بقلم: الأستاذة حنان قصبي
إذا تأملنا المنهج الفلسفي الذي يُنسب لأبي حامد الغزالي (1050-1111) ولـديكارت (1596-1650) فسنجده يرتكز على مفهوم أساسي هو “الشك”. لذلك يوصف هذا المنهج الفلسفي في الحالتين معا بأنه “شك منهجي”، ولذلك لا بد من تناول هذا المفهوم لكي نتمكن من استيعاب مكونات المنهج ونُقيم هذه المقارنة الضرورية بين هذين الفيلسوفين الهامين سواء بالنسبة لثقافة كل واحد منهما أو بالنسبة للفكر الإنساني عموما.
ننطلق من فرضيتين حول العلاقة المفترضة بين الغزالي وديكارت:
– الفرضية الأولى: أساس التشابهات بل والتطابقات ما بين المنهجين هو “التوافق”، أي أن ظروفَ كل واحد منهما قادته إلى إبداع ما أبدعه بدون وجود أي علاقة تأثير.
فيما يخص الفرضية الأولى: أشرف الأستاذ راينهارد لاوت Reeinhard Lauth على دراسة حول علاقة الغزالي بديكارت بألمانيا، وقام المستشرق الألماني أنطون أشبيتالر A.Spitaler بمراجعتها، وقد رفض المستشرق المذكور فكرة أن ديكارت تأثر بالغزالي وبرر التشابه بين منهجيهما “بالتوافق” أو “توارد خواطر عليهما معا” دون أن تكون هناك أية معرفة لديكارت بالغزالي.
– الفرضية الثانية: هناك سبق تاريخي وتأثير، فكتابات الغزالي، وخصوصا (المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال) أثرت على ديكارت وكانت إحدى مصادره في إبداع منهجه الفلسفي.
وفيما يخص هذه الفرضية يمكن أن نشير إلى مجموعة من المعطيات التي تدعمها:
– كتب الكاتب الألماني كريستوف فون فولستوجن Christoph Von Wolzogen مقالا تحت عنوان “هل كان الغزالي ديكارتيا قبل ديكارت؟” قال فيه أن الشك المنهجي الديكارتي يعود في أصله للفلسفة الإسلامية، وأن التطابقات بين المنهجين كما يشهد عليها كتاب “المنقذ من الضلال” للغزالي وكتاب “التأملات الميتافيزيقية” لديكارت تبين وجود علاقات قوية بينهما.
– قال المؤرخ التونسي عثمان الكعاك أن ديكارت اطلع على أفكار الغزالي عن طريق ترجمة لاتينية لكتاب “المنقذ من الضلال”
– وأثبت عبد الصمد الشاذلي الذي يعمل بجامعة جوتنجن بألمانيا في مقدمته للترجمة الألمانية لكتاب “المنقذ من الضلال” أن ديكارت كانت تربطه علاقة صداقة ببعض المستشرقين الذين كانت بحوزتهم نسخة عربية لكتاب “المنقذ من الضلال” مثل المستشرق جاكوب جوليوس Jacob Golius (1596-1667) وليفينيوس فارنر Levinius Varner، الذيْن كان بحوزتهما مخطوط لكتاب “المنقذ من الضلال”.
– ويضم قسم المخطوطات العربية بالمكتبة الوطنية بباريس مخطوطا لكتاب “المنقذ من الضلال” (تحت رقم: 1331 (Fol. 25-24) كان معروفا في العصر الذي عاش فيه ديكارت.
– تشبه اعتراضات القديس توما الإكويني على بعض القضايا اعتراضات الغزالي على علماء الكلام، وهذا يعني أنه تأثر بالغزالي.
– كان للإمبراطور فريدريك الثاني علاقات وثيقة بالمسلمين، وكان معجبا بالفلاسفة كما كان يقرأ باللغة العربية، وفتح في باليرمو Palerme جناحا للمؤلفات العلمية الإسلامية وأهدى لجامعة باريس وبولونيا Bologne مؤلفات فلسفية مترجمة إلى اللاتينية، وأسس سنة 1224 جامعة نابولي Naples وحولها إلى أكاديمية مختصة لإدخال العلوم الإسلامية إلى العالم الغربي.
– درس القديس توما الإكويني في جامعة نابولي هذه وهو ما يفسر اهتمامه بالفلسفة الإسلامية
– أورد إرنست رينان في كتابه “ابن رشد والرشدية” ملاحظة تدعم بفكر التأثير والسبق قال فيها: “لم يأت دافيد هيوم بجديد مقارنة بما قدمه الغزالي في نقد مبدأ السببية”.
– وأخيرا فإن سبينوزا نفسه قد تأثر بالفلسفة الإسلامية سواء عن طريق موسى ابن ميمون MosheMaimonide (1135-1204) صاحب كتاب “دليل الحائرين” أو بطرق غير مباشرة.
يمكن تقديم مجموعة من الملاحظات المختصرة على سبيل المقارنة:
– دعا كل من الغزالي وديكارت إلى التحرر من الأحكام المسبقة والأوهام والخيالات والتقليد من أجل الوصل لمعرفة يقينية من نتاج العقل وحده.
– اعتمد كل من الغزالي وديكارت على منهج أساسه الشك المنهجي. وتجلي ذلك في التخلي عن المناهج الموروثة ورفض تعدد الحقائق والبحث عن حقيقة واحدة جلية.
– ارتبط الشك المنهجي عند الغزالي وديكارت بتجربة شخصية وجهد شخصي وتأمل فلسفي.
– انتقدا معا خداع الحواس والعقل.
– حضرت فكرة الإله المضل والشيطان المضل بشكل أقل وضوحا عند الغزالي مقارنة بديكارت. نجد هذه الفكرة عنده بوضوح كبير.
– لجأ الغزالي للحل الصوفي من خلال فكرة النور الذي يقذفه الله في الصدر بينما التزم ديكارت بالحدس العقلي
– يتم الحديث في حالة ديكارت عن مرحلة المنهج، أي أن المنهج كان مركزيا في فلسفته وكان وثيقة الصلة بالعلوم والحقيقة بشكل عام. يقول نجيب بلدي أن مؤلفات مرحلة المنهج هي “القواعد لتوجيه العقل”، والمقال عن المنهج” وإجاباته عن الاعتراضات الثانية في “التأملات”. (نجيب بلدي، ديكارت، دار المعارف، ط 2، ص 48-53).
– ارتبط المنهج الديكارتي بالعلوم عامة وبالرياضيات خاصة في حين لا جد نفس الأمر عند الغزالي الذي ركز اهتمامه على رفض تعد الحقائق كما تدعي ذلك المذاهب والطوائف الفكرية.
– فكرة الكوجيطو عند ديكارت مركزية، بينما ليست كذلك عند الغزالي، وهو ما جعل المستشرق الإيطالي جيوفاني فورلاني G.Gurlani يقول أن ديكارت تأثر بابن سينا في مسألة “أنا أفكر فأنا موجود” اعتمادا على نص لابن سينا عنوانه “الرجل الطائر” (الوارد في كتاب الشفاء، قسم الطبيعيات)، ويؤكد نفس الأمر يان باكوش (1890-1967) Ján Bakoš (اللاهوتي والسيميوطيقي والمستشرق السلوفاكي) الذي حقق كتاب الفن السادس من الطبيعيات (علم النفس) من كتاب الشفاء لابن سينا.
يمكن القول من خلال ما سبق أن أهمية التفكير في علاقة الغزالي بديكارت تكمن في التأكيد على وحدة المعرفة الإنسانية، وعلى الدور الحاسم للسياق التاريخي المعرفي والعلمي والسياسي والاقتصادي الذي يعطي معنى مختلفا لنفس الأفكار الفلسفية، وفي جميع الأحوال فإن التشابهات بين الغزالي وديكارت تفرض على المرء التفكير والتساؤل.