بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية: ليت قارعي طبول الحرب اللغوية يعزفون معزوفة التعايش اللغوي الوطني
بديعة خداد : إعلامية مغربية
يحتفل العالم اليوم الأحد 18 دجنبر باليوم العالمي للغة العربية باعتباره اليوم من سنة 1973، الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة اللغة العربية لغة عمل رسمية إلى جانب لغات العمل الرسمية الأخرى المعتمدة في الأمم المتحدة و هي: الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الصينية والروسية، و ذلك في إطار دعم و تعزيز التنوع اللغوي و الثقافي داخل منظومة الأمم المتحدة. وقد كانت المملكة المغربية والمملكة العربية السعودية وراء اقتراح هذا اليوم خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو في 19 فبراير 2010، على غرار اللغات الخمس الرسمية الأخرى التي اختير لكل واحدة منها يومها العالمي للاحتفاء بها؛ فالفرنسية يحتفى بها يوم 20 مارس والإنجليزية يوم 23 أبريل و الروسية يوم 6 يونيو و الإسبانية يوم 12 أكتوبر والصينية يوم 13 نوفمبر.
يعتبر اليوم العالمي للغة العربية، كإحدى اللغات السامية الأكثر انتشارا في العالم، يوما ذا دلالات ثقافية و حضارية لما تتميز به اللغة العربية، ليس فقط كلغة تواصل قديمة، و لكن كحاضنة لأنواع شتى من التعبير الثقافي و الإرث الحضاري الإنساني. لقد اختير هذا اليوم من أجل الرفع من مستوى الوعي بالقيمة الاجتماعية و الثقافية للغة العربية، بل ليكون فرصة لاكتشاف المزيد عن لغة الضاد و مدى مساهمتها في الحضارة الإنسانية، خاصة وأن رقعة تأثيرها تمتد على المستوى الروحي و الشعائري لدى دول العالم الإسلامي غير الناطقة بها و أيضا بعض كنائس الوطن العربي. و يكتسي احتفاء المغرب باليوم العالمي للغة العربية لهذه السنة، في بعض جوانبه، طابعا مغاربيا عبر مشاركة ثلاث هيئات مغربية تهتم باللغة العربية في تأسيس الرابطة المغاربية لحماية اللغة العربية، و هي الجمعية المغربية لحماية اللغة العربية والتنسيقية الوطنية للغة العربية و الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية. و قد تم إنشاء هذه الرابطة من طرف 12 هيئة مغاربية لها نفس الهدف.
و إذا كنا اليوم، نحتفي باليوم العالمي للغة العربية، فهذا مبعث فخر لنا كعرب وكمغاربة بهويتنا اللغوية المزدوجة إلا من يرى عكس ذلك. كما هو الشأن بالنسبة اللغات الخمس الأخرى التي يحتفي بها أبناؤها و الناطقون بها في أيامها العالمية رغم تنوع أصولهم وأعراقهم و لغاتهم الأصلية. و يحضرني في هذه اللحظة و أنا بصدد كتابة هذا المقال، الدرس الافتتاحي الذي ألقاه عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية الدكتور أحمد بوكوس، بمناسبة انطلاق الموسم العلمي الماضي 2016 لمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة مساء يوم الجمعة 04 دجنبر 2015 في موضوع: “المسألة اللغوية بالمغرب: من المرجعية الدستورية إلى إكراهات الأجرأة و التدبير”. لقد لامس السيد عميد المعهد عن كثب هذا الواقع اللغوي المزدوج الذي يتميز به المجتمع المغربي، بطريقة كان لها الأثر الطيب في نفوس الحاضرين. و رغم مرور سنة كاملة على ذلك الدرس الافتتاحي الأكاديمي الراقي، ما زالت أصداؤه تتردد بين ثنايا الذاكرة. و من الواضح أن برمجة هذا الدرس الافتتاحي لم تكن له علاقة مباشرة بالاحتفال باليوم العالمي للغة العربية، إلا أن ما ورد و أثير فيه يحيل في بعض جوانبه على هذه المناسبة. لقد كان الدكتور أحمد بوكوس حكيما وواقعيا في مقاربته للتدبير اللغوي في المغرب، عندما اعتبر في درسه الافتتاحي، أن الواقع اللغوي في المغرب يتميز بتراتبية لغوية مؤسسة على معطيات تاريخية و عوامل اقتصادية وسياسية يتطلب تدبيرا معقلنا دون الإجهاز على الفئات المستضعفة. منوها في نفس الوقت بقرار اعتماد المغرب لغتين رسميتين كقرار شجاع واختيار سليم وديمقراطي، ومستشهدا بالعراق الذي اعترف باللغة الكردية كلغة رسمية إلى جانب العربية. و حسب الدكتور بوكوس، فإن الارتقاء باللغتين الرسميتين للمغرب و النهوض بهما على قدم المساواة، يتطلب تأهيل الموارد البشرية مع الأخذ بعين الاعتبار الخصائص المميزة لكل لغة.
إن الحديث عن لغة الضاد في المغرب حتى في غمرة الاحتفال بها، لا يثار دون استنفار مشاعر متضاربة وتمثل مواقف متنافرة و دون استحضار اللغتين الأمازيغية و الفرنسية. وهو احتفال لا يخلو من شجون مشوب بتوجس مريب، و هو شجون ذو شقين. الشق الأول، يرتبط بعلاقتها باللغة الأمازيغية، اللغة الوطنية التي تشكل معها ثنائيا لغويا وطنيا رسميا، أما الشق الثاني فيرتبط باللغة الفرنسية التي تتداخل معها تداخلا دقيقا يذكرنا على الدوام كمغاربة بمرحلة عصيبة من تاريخ المغرب. وقد سبق لي أن كتبت منذ ثلاث سنوات مقالا كتعقيب على بعض الآراء الجانحة الرامية إلى تشتيت اللحمة الوطنية للمغرب على أساس الهاجس اللغوي، والعزف النشاز على وتر التباعد اللغوي عوض التقارب اللغوي، التي أجدني تحت وقع تأثيرها أكتب من جديد عن اللغة العربية بمناسبة الاحتفال بها، ليس فقط كلغة سامية عريقة متجذرة في الوجدان، و لكن كلغة وطنية رسمية إلى جانب اللغة الأمازيغية. إن الكتابة عن لغة الضاد تستنفر لدي إحساس الحيرة و الحسرة في نفس الآن، و ذلك بسبب مهاجمتها في كثير من الأحيان بشراسة وتحامل وخبث و وقسوة، ناهيك عن الاستهتار والاستهزاء بها كلغة وطنية رسمية إلى جانب اللغة الأمازيغية كما ورد في نصوص دستور 2011.
عندما عبرت في مقالي السابق، عن عجزي عن فهم الأهداف المحركة للبعض في مجتمعنا لإذكاء جذوة التمييز و التفرقة و الإقصاء بين أبناء الوطن الواحد على أساس اللغة، كان بسبب شعوري بحزن حقيقي و أنا أقرأ آراء مفكرين و مثقفين مغاربة أكن لهم كل التقدير، أبوا عبرها إلا أن يمرروا بتحامل غير مفهوم، آراء متوثبة متربصة متشنجة تنفث عبر منابر اعلامية سموم الفرقة و الكراهية. و ما زلت أتذكر كيف تم استغلال مناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة منذ ثلاث سنوات من طرف مفكر مغربي، لدعوة المرأة المغربية للدفاع عن اللغة الأمازيغية كجزء من حقوقها، عبر انضمامها إلى جبهة الحركة الأمازيغية. ذاك هو السم في الدسم كما يقال أو خلط الأوراق. إن المرأة المغربية في الواقع، مدعوة للدفاع عن حقوقها و عن وطنيتها وعن هويتها اللغوية المزدوجة عبر عدة جبهات و ليس جبهة واحدة، ولا تحتاج إلى دعوة ملغومة تزج بها في أتون الصراعات و التجاذبات اللغوية و العرقية الضيقة التي لا فائدة ترجى منها. فالمرأة بفطرة و غريزة الأمومة التي جبلت عليها سواء أنجبت أو لم تنجب، تجاهد عادة للم شمل الأسرة والأهل مهما بلغت حدة صراعاتهم، و يجب أن تستلهم من هذه الفطرة و هذه الغريزة، ما يؤهلها للم شمل أبناء الوطن الواحد، و المساهمة من موقعها في وحدته وليس في تصدعه وزرع بذرة الفرقة و التشتت تحت أي مسوغ من المسوغات.
و يظل جانب التدافع اللغوي لدى المغاربة أمرا يشكل مصدر ثراء ثقافي لنا جميعا علينا الاستفادة منه، و ليس الركوب عليه لإشعال فتيل التناحر اللغوي الذي لن يكون في صالح أحد. فالمجتمع المغربي يشهد على هذا الثراء و التمازج. لقد نشأت في أسرة مغربية يتكلم أهلها و أقاربها اللغة العربية، و لكني نشأت أيضا في حي ضم و ما زال مزيجا متناغما من العرب و الأمازيغ، حي تعايشت فيه أجيال كأسرة كبيرة دون تمييز أو عنصرية. و قد كانت من أحب و أقرب صديقات الطفولة و المراهقة ابنة جيراننا الأمازيغ من الريف. تقاسمنا معا أحلام المراهقة و الصبا و تبادلنا أعداد مجلة الموعد الفنية التي كانت تناسب اهتماماتنا وقتها، و روايات نجيب محفوظ و إحسان عبد القدوس و توفيق الحكيم و عبد الكريم غلاب و غادة السمان، و قرأنا و استمتعنا بالمعلقات السبع و بشعر بدر شاكر السياب و نازك الملائكة وغيرهم و غيرهن. لم تكن تحركنا قومية عربية و لا أمازيغية، بل كانت تحركنا أحلام و أهداف إنسانية تحت رعاية وطن و مجتمع اندمجنا فيهما كليا. بل كثيرا ما كنت أغبطها لأني كنت أعتبرها أوفر حظا مني على مستوى التنوع اللغوي، فقد كانت تتكلم العربية معنا و تتكلم الأمازيغية مع أفراد عائلتها، الذين لم يشعروني في يوم من الايام و أنا رفقة ابنتهم أني غريبة عنهم.
و ليت قارعي طبول الحرب اللغوية يعزفون معزوفة التعايش اللغوي الوطني، لتدريب الأجيال الصاعدة على أجواء هذا التعايش المتناغم و تقبل لغتي وطنهم و احترامهما والنأي بهما عن المواقف و الآراء المتعصبة و المتصلبة المتشنجة، التي لن ينجم عنها سوى آراء مضادة أكثر تعصبا و تصلبا و تشنجا. وبعد ذلك فلنرحب باللغة الفرنسية، التي ما زالت تكبل مسيرة تفعيل اللغتين الوطنيتين الرسميتين على أرض الواقع، و ما زال كثيرون بين ظهرانينا، يضعونها بإصرار عجيب في مكانة المقدس اللغوي لدرجة محاسبة أي مسؤول أو مواطن مغربي حسابا عسيرا و رجمه بتعليقات ساخرة جارحة إذا لم يتحدث بها بطلاقة و إتقان لا غبار عليهما، ليسارع و يهرول هذا الأخير لتفنيد مزاعمهم و بتصريحات بفرنسية أنيقة ليحصل على صك غفران حراسها. إن اللغة الفرنسية التي يمكن اعتبارها غنيمة حرب كما قال كاتب ياسين، يجب اكتسابها كلغة لها مكانتها الثقافية و الإبداعية و الجمالية، فهي لغة عريقة لا نملك إلا أن نعجب بها، و لكن استمرار تواجدها كمنافسة و معرقلة قوية للغتين الوطنيتين، يذكرنا كمغاربة بعقدة تكبل انعتاقنا من شرنقة الاستعمار الذي رحل و سالت بسببه دماء المغاربة، و كما أشار السيد أحمد بوكوس في درسه الافتتاحي فإن مسؤولية حماية اللغة الفرنسية يقع على عاتق الدولة الفرنسية.
ببساطة شديدة، لنا لغتان وطنيتان رسميتان هما العربية و الأمازيغية اللتان تظلان مهما حاججنا، مصدر هويتنا و فخرنا و اعتزازنا بهما كمغاربة، أما التراشق المتبادل بالآراء المتشنجة بين المتعصبين فلن يكون له أي وقع يذكر في نفوس كل مغربي و مغربية يعتزان بهويتهما الوطنية. كما أن اللغة العربية ليست مسؤولة عن تفاهات و اخطاء بعض العرب حتى نحملها وزرهم و نبرر حقدنا عليها.
و كل عام و اللغة العربية بخير.