كلود جيفري
ترجمة الأستاذة حنان قصبي
لا يوجد بالفعل استعمال بريء للمنتجات التقنية الحديثة بدون تغيير عميق لأنماط الحياة والعقليات. تقتضي هذه المنتجات حسب منطقها الخاص إحداث قطيعة مع التصور الأسطوري للعالم عن علمنة المجتمع وثقافة وسائل الإعلام السمعية البصرية المسيطرة وأنها تقود بالضرورة إلى نوع من علمنة الوعي، أي إلى تغيير بنيات التصديق الديني.
2) لا تنفصل الحداثة السياسية عن الحداثة الاقتصادية والاجتماعية التي غيرت العلاقات ما بين الناس في المجتمعات الغربية. يتعلق الأمر أساسا بقيام دولة الحق القائمة على العقد الاجتماعي وليس على مبدأ متعال، وبفصل سلطة الدين عن الدولة، وبالعلمانية والاعتراف بالحرية الدينية. وفي هذا المجال، يوجد هناك تفاوت كبير ما بين المجتمعات الإسلامية والديمقراطيات الغربية. ولا يمكن هنا تقديم التفاصيل ووصف الأنظمة الدستورية المختلفة فيما بينها اختلافا كبيرا سواء تعلق الأمر بالدول الإسلامية التي تبنت الشريعة كقانون ديني ومدني في نفس الوقت أو ببعض الدول الحديثة التي يحكمها دستور مدني يحمي نظريا الحرية الدينية لكل المواطنين. لقد قبلت الدول ذات الأغلبية المسلمة التوقيع على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948ن ولكن واقعيا نلاحظ في أغلب الأحيان، تأويلا ضيقا للحرية الدينية (ولا بد أن نقرا بكثير من التحفظ دراسة روجي غارودي “حقوق الإنسان والإسلام”، ودراسة عبد الله أحمد النعيم “القرآن، الشريعة وحقوق الإنسان”، حول “إتيقا الديانات الكبرى وحقوق الإنسان”).
وباختصار، نميل إلى القول أن موقف السلطات الدينية الإسلامية الرسمية تجاه الحريات الحديثة هو أقرب إلى موقف الكنيسة الكاثوليكية إبان عهد بيوس التاسع سنة 1864، يؤاخذ الإسلام على الغرب بصفة عامة كونه مجد حقوق الإنسان على حساب حقوق الله، ويعتقد –مثله في ذلك مثل الكاثوليكية المحافظة – أن حرية الرأي والحرية الدينية تشجعان الإلحاد. ويرى أن الوحي يجب أن تكون له الغلبة على حقوق المعتقد الفردية.
يحضر هنا نقاش أساسي حول إمكانية التوفيق ما بين الطابع المطلق للوحي وبين الحداثة باعتبارها عقلا نقديا وعقلا ديمقراطيا. إن الكنيسة الكاثوليكية نفسها احتاجت لعدة قرون لكي تتخلى عن إيديولوجية الحقيقة المفروضة والإعلان في الفاتيكان أن “الحقيقة لا يمكن فرضها إلا بقوة الحقيقة ذاتها” (أنظر الإعلان عن الحرية الدينية)، أي بدون إكراه مباشر أو غير مباشر.
لم يصل الإسلام بعد إلى هذا المستوى. هناك علاقة وثيقة ما بين الحق في الحرية الدينية والعلمانية. ورهان العلمانية هو نفسه رهان الديمقراطية. ولكن لكي يقبل المسلمون نوعا من العلمانية الضرورية لقيام مجتمع حديث يكون ديمقراطيا ومتعددا دينيا، يجب تجاوز العلمانية المعادية للدين. فهذه العلمانية الجديدة التي تعني أن يعيش جميع المواطنين معا تدعو السلطات الدينية إلى التخلي عن كل شكل من أشكال الهيمنة المباشرة أو غير المباشرة على المجتمع المدني، ولكنها تدعو أيضا الدولة إلى التخلي عن العمانية “المناضلة” التي مثلت دينا في فرنسا بلد حقوق الإنسان. ونأمل أن يشجع الإسلام الأوربي الذي يتطور أمام أعيننا بروز مواطن مسلم يتعلم كيف يوفق ما بين انتمائه للأمة الإسلامية وانتمائه للمجتمع المدني في إطار احترام استقلاله الذاتي المشروع.
3) حينما أحاول تقييم الموقف الأكثر انتشارا في الإسلام من الحداثة الثقافية، فإنني لا أقصد بذلك آخر ما وصلت إليه الثقافة الأوروبية فيما يعرف بما بعد الحداثة. كما لا أفكر في الثقافة الاستهلاكية المتعوية التي تبث عالميا عبر وسائل الإعلام، إنني أقصد بذلك نظاما حديثا معينا للفكر، يتم التعبير عنه عبر العقل النقدي والوعي التاريخي. لقد تبنى المثقفون المسلمون بصفة عامة المناهج والإجراءات المشتركة بين جميع الأبحاث في مجال العلوم الدقيقة والعلوم الإنسانية، ولكن إذا أردنا تطبيق المنهج التاريخي النقدي ومختلف معارف اللسانيات الحديثة على دراسة النصوص الأساسية للإسلام، فيجب حينئذ الاعتراف بوجود هوة ما بين الإسلام والمسيحية فيما يتعلق بوضع العلوم الدينية. فما أصبح أمرا مشتركا ما بين المفسرين واللاهوتيين المسيحيين منذ ما يقرب من مائة سنة يظل إلى حدود الآن مشتبها فيه في اللاهوت الإسلامي الرسمي.
التأويل بين المسيحية والإسلام
لا يعود هذا الاختلاف ما بين المسيحية والإسلام فيما يتعلق بمقاربة النصوص الدينية الأساسية فقط إلى التفاوت التاريخي ما بين الثقافة الغربية والثقافة المسيطرة في العالم العربي الإسلامي. ولا ينتج فقط عن الهوة ما بين المدارس القرآنية والتعليم العالي الجامعي فيما يخص الانفتاح على المتطلبات الحديثة للمعرفة. لهذا الاختلاف جذور لاهوتية بشكل خاص. فبالرغم من بعض التشابه، فإن المسيحيين والمسلمين لا يملكون نفس التصور عن الوحي والإلهام فيما يخص التفكير في المسافة الفاصلة ما بين النصوص المقدسة وكلام الله.
يوجد بالتأكيد تراث تأويلي في تاريخ الفكر الإسلامي. لكن “الهيئة التأويلية” (الهيرمينوطيقية بالمعنى الحديث للكلمة، لم تأخذ بجدية، في حقيقة الأمر، لما يتعلق الأمر بالقيام بإعادة قراءة معاصرة للقرآن أو لحديث النبي. يجب أن نتذكر أنه بالنسبة للإسلام، ليس النبي إلا مبلغا، فالله هو مصدر الوحي والنبي اختير كخاتم للنوبة، والقرآن الذي أوحي به إليه يعتبر الكتاب الأكمل الذي لا يتبدل، والذي لا يختم فقط الوحي ولكنه يقدم المعيار الذي يسمح بالتمييز ما بين ما هو صحيح وما هو محرف في الكتب السابقة عليه، الكتب اليهودية والمسيحية.
كل الأناجيل، على سبيل المثال، محرفة في نظر المسلمين، باستثناء بعض أقوال المسيح، لأنها تضمن استمرارية التقليد التأويلي للجماعة المسيحية وكيفية نقلها لأخبار المسيح. وفي المنظور الإسلامي، لا معنى لفكرة التقليد التأويلي بما أن القرآن كله تم تنزيله على الناس من عند الله. وحتى وإذا كانت عملية جمع القرآن وتحويله إلى متن قد استغرقت أكثر من 30 سنة بعد وفاة النبي، فإن كتابة السور القرآنية كانت نسخا خالصا للتعليم النبوي المباشر. وهكذا، فإن فكرة “هيئة تأويلية” لا تعرض للخطر الخاصية المقدسة لكلام الله مرفوضة قطعا في الإسلام. وحتى وإن شرع العديد من المثقفين المسلمين في نقد نص القرآن نقدا تاريخيا وأدبيا، فإنني ألاحظ أن حريتهم الهيرمينوطيقية تخوض صراعا مع الموقف الوثوقي الذي يرى ذلك النقد مسا بكلام الله الحق.
—
المرجع: مجلة Théologiques، المجلد التاسع، العدد الثاني، سنة 2001.