تراتيل طِفْلَـــة…

بقلم سعيدة الرغيوي

تمضي.. تغفو وعيون البشر غافلة، تُسابق وتطارد رياح الوهم والسراب، ودائرة الوقت الرتيب.

لا تَجْزع صحبي على أفولها، اِجزع لأفُول سنديان عمرك.

ماذا أنت فاعل في دنيا الفراغ حيث الوجود خواء ؟!.

لا انتشاء إلا لروح مسافرة في كتاب صوفي تطرز حواشيه نواميس الحق مبدع الكون، فالق الحب

والنوى..

هُبَّ للفلاح فالعمر يسافر، يبحر بنا على مضض، وأنت مُسمَّر في مكانك، لا تُبارح دائرة الجزع من

الآتي…

صهيل الرُّوح، وجماجم عبثت بها تلاوين الزمن المجنَّح، المتلون.

لا تشتهي البرتقال الحزين، لا ولا الورد الجميل في طرقات الخراب، لا تبْحثْ عن سنا النُّجوم.. أدري

وندري أنك تُطارد الرغيف الأسمر المحفوف بالحواجز والعراقيل الممتزج بسمومهم، لقد ابتلعته طواحين

الذئاب ووزَّعته أيدي غير مُباركة تحت أقنعة لعينة في نهار شمْسه خجلي..

الآن ترصُف عبارات لا تتَبيَّنُ معناها حتى تزهر بين أيديكم، ليُغادرها السَّقم ولو لبرهة من وقت هارب.

تمضي، تركل باقات من أحلام لم تُحاصر بعدُ، ديك الجارة مُعتل ما عاد يصيح كسابق عهده لأنه أصبح

موضة قديمة، فقد وعى أن لا جدوى من صياحه.. يكفي صراخهم، ضجيجهم.. تلوثهم.

القهوة المنكهة بالأعشاب البرية والفلفل الأسود أعلنت بدورها عن شيخوختها وموتها بحلول قهوة

مستنسخة، معتوهة.. لا لون لها إلا كونها قد وُزِّعتْ في كؤوس سرابية.. الوهم لازال يتجول في ساحاتنا

.. يبحث له عن مستقر.

خُدعة هو الوقت الذي نلهث وراءه لِنَتَصيَّد أوهامه النَّتِنة، لتعبرنا بعدئذ أحلامه بمراياها المُخادعة

المشوهـة..

إنه يهزأُ بنا.. بضفائر الشيب فينا.

الوهم يا سادة ما يزال يتسكَّع في محاولة منه لنحث سمومه في ما تبقى منا على قيد الحياة، مُغتبط هو

بانتصاراته المتعاقبة.

إنه يُورِّثنا العجز والتَّمني..

ها عبرات الحيارى

ها تاريخ العبث

ينسج تغاريد

ارتباكاتنا،

اغتصبَنَا الوهم..

طيور اللقالق بدورها

خاصمت أعشاشها في أعلى

مئذنة المسجد القديم.

الحرية صفراء..

تستجدي بدورها بائعي

الوهم وصكوك الانعتاق..

الحبر لا ينتظر يدعوها لرفع الحصار عنه.. ما عاد هو راغب في الأصفاد المصطنعة، يرنو إلى معانقة

وتلثيم شموس الكون المُضيئة، إلى البياض وترتيل الحكاية التي طفقت في الانجاد منذ وعت قدرها

الهارب منها.. هي كالأطفال تلهث وراء اللعب.. لا زالت طفلة يسكنها الحنين لدمية تُلْبِسُها أجمل الثياب،

تسكنها أفخم البيوت، تطعمها ألذ الطَّعام.. هي مازالت تخيط الفساتين لدمى من خشب.. فلا تُقبروا طفولتها

.. هي ما رغِبتْ يوماً في عالم الكبار.. لأنها تعي أنه على غير مقاسِها.. يكفيها اللون الزهري، والطين

لتصنع منه أواني تُضاهي بها قريناتها وأقرانها، تحتاج هي لمشط لإعادة تسريح شعرها المنسدل على

عينيها، فقد لعبت به الريح دون إذنها..

تقول أنا أدري أن الخربشات التي أخربشها من حين لأخر تنفلت من قدرها الهارب أيضاً، فتصطدم حينا

بجدار صلب فتتكسر، وحيناً أخر يغفل عنها فتتناثر هنا وهناك وتزهو وتطير محلقة في سنا الحلم الجميل.

تذوب الحكايا وتنصهر في عالم ضبابي.. تجوب نقط مبهمة مخيلة الطفلة التي بدأت بالرسم على أرض

مبللة.. خطوط وخربشات وأشكال لم تتبين في البدء صورتها.. تعرج على تلك الخربشات تتأملها تقذف

بحجر صغير في إحدى المربعات وتستسلم للضحك..

تعود للحلم في ظل شموس منهكة.. تجاويف أنفها تتصيد روائح الخبز المحترق في إحدى الزقاقات الضيقة

التي تتذكر أنها ربما مرت منها يوماً.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد