الفضيل العيرج
يعرف المغرب حاليا مجموعة من التحولات جعلته يتأرجح بين موقفين ÷ هناك تحولات اقتصادية ومشاريع كبرى من جهة ؛ ومن جهة اخرى هناك اقتصاد غير مهيكل وتقليدي…
ويعرف ايضا تحولات سياسية نعتت بمصطلح الانتقال الديمقراطي جعلته يتأرجح بين الرغبة في تأسيس نظام سياسي ديمقراطي ؛وبين حنين المتحكمين الى ؛ او بالاحرى تمسكهم ب؛ نظام سياسي عتيق.
اما من الناحية الثقافية فيعرف المغرب تحولات كبيرة من حيث ارتفاع عدد النخب وخريجي التعليم العالي وتدني نسبة الامية ؛ولكن من جهة اخرى هناك انتشار للثقافة التقليدية المرتبطة بالماضي ؛وهذا ما جعله يعيش مفارقة التقليد والحداثة.
فعلى المستوى الاقتصادي ÷ منذ بداية القرن الواحد والعشرين عرف المغرب نموا اقتصاديا مهما بانطلاق مشاريع كبرى تم الترويج لها اعلاميا على اساس انها ستساهم في الاقلاع الاقتصادي وتنقل المغرب الى مصاف الدول الصاعدة ؛ موانيء ؛طرق سيارة ؛الطاقة النظيفة ؛المخطط الاخضر…؛…هذه التحولات تتطلب اعادة النظرفي طبيعة النظام السياسي من حيث اضفاء طابع الشفافية على المعاملات وفق قواعد مضبوطة تضمن حرية المنافسة والمساواة ورفض الاحتكار والمحابات والمحسوبية.. الا اننا لاحظنا ان مردودية هذه المشاريع على مستوى الدخل الخام الوطني ضعيفة جدا ؛بحيث لازالت نسب النمو تتأرجح مابين 3و5في المئة سنويا أي كما كان عليه الامر قبل انطلاق هذه المشاريع .كما ان نسب البطالة المعلنة حسب الاجهزة الرسمية تتأرجح دائما ما بين 9و11في المئة قبل انطلاق هذه المشاريع وبعدها….فكيف يمكن تفسير هذه المفارقة؟
في نظرنا يعود الامر اولا الى تعارض نمطين اقتصاديين ؛احدهما تقليدي وغير مهيكل لازال يعتمد على طرق تدبير تقليدية ؛يتم الانتاج فيه بنفس الاسلوب ويعتمد على التكرار ..لايساير التطور الاقتصادي والتقني وحتى على مستوى التدبير ..كل هياكله عتيقة ..
وثانيا هناك معضلة يعاني منها الاقتصاد المغربي وهي الاحتكار وزواج السلطة مع الاقتصاد ذلك ان المشلريع الكبرى والاسواق الكبرى ومحلات التوزيع الكبرى يتحكم فيها المتنفذون في السلطة الشيء الذي يحول دون حرية المنافسة ويحبط كل محاولة لتطور اقتصادي مستقل وعصري …
ويمكن ان نبرهن على ذلك بانحصار النمو الاقتصادي وضعف الاقتصاد الاجتماعي خاصة التعاونيات التي تجد صعوبة في تسويق منتوجاتها ..اضف الى ذلك القطاع الزراعي وقطاع البناء اللذين تتمظهر فيهما هذه المفارقات بشكل كبير..اي الانتاج بطرق تقليدية والانتاج باساليب عصرية؛ وازدهار الاحتكارات الكبرى التي تعتمد على القرب من السلطة وحمايتها والاستفادة من الامتيازات –الاعفاءات الضريبية ؛التهرب الضريبي .- .هذا الزواج ما بين احتكار السلطة والاحتكار الاقتصادي هو سبب هذه المفارقة ؛ومن ثم لايمكن تحقيق اقلاع اقتصادي والحسم في طبيعة النمط الاقتصادي دون تغيير سياسي…
على المستوى السياسي ÷ عرف المغرب منذ 1975ما اطلق عليه اصطلاح المسلسل الديمقراطي الذي ادى الى ظهور مؤسسات ؛برلمان وجماعات قروية وحضرية؛أي بداية تأسيس المشاركة في التدبير من طرف المواطنين والرغبة في الانتقال من دولة الرعايا الى دولة المواطنين…الا ان هذه العملية بما انها نتجت عن مشاورات فوقية وليس نتيجة لحركية اجتماعية ؛باءت بالفشل ؛من حيث سيادة تزوير الارادة الشعبية اولا ؛وثانيا نظرا لضعف الوعي المواطناتي لدى افراد الشعب ومن جهة اخرى رغبة الحاكم في اضفاء طابع مؤسساتي على سلطاته المطلقة …ولهذا لم يؤد هذا المسلسل الى أي نتيجة سوى تكريس سلطة مطلقة ؛والدليل على ذلك ما عبر عنه رؤساء حكومات سابقون بما فيهم الرئيس الاخير وايضا بعض الوزراء في اجتماعات خاصة ؛أي ان كشف هذا التعارض لايتم التعبير عنه بشكل صريح من طرف المشاركين في تدبيرالشأن العام ؛ولكن يلمحون له فقط لان المنطق السليم يفرض عليهم الانسحاب من تدبير الشان العام عندما تعترضهم عقبات تحول دون اداء مهامهم اذا كانوا يعتقدون في قرارة انفسهم ان لهم تفويض شعبي . لم يحصل هذا ابدا مع أي مسؤول سياسي ؛ ومعنى ذلك انه يعلم ان المؤسسات ليست مبنية على اساس سليم وان وصوله الى السلطة ليس مصدره الشعب …هذه الاعطاب هي التي جعلت المغرب يعيش وهم الانتقال الديمقراطي منذ اكثر من اربعين سنة؛وافق هذا الانتقال غير معروف لحد الساعة بحيث يعيش تكرار نفس العملية ؛بل ان المهزلة الكبرى هي لجوء الزعماء السياسيين الى ترشيح اقاربهم للانتخابات اضافة لتكرار نفس الاشخاص ونفس الزعامات في نفس المؤسسات ..اذن المعضلة الاقتصادية تجد تفسيرها في طبيعة النظام السياسي الذي يقوم على اساس احتكار السلطة واحتكار الامتيازات الاقتصادية وتوارث هذه الامتيازات داخل نفس الفئة او الطبقة الاجتماعية .وعندما يشعر المتحكم في السلطة بتهديد ما يقدم تنازلات شكلية لاتتعدى مستوى صياغة قوانين شكلية لن تغير من طبيعة السلطة في شيء ؛ واحيانا اخرى يلجأ الى ارشاء واغراء فيئات من النخب لضمها الى صفوفه ؛ وهي غالبا فيئات من الصف الثالث في النخب.
للخروج من هذه المفارقة لابد اولا من تحقيق اصلاح سياسي فعلي عماده الوعي الشعبي بالحقوق والواجبات ؛وثانيا لابد من القطع مع سياسة الزعمات الخالدة وزعامات الكولسة التي تعتمد على طبخ مؤتمراتها لضمان صعودها للقيادة ؛يصدق هذا على المنظمات السياسية والنقابية .وثالثا لابد من ابراز محدودية دستور 2011وادخال تعديلات عليه لبناء دولة مؤسسات .
في نظرنا فان العائق الذي يحول دون الاقلاع السياسي والاقتصادي المغربي هو اساسا عائق ثقافي.كيف؟
على المستوى الثقافي÷ منذ بدية القرن الواحد والعشرون رفع شعار المغرب الديمقراطي الحداثي وهو شعار التقت فيه ارادتين ÷ ارادة السلطة وارادة النخبة .
بالنسبة للسلطة فهي تروم من وراء ذلك اضفاء طابع عصري على مؤسساتها من حيث الشكل ؛وبالنسبة للنخبة فقد اعتقدت انها استطاعت ان تحول شعاراتها الى مستوى الحركة الاجتماعية ومعيش يومي. الا ان واقع الحال يخالف ذلك لان المغرب يعيش مفارقة كبيرة داخل السلطة وداخل النخب.
بالنسبة للسلطة هناك حضور قوي لاشكال ثقافية تقليدية وقروسطية هي اساس وجودها ولايمكنها ان تتخلى عنها ؛فالحداثة في نظرها هي حداثة المظاهر لاحداثة الممارسة والفكر.
اما بالنسبة للنخب فانها تعيش تناقضا حادا من حيث الشكل والفكر الحداثيان اما السلوك والمعيش فهما تقليديان.
فالخطاب السائد لدى السلطة ولدى النخب سواء كانت سياسية او ثقافية احيانا ؛هو حطاب متناقض ؛حداثي شكلا وتقليدي مضمونا ؛لان المغرب لم يحسم بعد في مشروعه المجتمعي ؛ولان النخب الثقافية او المثقفة المتنورة لم تستطع بعد ان تحول الافكار الى حركة اجتماعية ؛اضف الى انها لم تستطع بعد ان تبتكر نموذجها الخاص للحداثة ؛وهو ما جعلها منفصلة عن الشرائح العريضة من المجتمع التي لازالت غارقة في التقليد ؛وهوما سهل عملية اختراقها من طرف الحركات الارتدادية ؛بل ان الثقافة التقليدية لاتشمل فقط الفيئات الشعبية ؛بل حتى الفيئات المتعلمة نظرا لضعف الخطاب الحداثي وعجزه عن بلورة حركية اجتماعية نتيجة لانعزال المثقفين الحاملين لمشاريع فكرية واجتماعية ؛بعضهم عن بعض ؛وبعدهم حتى عن المجتمع؛وعجزهم حتى عن افراز حركة فكرية داخل وسط المتعلمين.
هذا العجز هو الذي غذى خطاب الخصوصيات والتعدديات المكذوب عليها والتي تعتبر في نظرنا مجرد تعبيرات نكوصية رغم انها تلبس ثوب الحداثة.
اذن هل يمكن ان ننتظر من الاستحقاقات القادمة زحزحة ما لهذا الوضع؟
حسب تشخيصنا للوضع فانه لاينتظر أي تحسن بل اعادة الامور كما كانت من قبل والايحاء بان هناك تغير من خلال تغيير بعض الاشخاص ؛اما المقاصد فستبقى هي هي .
ولنا عودة للموضوع بعد اطلاعنا على برامج الهيئات الساسية وطبيعة مرشحيها …