بقلم: الدكتور محمد الطالبي
ترجمة: الأستاذ حسن بيقي
لكن: هل يمكن أن تطبيق هذه الرؤية اللاهوتية في ظل شروطنا الراهنة ؟ بالطبع لا. ولتوضيح هذه المعضلة، قمت بتوليد لفظة جديدة “النوموقراطية” كردة فعل ضد أي مسعى يرمي لمماثلة الدولة الإسلامية بالنظام التيوقراطي لعدم صمودها أمام الدليل التاريخي. فلم يسبق لأي دولة إسلامية أن استمدت سلطتها من شرعية إلهية. بل كانت دوما قائمة على حق الغلبة والقهر. لكن ما إن يتم الانقضاض على الحكم حتى يتم تحويل الدولة من دولة غلبة وقهر إلى دولة حق. وبما أن الفقهاء كعادتهم وكلاء بمهام إضفاء الشرعية على السلطة السياسية، فقد أكدوا عن ضرورة تلازم شرعية سلطة الدولة وخدمة الشريعة، والتي كانت دوما عصية عن التطبيق. في البلدان الإسلامية تجد طبقة العلماء هي التي كانت تحتكر صناعة القوانين. هكذا، فإن سلطة التنفيذ المستندة على القوة تصير شرعية بدءا من اللحظة التي يرفع فيها السيف لخدمة الشريعة. إنها بالذات تلك الدولة التي سبق أن وسمناها بـ”النوموقراطية”. لهذا كان غرضي من هذا كله هو الإبلاغ عن حدث تاريخي. لكن دون أن يعني أننا نسعى إلى إثبات صلاحية هذا النظام في زمننا الراهن. ذلك أنّ تشريع القوانين لم يعد اليوم موكولا إلى العلماء وإنما أضحت الدولة هي التي يحق لها سن القوانين عبر المجالس التشريعية. ومن ثمة أمسى النظام النوموقراطي منعدما.
قد يقال: ما الدور الذي يمكن أن يناط للشريعة في الوقت الراهن؟ فمن حيث هي شكل تنظيمي للمجتمع لم تعد لها صلة وثيقة بتاتا بالموضوع. بل لا يقف الأمر عند ذلك، إنها أيضا شكل تنظيمي أخلاقي وروحي للجماعة المسلمة، ولها دور، في هذه الحالة، يمكن أن تلعبه لصالح هذه الجماعة. لكن ينبغي لها أن تطاوع منطق التطور التاريخي. إن الشريعة هي الطريق الذي يقود إلى الله. والطريق إليها ليس موصدا. فحتى تلك الأنظمة السياسية التي تشترط في دستورها أن الإسلام هو دين الدولة مازالت مع ذلك تحوم باستمرار في حلقة مفرغة حول هذه القضية. فهي أقل من أن تكون أزمة لاهوتية، وهذا حال باقي الأديان الأخرى كالديانة المسيحية مثلا، بقدر ما هي أزمة قانونية -اجتماعية؛ ولن يتاح لنا الخروج منها إلا إذا سويت مسألة الشريعة بكيفية ترضي وعي الجماهير. إن هذه الأزمة تعكس أساسا التحولات التي تعيشها المجتمعات المسلمة التي هي في طور الخروج من حياة البداوة وأحيانا من حياة الصحراء إلى حياة “المجتمع المدني”؛ وإن كان الطريق مازال مديدا ومحفوفا بالأشواك. لأن هذه الحداثة ذائعة الصيت، بوصفها بؤرة المعضلة، لم تنشأ في حضن العالم الإسلامي بتأثير تطور طبيعي تدريجي؛ أي أنها حداثة غير نابعة من ثمار قيمها الخاصة، وإنما هي قبل كل شيء حداثة مفروضة من الخارج من خلال الإذلال الاستعماري واستيراد البضائع والذهنيات الغربية. مما جعل البعض يصدرون إزاءها مواقف انفعالية رافضة لقيمها إلى حد اللجوء إلى استعمال العنف، بينما البعض الأخر ارتمى في أحضانها معلنا القطع مع الجذور والتصفية مع القيم الأخلاقية والروحية الثاوية في مظانّ الميراث الإسلامي. نحن نعيش إذن مواجهة مع أزمة وعي غائرة. والحال أن أي أزمة من الأزمات لا فكاك منها إلا عندما تعثر القضية على السلم والانسجام. إن الطريق الوحيد الذي يسعفنا في تحقيق ذلك هو أن نتمسك بالبحث والدراسة وأسلوب الحوار. هكذا ترون معي، أني أراوح دوما حول فكرتي القائمة على ضرورة إرساء مركز للدراسات الدينية، مركز بإمكانه أن يكون مبادرة في تطوير الفكر الإسلامي وأن يساعد على أسلمة الحداثة وتحديث الإسلام. وإن شاء لهذا المشروع الفكري أن يتعذر فلن يتأتى لنا الحصول على أي مخرج من هذه الأزمة. لقد اتهم ابن خلدون، والذي كان له تأثير عميق في حياتي الفكرية ‘السياسة العقلية”، وإن كان لا ينفي ميزاتها، بكونها “النظر في الأشياء بغير نور الله”. إن هدفنا إذن هو: أن تكون السياسة، في آن معا، عقلانية وفي ضوء النور الإلهي. وكما سبق أن صرحت، فأنا لا أملك أي حل للمسألة. أقول فقط أن الطريق يسلك هذا المنحى.
هناك كيفيات عدة لتصفية الإرث الإسلامي، بدليل أن المسلمين المنسلخين كليا عن إسلامهم بإمكانهم أن يثبتوا عدم الاعتراف بهم لا في أتون التاريخ الإسلامي ولا ضمن المجتمعات العربية. إنه دأب بعض المنافحين عن البربرية. وهذا ما يعادل رفضهم للتاريخ العربي-الإسلامي، على اعتبار أن كلمة عرب تحيل لا على معنى اثني بل على معنى ثقافي. بل هناك اعتراف لدى البعض منهم في المجتمع الثقافي الغربي أكثر منه في مجتمعاتهم العربية-الإسلامية. هناك حداثة قد تنحو منحى الاقتلاع التام للجذور الثقافية، وهذا ليس حال ثقافتنا التي كانت مطبوعة بمسحة الإسلام إلى درجة أن مفكرين غير مسلمين تأثروا بها (ابن ميمون نموذجا). إن هذا السبب هو الذي دفعني إلى الحديث عن الثقافة العربية الإسلامية، ثقافة تحمل في طياتها شيئا ما، بحيث يضفى عليها لونا متميزا. وهذا الشيء المتميز هو الإسلام. فلم يكن هناك وجود تاريخي لهذه الثقافة الإسلامية قبل الوحي، ولادتها تأتت بدافع نص تأسيسي وبحركة تأسيسية.
قديما، خاض البرابرة معارك ضد تواجد العرب باسم راية الإسلام. وكانت الحركة البربرية في بدايتها متجذرة في حياة الإسلام. أما في الوقت الراهن فقد شهدت تمردا ضد النزوع العروبي والإسلامي. بل تمادى البعض منهم في التفكير بأنه يصعب الانخراط في حداثة حقيقية دون التحرر بشكل كلي من منظومة الفكر العربي الإسلامي. وفي المقابل، بإمكان المسلمين ثقافيا أن يفقدوا الإيمان، لكن مع انشدادهم بوشائج الانتماء للثقافة الإسلامية.
إنه لمن الأفيد في السياق الحالي ألا نتحدث عن الفضاء المغاربي الإسلامي، لأن مثل هذا الكلام سينجم عنه سياسيا أمور خطيرة. بإمكان التيارات الدينية المتطرفة أن تستحوذ على هذا التعبير لاستعماله في أغراض خاصة. إن الفضاء المغاربي هو واقع حقيقي. لكن عندما نتحدث عن الفضاء العربي المغاربي، إذا شئنا القول، هو في اعتقادي كلام عن فضاء مغاربي له امتداد حضاري؛ استعملت فيه العربية كلسان دارج. وهذا أمر لا يعني شيئا أخر.
إن التعبيرين “العربي-الإسلامي” و”الفضاء المغاربي العربي” في حاجة إلى شروح توضيحية. تكمن أهميتهما في السماح بصياغة تركيبية لعدد معين من الوقائع. إلا أنه من اللازم اجتناب عن حق أخذهما في نطاق معنى حصري جدا، وإلا سيكون ذلك منافيا لأي انفتاح. إن هذه الصياغات تقدم فعلا صورة سلبية لما تحويه من بعد اثني قد تثير استفزازا وانتقادات مبررة. والحال أن مسعى الإسلام هو أن يسوغ صورة على نفسه كإسلام عالمي لا كإسلام عرقي. لهذا ليس هناك تضمين لأي تحجر في هذه الصياغات التعبيرية.
كما أنه ينبغي كذلك تقديم إضاءة وشروح لهذه التعبيرات المتداولة من قبيل: “تحديث الإسلام” أو “أسلمة الحداثة”. فنحن لا نصير أشخاصا حداثيين بمجرد تلبيس خالص للذات بنمط حياة معين أو بأي مظهر براني. إن الغرب انخرط في الحداثة وهو يتحمل ثقل تاريخه. فهو يوجد معها في آن معا ضمن إيقاع متأرجح بين الاستمرارية والقطيعة، بين الدياكرونية والسانكرونية. إن هذا التوتر الحاد قد استنبت حداثة لا هي بحداثة قطيعة ولا هي بحداثة سيرورة خطية. إنه هذا المثير الناشئ من حدة التوتر هو الصانع لقوة الغرب وعظمته والمهماز الذي جعل فكره دوما مبدعا. بهذا المعنى تصير الحداثة قوة خلاقة دائمة وطاقة محركة صوب شيء ما؛ وروحا تتوخى البحث عن معرفة تصير الإنسان باستمرار إنسانا. الحداثة إذن هي قوة التجاوز. فهل نحن إذن على وعي بأن الحداثة هي جماع هذه الأمور كلها ؟ يفترض هذا الوعي بالحداثة الاستمرار في إنماء تراثها الثقافي على كافة أشكال البحث مع الأخذ في الحسبان بجميع الإسهامات، مهما كان مصدرها. ذلك أن الحداثة الغربية أبانت عن مقدرتها على هضم واستيعاب أشكال الميراث الأخرى المغايرة لها. فلتنظروا كيف عبرت عن نفسها في مجال الفن والموسيقى والأدب والتي اغتنت بفضل تيارات فكرية متنوعة. هنا تكمن قوة استيعاب هائلة مع ومن أجل محور الولايات المتحدة، والتي اعتبرت البؤرة التي انبثقت من صلبها حضارة قوية وغنية.
فما الموقف الذي يتطلب منا اتخاذه لمجابهة مكشوفة أمام هذا الأمور كلها ؟ البعض اختار الانسلاخ عن جذوره الثقافية بغرض الاندماج في الحداثة. بل وصلت عملية نزع الطابع الإسلامي عندهم درجة قصوى. وهذه حالة الروائي سلمان رشدي الذي تمرد على ماضيه، حتى وإن كان كلامه عنه مفعما أحيانا بنبرات الشوق والحنين. إن هذا الطريق ليس بالضرورة موصدا، فبإمكان أي مسلم مؤمن أن يسلكه مادام الإيمان شأنا خاصا وحميميا عند الإنسان. غير أنه لا يمكن أن يكون له تأثير سوى على فئات قليلة محظوظة بثقافة أتاحت لها منفذا إلى الغرب. إذن فماذا نفعل من أجل الآخرين؟ طالما أن الحداثة الغربية تفسر سبب نجاح الخميني الذي وجد له صدى مؤثرا في وطنه من خلال الدعوة إلى الثورة ضد”الشيطان الأكبر”، فإنها تجازف في إنتاج تأثير مخالف عما كنا نسعى إلى البحث عنه. بمعنى أن يكون مصيره الإهمال. وكما سبق القول، ينبغي علينا أن نتحرر من الخوف. فبإمكاننا أن نعثر في قيم الغرب العميقة على أشياء تطابق قيمنا. بل ربما نستطيع أن نقدم من جديد للإنسانية أمورا كثيرة. هكذا يتطلب منا أن نساهم في بناء حداثة تعتبر اليوم حداثة كوكبية، مادام أي تلبيس لها موبوءا بالفشل. لهذا فينبغي، عن حق، امتلاك حرية تعبير كاملة، حرية فكر بلا تابوهات.
—
المريج: (Mohamed Talbi, Réflexion d’un musulman contemporain)