورة الفرنسية في سنة 1789 – “التموقع الجغرافي” على اليسار في الجمعية العامة التأسيسية. إلا أن المنحى الكوني لهذا الإرث الثوري تأكد أكثر في منتصف القرن التاسع عشر حيث تحددت معالمه الكبرى، وتجسد حدثه أساسا فيما يلي: “ربيع ثورة الشعوب” (1848)؛ نشر “بيان الحزب الشيوعي” (1848) تحت طلب “الأممية الأولى” (1847)؛ ثم “كمونة باريس” (1871)؛ ولاحقا “الأممية الثانية” (1889). تزامنت هذه الحركية مع تنامي الحركة العمالية وازدهار الفكر الاشتراكي. إنه زمن الخوف من شبح ماركس، من شبح الشيوعية الذي يستبد بالغرب، بالعالم.

بلغ هذا المد أوجه إثر الثورة البلشفية، وتأسيس “الأممية الثالثة” (1919)، ثم تعزز بالثورة الصينية (1949)، وصولا إلى ثورة ماي 1968.

في عز الأزمة الخانقة التي كان يمر بها اليسار العالمي، ومباشرة بعد سقوط جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي، عرفت العديد من الدول في أمريكا اللاتينية صعود اليسار إلى السلطة الدولتية. ثم جاءت الأزمة المالية لسنة 2008 كي تظهر من جديد أشباح الثورة، وتهب رياح التغيير في مختلف أنحاء الكون؛ وينتعش فكر ماركس.

أما في مجتمعات العالم العربي، ولا سيما في المغرب، فقد نشأ اليسار تحت وطأة الكولونيالية، بتأثير محلي مصدره السلفية، وخارجي منبعه الأحزاب الشيوعية في “الميتروبول”، خاصة فرنسا. وظل ماركس يعيش هنا في غربة تامة، باستثناء دعوة بعض رواد الفكر العربي إلى الاقتداء بفكره مجردا عن شحنته الثورية، وتأثير اليسار الجديد في سياق ثورة ماي 1968.

مع ذلك، يظل الجدل حول اليسار الكوني سجين القوالب التقليدية التي تحد من إمكانية تأسيسه على أسس جدية وصلبة. إلى جانب المعيقات الموضوعية التي تحول دون تحقق اليسار الكوني على أرض الواقع الملموس، تنتصب الحواجز الباطنية التي ترهن مصيره كرافد فكري يساعد على القيام بدور الوساطة بين الخصوصي والكوني.

يمكن رصد بعض المسالك التي من شأنها تغذية الاستقصاء في الموضوع، وبخاصة منها تلك التي تجند وتعمل على تحيين المفاهيم التالية، ذات الحمولة الكونية بامتياز: العمل المجرد: تعميم الاستيلاب؛ الطبقة الشغيلة: صنع التاريخ، الديمقراطية الحق: ذوبان الجولة السياسية، الفكرة الشيوعية: التحرر الشامل…

وعلى أمل الرجوع إلى إعادة فتح هذا الملف مجددا، حسب توفر حد أدنى من الشروط “الأكاديمية”، نضع بين يدي القارئ هذه المساهمات المتنوعة لعلها تفيد في مقاربة بعض جوانب المسألة المطروحة…

أحمد الحارثي – مدير ورئيس تحرير مجلة نوافذ

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد