بقلم: الأستاذ محمد الهلالي
لا يمكن للمثقف أن يكون رجعيا. وهذا في حد ذاته ليس مدحا ولا تقريظا، وإنما هو مجرد وصف. وحتى في أحسن الحالات التي يدافع “المثقف” (مجازا) عن قيم ماضوية يسمى مثقفا تقليديا مقارنة بنقيضه المثقف العضوي (حسب أنطونيو غرامشي).
وارتباط المثقف بالتقدمية (والتي تعني الدفاع عن القيم المرتكزة على الحرية والعقلانية والتفتح والعيش الكريم والمساواة بين الجنسين) يعني ارتباطه بموضوعة أساسية هي موضوعة الالتزام. ويعتبر الفيلسوف الفرنسي جون بول سارتر هو أكثر الفلاسفة تأصيلا ودفاعا عن هذا الموقف، ولا غرابة في ذلك وهو يقول “إن الإنسان حر في كل شيء ما عدا التخلي عن حريته”، أي أننا مجبرون على أن نكون أحرارا، لأن وجودنا يسبق ماهيتنا، ولأن ماهيتنا ليست ثابتة، وإنما هي ما ستكونه في المستقبل وما لا تتوقف عن كونه…
سبق لعلي أومليل (الباحث في الفلسفة والفكر السياسي والذي ارتبط اسمه بتأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في مرحلتها الأولى قبل أن يقودها مناضلو النهج الديمقراطي وحزب الطليعة وبعض المستقلين) أن لاحظ أن مشكلة المثقفين العرب المسلمين عموما تكمن في كونهم لقطاء، أي بدون سلف ثقافي ما عدا الفقهاء وكتاب الدواوين. وهو نفس الأمر الذي دفع الجابري إلى البحث عن أزمة في الثقافة العربية الإسلامية لتعتبر نقطة ميلاد المثقف كما هو الشأن بالنسبة لمحاكمة الضابط اليهودي الفرنسي درايقوس بتهمة الخيانة وتطوع المثقفين آنذاك للدفاع عنه وفي مقدمتهم زولا ونصه الشهير المعنون ب”أتهم…” ولكنه لم يعثر عليها لأنها غير موجودة بكل بساطة.
وهذا ما يفسر في المغرب المعاصر كون جميع المثقفين تقدميين. فالعروي والجابري وأومليل وجسوس ارتبطوا بالفكر الاشتراكي… أما السرفاتي والأزهر والمودن والشاوي واللعبي وسليم رضوان وحرزني والحبيب طالب فارتبطوا بالفكر الماركسي… إضافة إلى مثقفي الحزب الشيوعي مثل عزيز بلال والعياشي وبورقية وشمعون ليفي… بل حتى الذين لم ينتموا تنظيميا لأحد التيارين فلقد نهلوا من الفكر التقدمي في صيغة من صيغه (الحمودي والخطيبي وبودربالة…)
كما أن التيار الليبرالي المعاصر تبنى هو بدوره أفكارا تقدمية في حلة ليبرالية كما تتجلى في نقد المؤسسات العتيقة والتشبث بديمقراطية حقيقية والدفاع عن الليبرالية المتحررة من الفكر الماضوي مثل ما نلاحظه في كتابات أحمد رضى بنشمسي وبوبكر الجامعي…
وبهذا المعنى لا يمكن القول أن الشيخ عبد السلام ياسين مثقف بالرغم من أهمية وغزارة كتاباته وسجالاته وإنما هو داعية ورجل دين يتدخل في السياسة من منظور الشريعة بهدف إقامة دولة الخلافة. ونفس الشيء يمكن قوله عن رموز العدالة والتنمية المنظرين لأطروحات الإسلام المعتدل حقا أو تقية.
لا وجود للمثقف بدون احتلاله الموقع الذي ينسجم مع القيم الثقافية، أي موقف النقد لكل ما يضر بالحرية والكرامة. فأين كل هؤلاء المثقفين اليوم أمام أزمة الهوية وتفكك الأيديولوجيات وتضخم القيم الاستهلاكية وتخبط النظام السياسي في أزمات هيكلية وهرولة المهرولين لخدمة السلطة في هرمها أو قرب أقدامها ؟