إستراتيجية الإسلام في مواجهة تحدي الحداثة 1/2

كلود جيفري

ترجمة: الأستاذة حنان قصبي

إن كل حديث عن مواجهة الإسلام للحداثة، يستوجب استحضار مجموعة من المعارف التاريخية والسوسيولوجية، كما أن استحضار ما مرت به المسيحية يحمل عبرا ويسمح بفهم الانتقال إلى الحداثة.

 

ملاحظات أولية:

 

سأبدأ بتقديم ثلاث ملاحظات أولية وهي:

1) أن النقاش الدائر حول ما بعد الحداثة باعتبارها مؤشرا على أزمة الحداثة هو نقاش غربي بل أوربي بامتياز. وفي نفس الوقت الذي تتعرض فيه المركزية الأوربية المسيطرة منذ زمن إلى الانتقاد، فالعالم بأسره يتأثر بأوربا بسرعة كبيرة، على الأقل بمعنى الحداثة التقنية التي تسود في كل أنحاء العالم. وهكذا تسعى جل الدول السائرة في طريق النمو وهي في أغلبيتها دول مسلمة إلى حداثة تغير أوضاعها المعيشية.

2) يعتبر نقاش الحداثة من وجهة نظر الإسلام نقاشا مغلوطا، لأن الحداثة مرتبطة بالغرب المستعمر، المادي والمُتعوي، رغم وجود حداثة في الحياة اليومية متمثلة في منتجات الحضارة التقنية، فإن الإجابة على تحديات الحداثة الغربية سيأخذ صيغة أصولية دينية أو حركة ثورية. منذ أكثر من عشر سنوات والدول الإسلامية الفقيرة تبحث عن طريق ثالثة بعيدة عن الأيديولوجية الليبرالية للمجتمع الغربي وبعيدة عن النزعة الجماعية للمجتمع الاشتراكي. هذه الطريق الثالثة هي الرجوع إلى إسلام خالص ومتشدد، وإلى إمكانياته الثورية. وهذه هي حالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيث تفرض أن تقوم الدولة على قيادة زعيم مرشد معظم. وأيضا أيديولوجية الإخوان المسلمين الذين ينشطون في مصر وفي بلدان المغرب الكبير وإفريقيا السوداء.

3) حينما نقارن بين المسيحية والإسلام في مواجهة الحداثة، لا يجب أبدا أن ننسى التفاوت التاريخي ما بين المجتمعات المتطورة في أوربا الديمقراطية وأغلب المجتمعات الإسلامية. وهذا يتعلق في نفس الوقت بفهم مغاير لعلاقة الدين بالسلطة المدنية، وفهم مغاير لاستقلالية الأشخاص وحريتهم الدينية، وفهم مغاير للعلاقة بالرجل وبالمرأة، وكذا فهم مغاير للعقل النقدي في تعامله مع العقائد الأساسية في الدين الإسلامي.

عرفت الحضارة العربية الإسلامية، بعد عصرها الذهبي في نهاية القرن السابع الميلادي، مرحلة انحطاط، وراكمت التخلفات بالمقارنة مع تطور الغرب وخصوصا ابتداء من القرن الثامن عشر. ويشدد المؤرخون على أن انحطاط الإمبراطورية العثمانية كان على امتداد القرن التاسع عشر وقد خلق اندثار السلطنة والخلافة وضعا جديدا في مجموع البلدان الإسلامية. كما أن التيارات الإصلاحية الإسلامية التي ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر، بقيادة كتاب مهيمن من مصر على وجه الخصوص، شكلت محاولة في غاية الأهمية لخلق توازن بين المجتمعات الإسلامية والحداثة دون المساس بالإخلاص الديني ويتعلق الأمر تحديدا بممارسة الاجتهاد باعتباره جهدا شخصيا، في البحث والتأويل في مجال علوم الدين والقانون. ولكن هذه المحاولة باءت بالفشل في آخر المطاف. لقد اعتبرها العلماء تقدمية أكثر مما يجب. ويمكن القول أن المذهب الإصلاحي قد ترك مكانه للإسلام السياسي والذي دُشِن بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين من طرف حسن البنا المتوفى سنة 1946. يصارع الإخوان المسلمون من أجل بناء دولة إسلامية، ومشروعهم الأساسي هو أسلمة المجتمع ومؤسساته الاجتماعية والقانونية والسياسية، ومعركتهم جهاد، أي حرب في سبيل الله. 

  

ثلاثة أوجه للحداثة:

 

تهدف هذه المعطيات إلى محاولة الفهم السليم للواقع المعقد للإسلام في جوابه عن تحدي الحداثة. سأميز بين ثلاثة أوجه للحداثة: الحداثة العلمية والتقنية، الحداثة السياسية والحداثة الثقافية. وسيمكننا هذا التمييز من الإدراك السليم لأوجه الانفتاح والمقاومة في كل منها على حدة.

1) ساهمت الحضارة العربية تاريخيا بكيفية بارزة في تطور المعرفة العلمية. ونلاحظ اليوم، انفتاحا كبيرا على نتائج الاكتشافات العلمية، وإرادة التحكم في كل التكنولوجيات الحديثة. فهناك جاذبية كبيرة نحو المنتجات الصناعية الأكثر إتقانا، على الأقل في البلدان الإسلامية الأكثر تطورا، وخاصة في مجال الوسائل السمعية البصرية والإعلاميات.

وتتعايش الحضارة التقنية بشكل ناجح جدا مع الارتباط الوثيق بالتقاليد الدينية والعائلية المقدسة. يبدو الأمر وكأن الإسلام يريد أن يقدم الحجة على أن الثورة الصناعية والتقنية لا تؤدي حتما إلى إضعاف الشعور الديني وإلى علمنة الحياة الاجتماعية كما حدث في الغرب. ويمكن تسجيل نفس الملاحظة بصدد الحضارة الوليدة في جنوب شرق آسيا. ولكن من الممكن أن يكون الحكم أقل تفاؤلا فيما يخص المستقبل الديني لهذه المجتمعات، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار عقلية الشباب. 

يتبع…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد