ذ. محمد معروف، جامعة شعيب الدكالي
قد يبدأ المسار الإداري لصناعة الوثيقة في مغرب اليوم بنقرة على شاشة الحاسوب، لكنه ينتهي أمام الطابع “الفازݣ”(wet stamp)؛ وكأن الوثيقة الرقمية لا تكتمل رحلتها إلا حين تعود إلى الورق ويُطبع عليها ختم السلطة. يملأ المواطن الاستمارة إلكترونياً، ويحمّل الوثائق، ويحجز موعداً عبر منصة رقمية، ثم يُطلب منه الحضور حاملاً أصول الوثائق التي سبق أن أرسلها، ليوقع في سجل ورقي أو يحصل على نسخة مختومة. تكشف هذه المفارقة أن الرقمنة لم تُلغِ البيروقراطية الورقية، بل أضافت إليها طبقة مرقمنة جديدة. فالمغرب لا يعيش انتقالاً كاملاً من الإدارة الورقية إلى الإدارة الرقمية، بل بيروقراطية هجينة تجمع داخل المسطرة نفسها بين المنصة الإلكترونية من جهة، والحضور الشخصي والوثيقة الورقية والتوقيع والطابع الرطب من جهة أخرى.
وتظهر هذه البيروقراطية الهجينة بوضوح في بعض المساطر الجامعية. فقد يُطلب من الطالب التسجيل عبر منصة إلكترونية، وإدخال معلوماته الشخصية والدراسية، وتحميل نسخ رقمية من وثائقه، ثم يجد نفسه مطالباً بالحضور إلى المؤسسة وإيداع نسخ ورقية من الوثائق نفسها التي سبق أن حمّلها. وقد تستمر، إلى جانب المنصة الرقمية، سجلات ورقية يوقّع فيها الطالب عند سحب شهادة أو دبلوم أو وثيقة إدارية. وهكذا لا تحل الرقمنة محل المسطرة الورقية، بل تتراكب معها: يسجَّل الطالب رقمياً، ويثبت ورقياً ما سبق أن صرّح به رقمياً، ثم يترك توقيعه بخط اليد لإثبات عملية موثقة إدارياً. ولا يقتصر هذا المشهد على الجامعة، بل يكاد يتكرر في مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية، حيث تتعايش المنصة الرقمية مع الوثيقة الورقية والتوقيع والطابع داخل المسطرة نفسها. فالمنصة هنا لم تُلغِ الورق، وإنما أضافت مساراً رقمياً إلى مسار مادي ظل قائماً. تكشف هذه الازدواجية أن المؤسسة تثق بالرقمنة في استقبال المعلومة، لكنها لا تزال تلجأ إلى الورق والتوقيع والطابع “الفازݣ” لتثبيت حجيتها؛ أي إنها رقمنت تداول المعلومة دون أن ترقمن بالكامل نظام الثقة الذي يمنحها الشرعية. إذا كانت المنصة قد سجّلت الطالب، والوثائق قد أُودعت رقمياً، والمعلومات محفوظة في النظام، فلماذا لا يزال “مول الطابع” ينتظره في الجامعة؟
غير أن الطابع “الفازݣ” في السياق المغربي ليس مجرد أداة إدارية محايدة. إن كلمة “مول الطابع” نفسها تستدعي مخيالاً ثقافياً أقدم من الإدارة الحديثة. ففي الثقافة المارابوتية المرتبطة بالأولياء والبركة، تُنسب إلى بعض الشخصيات المقدسة، مثل سيدي عبد العزيز التبَّاع، لقب “مول الطابع”، في إشارة إلى ما ينسبه إليها المخيال الشعبي من سلطة روحية قادرة على التأثير في مسار حياة الناس: فتح أبواب الرزق، أو رفع العوائق، أو جلب البركة، أو طلب الشفاء. ويكتسب الطابع في هذا المخيال معنى يتجاوز أثره المادي؛ فهو علامة على سلطة قادرة على إجازة شيء وإكسابه أثراً في العالم. لذلك ظلت مفردات الختم والطابع والبركة والقبول جزءاً من معجم السلطة الرمزية في الثقافة الشعبية المغربية.
بهذا المعنى، لم يدخل الطابع إلى البيروقراطية بوصفه مجرد أداة إدارية، بل وجد أمامه مخيالاً ثقافياً يربط الختم بالسلطة والشرعية والنفاذ، وهو ما ساعد على ترسيخ مكانة “مول الطابع” بوصفه حائزاً لسلطة الإجازة والاعتراف. لقد وجد ثقافة تعرف مسبقاً قيمة الأثر الذي يمنح الشرعية. والطابع الإداري الحديث يؤدي وظيفة مشابهة في حقل مختلف: الورقة قبل الختم هي مجرد ورقة؛ وبعده تصبح وثيقة معترفاً بها. إن الشخص الذي يحملها يصبح بدوره قادراً على استعمالها أمام مؤسسات أخرى. فالطابع لا يثبت المعاملة فقط، وإنما ينقل السلطة من المؤسسة إلى الوثيقة، ومن الوثيقة إلى حاملها. لذلك، يمكن النظر إلى الطابع باعتباره مفتاحاً ثقافياً للسلطة. من يملكه يستطيع أن يمنح الوثيقة قوة لم تكن لها قبل ذلك. وتوقيع المواطن لا يكفي دائماً؛ مثلا، تصريح بالشرف قد لا يكفي؛ لأن النسخة بخط صاحبها لا تكفي؛ لكن ظهور ختم المصادقة عليها يغير وضعها القانوني والاجتماعي. إنه يحولها من كلام فردي إلى حقيقة مؤسساتية. وبذلك تتجسد السلطة في شيء مرئي: حبر، وتوقيع، وختم، وإسم، وإدارة.
لا يملك “مول الطابع” سلطته بصفته الفردية، بل يستمدها من المؤسسة التي خوّلته حق التوقيع والتصديق والختم؛ فهو لا يمارس سلطة الشخص، وإنما سلطة المؤسسة المتجسدة فيه. ويذكّرنا هذا بالمشهد الساخر في قصة “السكران يغني” لنجيب محفوظ، حين يسأل أحمد عنبة الرجل الواقف خارج الحانة، على الجانب الآخر من الباب: “من أنت؟”، فيجيبه: “أنا العسكري”. فالإجابة لا تحيل إلى هوية الشخص واسمه، وإنما إلى الصفة التي اكتسبها من المؤسسة التي يمثلها؛ العسكري هنا هو الزي والوظيفة والسلطة التي تقف وراءهما. وكذلك “مول الطابع”: ليست اليد التي تمسك الطابع هي مصدر القوة، وإنما المؤسسة التي جعلت من هذه اليد مخوّلة بأن تمنح الوثيقة الاعتراف والنفاذ. وحين ينزل الطابع على الورقة تنتقل سلطة المؤسسة، عبر الموظف، إلى الوثيقة، فتغدو قادرة بدورها على تمكين حاملها من إثبات حق أو إنجاز معاملة. فالزي العسكري والطابع، على اختلاف مجاليهما، علامتان ماديتان تجعل بهما المؤسسة سلطتها المجردة مرئية في شخص أو وثيقة.
هنا تظهر المشكلة العميقة التي تطرحها الرقمنة. فالتحول الرقمي لا ينقل الوثيقة من الورق إلى الشاشة فحسب؛ إنه ينزع السلطة من تجسدها المادي. في النظام الرقمي، لا نرى الموظف الذي أجاز المعاملة، ولا اليد التي ختمت الورقة، ولا الأثر الرطب الذي يشهد على مرور الوثيقة عبر مكتب السلطة. تتحول الشرعية إلى رمز إلكتروني، وقاعدة بيانات، وتوقيع رقمي، ورقم تحقق. أي أن السلطة تنتقل من شيء يمكن رؤيته ولمسه إلى بنية تقنية مجردة. ولهذا قد لا تكون مقاومة الرقمنة صادرة دائماً عن المرتفقين. فالمرتفق، في كثير من الحالات، هو المستفيد الأكبر من اختفاء الطوابير والنسخ والمصادقات والتنقل بين الإدارات. أما المقاومة الأكثر تعقيداً فقد تأتي من داخل الجهاز نفسه، وخاصة من المواقع التي تستمد جزءاً من أهميتها عبر امتلاك حق الإجازة والختم والتحقق. فحين تصبح المعاملة قابلة للتحقق آلياً، وتتبادل المؤسسات البيانات مباشرة، ويتحول التوقيع إلى اعتماد إلكتروني، يفقد “مول الطابع” جزءاً من سلطته الوسيطة.
ومن هنا تصبح الرقمنة أيضاً عبارة عن إعادة توزيع للسلطة الإدارية. ففي البيروقراطية الورقية، يمر المواطن عبر أشخاص ومكاتب متعددة، لكل واحد منها قدرة على الإجازة أو التأخير أو طلب وثيقة إضافية. أما النظام الرقمي المتكامل فيميل إلى نقل هذه السلطة من الأشخاص إلى القواعد والإجراءات والمنصات. وهو لا يلغي السلطة، بل يغير مكانها: من المكتب إلى النظام، ومن الموظف الفرد إلى البنية الرقمية.
وهذا ما يجعل التمييز ضرورياً بين رقمنة الواجهة ورقمنة المنطق الإداري. عندما يملأ المواطن الاستمارة نفسها على الإنترنت، فقد رُقمنت الاستمارة. وعندما يرفع نسخة PDF من وثيقة كان يحملها سابقاً إلى الشباك، فقد رُقمنت الوثيقة. وعندما يحجز إلكترونياً موعداً لكي يأتي بالملف نفسه، فقد رُقمن الموعد. أما التحول الرقمي الحقيقي فيبدأ عندما يُعاد التفكير في سبب طلب الوثيقة أصلاً: هل تمتلك الدولة هذه المعلومة؟ هل تستطيع مؤسسة الحصول عليها من مؤسسة أخرى؟ هل هناك ضرورة فعلية للحضور؟ وما القيمة التي يضيفها الطابع الورقي بعد تحقق إلكتروني موثوق؟ تكشف هذه الأسئلة أن الرقمنة ليست قضية تقنية فقط، وإنما قضية ثقة. فالطابع الرطب ينتمي إلى نظام ثقة يقوم على رؤية الأثر المادي للسلطة، بينما تقوم الإدارة الرقمية على الثقة في الهوية الإلكترونية، وقاعدة البيانات، والتوقيع الرقمي، وإمكانية التحقق عن بعد. لذلك فإن الانتقال من الورق إلى الرقمي هو في العمق انتقال من الثقة في الأثر إلى الثقة في النظام.
وهنا تظهر مفارقة أخرى. تطلب الدولة الرقمية من المواطن أن يثق في المنصة، لكن تستمر بعض ممارسات الدولة الورقية في مطالبته بإثبات نفسه مادياً بعد أن يكون قد أثبت نفسه رقمياً. يرسل الوثيقة ثم يُطلب منه أصلها؛ يصرح ثم يُطلب منه توثيق التصريح؛ تُسجل المعلومة إلكترونيا،ً ثم يعيد كتابتها في سجل ورقي. وهكذا لا تلغي الرقمنة الإجراء القديم، بل تضيف إليه إجراءً جديداً، فتتحول أحياناً من وسيلة للتبسيط إلى ازدواج في العمل الإداري. ولا يعني ذلك أن كل تحقق مادي أصبح بلا معنى. فبعض المعاملات تحتاج بالفعل إلى ضمانات إضافية مرتبطة بالهوية أو الملكية أو حماية الحقوق. لكن معيار الرقمنة الناضجة هو ألا يُحتفظ بالورق لمجرد العادة، وألا يُطلب من المواطن أن يثبت مرة ثانية ما تستطيع المؤسسة التحقق منه بنفسها.
إن “مول الطابع” بهذا المعنى ليس شخصاً بعينه، بل نموذجاً ثقافياً للسلطة: سلطة تحتاج إلى أن تترك أثراً محسوساً حتى تصبح مرئية ونافذة. ولذلك فإن أصعب مراحل الرقمنة، قد لا تكون شراء الأجهزة أو بناء المنصات، وإنما تفكيك ثقافة إدارية كاملة تربط الاعتراف بالختم، والحقيقة بالأصل الورقي، والسلطة بمن يملك حق المصادقة. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ حين ينتقل الطابع من الورقة إلى الشاشة، بل حين تتغير علاقات السلطة والثقة التي جعلت الطابع ضرورياً. وبعبارة أكثر اختصاراً: الرقمنة لا تهدد الورق فقط؛ إنها تعيد توزيع سلطة “مول الطابع”.
يمكن النظر إلى “مول الطابع” بوصفه محوِّلاَ ثقافيا لمسار البيروقراطية المغربية، باستعارة الصورة الفيبيرية عن عامل تحويل مسارات السكة الذي لا يصنع الحركة بنفسه، لكنه يحدد الاتجاه الذي تسلكه. فوفق التصور الفيبري، لا تقوم البيروقراطية الحديثة على الأشخاص في ذواتهم، بل على الوظائف والاختصاصات والقواعد التي تمنح صاحب المنصب سلطة شرعية داخل المؤسسة؛ غير أن هذه السلطة المجردة تحتاج، في الممارسة اليومية، إلى وسائط تجعلها مرئية وقابلة للنفاذ، وهنا يؤدي الطابع وظيفة حاسمة. فمول الطابع لا يستمد قوته من شخصه ولا من قطعة المطاط التي يمسكها، وإنما من المؤسسة التي فوّضت إليه حق الإجازة والتصديق، وعندما يضع ختمه على الوثيقة تنتقل سلطة المؤسسة عبره إلى الورقة، فتتحول من وثيقة يقدمها فرد إلى وثيقة تتكلم باسم المؤسسة، ثم تنتقل هذه القوة إلى حاملها الذي يستطيع بها إثبات حق أو إنجاز معاملة أو فتح باب مؤسسة أخرى. بهذا المعنى يعمل الطابع بوصفه وسيطاً مادياً يعيد إنتاج سلطة مجردة في صورة أثر مرئي وقابل للتداول، بينما يعمل “مول الطابع” بوصفه “محوِّلَا ثقافياً للمسار”(cultural switchman)، يحدد الشكل الذي تمر عبره هذه السلطة.
وتبرز أهمية هذه الوظيفة بصورة أوضح مع الرقمنة؛ فحين تدفع الإدارة نحو المعاملة اللامادية، لا يختفي منطق الورقة والختم والتوقيع والحضور الشخصي بالضرورة، بل قد يعمل مول الطابع كمحوِّل للمسار في الاتجاه المعاكس، فيعيد توجيه الإجراء الرقمي نحو الورق أو يفرض عليه المرور بمحطة مادية للتصديق والختم. وهكذا لا تُلغى الرقمنة، وإنما تُهجَّن، فتظهر إدارة تجمع بين المنصة الرقمية والمنطق الورقي التقليدي: قد تبدأ المعاملة إلكترونياً، لكنها لا تكتسب شرعيتها النهائية إلا بعد عودتها إلى الطابع. لذلك لا يمثل “مول الطابع” مجرد موظف يستخدم أداة قديمة، بل فاعلاً ثقافياً يشارك، من داخل المؤسسة الحديثة نفسها، في تحويل السلطة المجردة إلى أثر مادي وفي إبقاء مسار البيروقراطية مشدوداً إلى ثقافة الورق رغم انتقالها التقني نحو الرقمنة.
ومن هنا يمكن فهم بعض أشكال مقاومة الرقمنة باعتبارها أبعد من مجرد مقاومة تقنية. فالانتقال من الورق إلى الرقمي لا يهدد الطابع بوصفه أداة فحسب، بل يعيد تنظيم المسار الذي كانت السلطة تتجسد وتنتقل من خلاله. فالمنصة الرقمية والتوقيع الإلكتروني والتحقق الآلي تنقل جزءاً من سلطة الإجازة من “مول الطابع” إلى النظام المعلوماتي نفسه. ولا تختفي السلطة بذلك، وإنما تتغير ماديتها ومكانها: من اليد التي تمسك الطابع إلى الخوارزمية وقاعدة البيانات ونظام التحقق. وهنا قد تظهر مقاومة التحول الرقمي من داخل الجهاز البيروقراطي نفسه، لأن بعض المواقع الوظيفية لا تفقد ورقها فقط، بل تفقد جزءاً من قدرتها على التحكم في المرور والإجازة والتأخير. فالرقمنة، بهذا المعنى، ليست انتقالاً تقنياً من الورق إلى الشاشة فحسب، وإنما إعادة توزيع للسلطة داخل المؤسسة. وباستعارة صورة “محوِّل المسارات” عند ماكس فيبر، يمكن اعتبار “مول الطابع” محوِّلاً ثقافياً للسلطة: فهو يقف عند نقطة عبورها من المؤسسة إلى الوثيقة، ويملك، بحكم التفويض المؤسساتي، القدرة على السماح لها بالمرور ومنحها النفاذ. غير أن الرقمنة تغيّر موقع هذا المحوِّل؛ فحين تنتقل المصادقة والتحقق والإجازة إلى النظام الرقمي، ينتقل جزء من سلطة المرور من الشخص إلى المنصة، لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يقاوم المواطن الرقمنة؟ بل: ماذا يصبح دور “مول الطابع” حين تنتقل سلطة الختم من يده إلى النظام الرقمي نفسه؟