معاني الثيمات في قصص صالح جبار محمد

عبدالله جواد

أطلعت على قصص القاص (صالح جبار محمد) فأعجبت بها وأعجابي قادني لأن أكتب شيئا عنها رغم انغلاق البعض منها وصعوبة فهمها

اللحية الكثة
الاسلوب في القصة يحتاج لقراءته أكثر من مرة لأن القارىء غير المتمرس في القراءة لم يعتد هذا اللون . القصة عميقة القصد ليس كل من أدعى الدين الحنيف صادقاً في دعونه: (واصلنا السير نحو الجامع الذي لاحت مأذنته من بعيد) (الازدحام لايقبل القسمة على المصالح المتشظية) من هذه الجملة واضح المعنى: أنه أثناء الازدحام لايمكن التفاهم بسهولة. هذه العبارة تقال في المصطلح الحسابي لأن لكل علم وأدب لغته ومصطلحلته . أتساءل: هل يمكن الخلط بين مختلف مصطلحات العلوم ؟ الجملة: ( في الخارج الاشياء تحمل لونا باهتا من الارث الثقيل ..) لها معان واسعة التفسير حسب الزمان والمكان.. الجهل المتوارث لايعم ناحية واحدة فقط من الحياة بل يتساوى في كل شيء .
الاغماضة
ويعنى بها القاص : بين لحظة واخرى يحل ما كان من أحداث هائلة . الشخصية غارقة في تفاصيل المكان الى الحد الذي تغطيه . يذهب الرجل في ذكرى الماضي الى شهرزاد من الواقع الحالي . يهرب الى الماضي : قصة شهرزاد والعبد الاسود يربط بين الواقع .. المرأة التي أمامه مع الماضي الأسطوري (حاولت الفتاة أستعادة طراوتها وممارسة ليونة جسدها الرشيق بغنج أشاح وجهه المترب) الرجل صاحب العمامة = شهريار تتراوح في تموجات مخيلته بين صور الماضي والحاضر المعاش ( بين طيات العمامة الأزلية ) العمامة الأزلية = ترمز للغيرة المتدثرة التي يذهب ضحيتها آلاف النساء. على سبيل المثال مسرحية شكسبير : (عطيل ) ظنا منه وبسبب غيرته اللا متناهية يقتلها وهي البريئة من كل ذنب . الافكار التي ترواد بطل القصة وصور مخيلته : الحاضر والماضي يختلطان في سديم لولب هائل يدور في جنون واضح التفاصيل . حالة نفسية تمر بها الشخصية معاناته الداخلية تنعكس الى واقع متخيل يعيشه ( شهريار أو عطيل في ثوب رجل معاصر )
الثآليل
بطل القصة يلتحف الكون الذي يضمه بين ثناياه .. حتى الافراد الذين يدورون حوله هم متضامنون لايذائه كما يقول سارتر : ( الاخرون جحيمي ) تذكرني هذه الشخصية بالنائحات زمن الفراعنة المستأجرات للنواح خلف الموتى لكن الفرق هو أن المحرك الأمامي لحال للشخصية اصراره لأن يصل الى حياة أفضل ( حاصدا اصراري لحياة أفضل ). أن جسد بطل القصة كجسد أيوب بثوب من الدود ينخر فيه . حتى النجوم تفرز فيه الألم من خلال وميضها (ما زال الحلم يتمرغ في وحل رأسي والنجوم تضع في المسامات ألمها المدمن) أنه ليس بالسرد المعتاد أنما تفجيرات ألاحاسيس الانسانية على شكل ومضات وهو قريب الى الشعر منه الى النثر – صور متلاحقة يشد بعضها البعض (أفترشت الحصى / عند آذان الفجر .. / يتوثب داخلي سريان الحياة..) من خلال هذه الأمواج الهادرة يبرز الانسان يتنفس بضربه لهذه القوى الغاشمة كي يعوم ويحيى..
ذات الرايات
فيما مضى كانت الزوجة من رجل له عدة زوجات ترفع الراية تشير الى كون الليلة لها أفتخارا وزهوا أمام الزوجات الأخريات . العنوان في القصة يفسر وهذا التفسير لايستقر لوحده . بل له علاقة مع مايليه من مفردات وهكذا تتوالى الانشطارات لتكون بين أيدينا قصة لها أبعاد أجتماعية بعين ناقدة ومحللة لما يعترض نفسية شخوصها خاصة المرأة . ( الفتاة المكتنزة الجسم القصيرة القامة يتمطى داخلها الغضب .. تتوقف السيارة صعد شاب بدا لهاوسيما ) أنها تحمل في داخلها تأجج يجد السبيل لأن ينفجر .. فكرت بزوجها الاول الذي تركته .. تجرجر أفكارها في فضاءات العدم . الزوج الثاني ملّ عشرتها . القاص يقارن بين حالتين الاولى تعدد الزوجات وفي الوقت نفسه يعرض حالة نفسية لأمرأة معاصرة. حيث يعرض الكاتب لسان حاله : (فيما بقي السائق يستمع لأغانيه الهابطة مع ذات الرايات)
رداء الافاعي
يرى بطل القصة المدينة من خلال أعماق نفسيته كذلك المدينة ترى نفسها هي ما عليه تبادل واضح بين الحال وما يدور في أغوار النفس الانسانية . (أشحت وجهي نحو النافذة يشتد ألمي من البرد تتكور المدينة تحت الليل الهابط عنوة..) حوار مع القميص الذي يتحلل في أنفاق مظلمة القمل يهرش جسمه دون هوادة في أحساس مخيلته يتخذ القميص (هيئة ممثل) يعاني دراما متعددة الجوانب: من حروب ومن سيوف مرفوعة ولها صليل حيوانات عظيمة الجثة زواحف قد أنقرضت منذ أزما ن سحيقة تستبيح جسده. تذكرني هذه القصة بقصة (المسخ) والفرق بين هذه وقصة كافكا هو أن البطل يتحول الى خنفساء ذات حراشف وقميص الرجل في ( رداء الافاعي) يتخذ مختلف الصور منفصلا عن الشخصية المحورية في صورة ممثل ( شعرت بالأختناق حاولت فك الأزرار كانت مطبقة على شعر صدري الكثيف تتشبث بأضلاع جسدي , يتحلل في أنفاق مظلمة لم يكن سهلا خلع القميص بقيت دهرا أحمله على كتفي أنوء بثقله يتحور داخلي زواحف منقرضة تبعث من جديد )
سلالة الخشب
القصة تتناول الكرسي الذي كان له شأن فيما مضى لأنه صنع من خشب نادر الوجود غالي الثمن لكن أحيانا تبق له قيمة. أن الجالس لم يتورع أن يطلق ريحا قبل مغادرته له !! مصيره بيد من يستعمله: (لكن أقسى ما أعانيه عندما يندلق الخمر على جسدي..) منهم من ينظر الى الكرسي شيئا يستحق التضحية بكل ما لديه حتى بروحه ( بقيت دهرا أتطلع أليهم أراهم يتقاتلون لأجلي ) تناول الكرسي الكثيرون من مسرحيين و شعراء وغيرهم من الفنانين . الكاتب المسرحي يوجين أو نيل في مسرحيته ذات الفصل الواحد وعدة مشاهد : ( الامبراطور جونز ) بعد أن كان بطل المسرحية أمبراطوراً يستوي على عرش غاية في الابهة والعظمة يصبح مطاردا كعبد صعلوك شريد في الغابة والمستنقعات لايستطيع كرسيه مهما كانت فخامة صنعه مدّ يد العون وانقاذه من مصيره المحتوم . باستطاعة القصة أن تتحول ألى مونودراما مشبعة بالشفافية تنبض بالحياة من خلال الحوار .. الممثل يتخذ روح الكرسي متقمصا دلالته ومعاناته .
بمرونة جسم الممثل وأحاسيسه المعبرة يستطيع تجسيدها على المسرح.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد