جدال الأنوار: كاسرير، هوركهايمر وأدورنو 5/5

جون ماري بول

ترجمة: عبد العزيز عبقري

إن “الأداة الإنسانية” هي النتيجة المنطقية والمحتومة لسيرورة لم تتم عرقلتها والمتمثلة في هدم الميزة الخاصة بالفرد. فبالنسبة لكاسيرير فقد اعتقد أنه وجد عند لايبنيتز الوعود التي قطعتها على نفسها الأنوار والمتمثلة في “تنوير الفهم وتدريب الإرادة حتى تتصرف وفق ما يمليه عليها الفهم”، في إطار”المسار للتقدم المستمر الخاضع لمقتضبات الحكمة والفضيلة وبالتالي للدقة والإتقان […]”.

من هنا يمكن أن نفترض أن هذه الآمال الرائعة والتي عقدتها الأنوار على ذاتها وعن طيب خاطر. فبالنسبة لهوركهايم وأدورنو في تصورهما لم تجسد ذلك، الشيء الذي لا يمنع من الملاحظة المتمثلة في ان نظريتهما تتسم بنوع من عدم الانسجام الفلسفي والتاريخي.

لا وجود هناك في نظرهما، لأي فكر يمكنه فرض إرادة الإنسان على الطبيعة، هذه الإرادة سواء كانت نابعة من الإنسان ذاته أو من خارجه. فكل محاولة من هذا القبيل هي محاولة خاضعة للإدانة ما لم تأخذ بعين الاعتبار للمشروع ولنتائجه. بهذا الصدد يعتبر الأمر قطعيا وأوليا فيما يتعلق بالطبيعة ذاتها. ذلك ما يعتبر أيضا مبرر وجود هذا الأمر، فهل يمكن ان نحتج على ذلك.

إن الاتهام ليس مسألة خاصة بمؤلفي “جدلية الأنوار”. إنه لا يسمح إلا باعتبار قضية الإنسان كغاية وليس كوسيلة أي قضية ثانوية، بل أكثر من ذلك ينبغي من الضرورة أخذها كأمر قطعي، وهو الأمر المؤسس للأخلاق الكانطية. هنا لابد من استبعاد كل ما يتعلق بالنوايا الحسنة أو بإرادة القيام بالعمل الخير من مجال التفكير.

لا يتساءل أبدا هوركهايم وأدورنو عن متى وفي أي مكان تحول الإنسان الى “أداة إنسانية”؟ فإذا أخدنا بعين الاعتبار، أن الأنوار لم تعرف أزهى لحظاتها إلا في ألمانيا _كما أن كل مقارنة مدققة مع فرنسا وانجلترا ستكون مقارنة مبهمة. على عكس ذلك، عرفت الأنوار التقليدية في ألمانيا منذ ظهور النزعة الرومانسية أو على الأقل منذ المرحلة البسماركية، حيث صارت الأنوار آنذاك منبوذة، كما كانت تمثل الوجه الآخر لرفض القيم الإنسانية ورفض الديمقراطية. فمن السهل استحضار الأسماء الكبيرة المؤيدة لهذه الأطروحة_ إن المسؤولية الوحيدة الخاصة بألمانيا والتي يدينها الكاتبان بشكل متسرع هي المتعلقة بالنزعة اللوثرية “التي قضت على معارضة العقيدة والدولة في الوقت الذي جعلت فيه السيف والعصى لب الإنجيل”.

رغم ذلك فإن هوركهايم وأدورنو يستعملان بشكل دائم المنهج الذي يقتضي البحث عن أسباب كونية لظاهرة معينة ذات ميزة خفية. فإذا كانت البربرية معيارا، فإنها تنحو نحو أن تكون معتادة ومعممة آو على الأقل سائدة. أما المسؤولية الخاصة بألمانيا فهي لم تعد تصب في الخطأ الجماعي الضخم الذي أغرقها وذوبها فيه الفكر الذي يأخذ بعين الاعتبار الخطأ الذي يعود إلى الماضي الأسطوري السحيق.

بغض النظر عن هذه الأحكام المسبقة والإيديولوجية، فإن لوكاتش هو الذي سيكون له الفضل في السنوات اللاحقة والذي بذل مجهودا ليوضح اللحظات الكبرى لعملية “تدمير العقل”.

إن المنهج المستعمل من طرف هوركهايم وادورنو يجبرهما، من خلال عموميته المؤدية إلى النمطية، على تفسيرهما لما يروق لهما ويشد إليه قلبيهما بشكل مستفيض. وهما يقومان بتهميش اللحظات القوية مثل الإصلاح، النزعة المادية، النزعة العقلانية للقرن الثامن عشر، ثم الثورة الفرنسية التي حددها الرومانطقيون بشكل واضح كإحدى خصائص لعدوهم. إلا أن هوركهايم وأدورنو لا يقدمان لنا نقطة ارتكازهما التاريخية. كل شيء يختلط تحت نظرة أعينهما المتحفظة.

في مقابل ذلك، فإن العيون الدائمة التفتح لثقافتنا ولحضارتنا، كما هو الأمر بالنسبة لميولاتها فهي خاضعة لعملية تسليط الأضواء بشكل فظ من طرف النظرة التي لا تقبل بالتراجع. إننا نتفهم اليوم أوربا (أو الولايات المتحدة) أكثر مما تفهمنا ألمانيا في الفترة ما بين 1933 و1944. “إن جدلية الأنوار” تؤصل بشكل دقيق لبربرية منزوعة اللون والشكل والغير مشخصة، لا تفسرها، دون أي تسليط للضوء، الوزرات السوداء التي عرفت بها في لحظة معينة من التاريخ. إنها لازالت تحافظ على أهميتها في الراهن رغم أن دراستها لازالت ناقصة لأننا لم نوفر الأدوات المتميزة القادرة على استيعابها.

النسبة للقارئ الغير المحتاط والذي يكتشف لأول مرة مؤلف “فلسفة الأنوار” ومؤلف “جدلية الأنوار” قد يتساءل إذا لم يكن مؤلفوا هاذين الكتابين قد تناولوا نفس الموضوع. فكاسيرير قد نصب نفسه محاميا عن فلسفة متفائلة واعدة، تؤمن بالتقدم وبالسعادة وتضع على عاتقها مهمة تحقيقها في التاريخ، بغض النظر عن تراكم العلامات المؤشرة على عكس ذلك. إنه لازال يؤمن بالحضارة في اللحظة التي تدعوه كل الأشياء إلى اليأس.

أما أدورنو وهوركهايم، فهما غير متخوفان إلا من تدمير الطبيعة، ومن الضياع الذي يعرضنا للاستيلاب، إنه ضياع العالم الداخلي والخارجي للإنسان. الأول يكمن في انتظار وصول الفرد إلى مرحلة الاكتمال، أما الآخر فهو يشير إلى العلامات الدالة على تفككه. رغم ذلك فكلهم قد تناولوا الأنوار كما لو أنها كثلة متراصة، فرغم أن كاسيرير اشتغل بالشكل الذي يظهر تعددها على المستوى النظري، إلا أن صورة الأنوار بقيت مبسطة، كما أن تقييمه للمفهوم يستدعي بالدرجة الأولى فلسفة أدورنو وهوركهايم. من هذا المنطلق تتعارض أحكام القيمة لديهم، فكل واحد يطرح المشكل انطلاقا من اتجاه ومستقبل الحضارة. وبالتالي لا يمكن للجواب أن يكون بشكل صارم جوابا علميا وتاريخيا. إنه جواب لا ينفصل عن قدرنا، لهذا فإن أزمة الأنوار لا تنفك تثير ردود فعل ايديولوجية شخصية منذ القرن الثامن عشر.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد