ريتاج بريس
قد يتساءل البعض عن إعادة نشر هذا الحوار، الذي نشرته مجلة «زمان» في ديسمبر 2025، في عام 2026. والجواب أن بعض الحوارات لا ترتبط بتاريخ نشرها بقدر ما ترتبط بقيمة ما تحفظه من ذاكرة وشهادات.
عبد الكريم بناني، الذي عرف بقلة ظهوره الإعلامي، راكم تجربة طويلة في محيط الدولة والمؤسسة الملكية، وشغل مسؤوليات حساسة، من بينها مهمة الكاتب الخاص للملك الراحل الحسن الثاني والملك محمد السادس، كما ارتبط اسمه بالعمل الجمعوي..
ومن هنا تأتي أهمية إعادة نشر هذا الحوار، فهو لا يقدم باعتباره مادة مرتبطة بسنة بعينها، وإنما باعتباره شهادة على مرحلة من تاريخ المغرب،. فالحوار الذي يوثق ذاكرة صاحبه وتجربته مع رجال الدولة والحركة الوطنية وكواليس المؤسسة الملكية، تظل قيمته قائمة ما دامت الأسئلة التي يطرحها جزءا من الذاكرة التاريخية للمغرب..
الحديث عن الطفولة..
يعود بناني في بداية شهادته إلى سنة 1940، تاريخ ميلاده في المدينة العتيقة بالرباط، وتحديدا في محيط القصبة والأوداية، وهي منطقة ارتبطت في ذاكرته بالحياة الاجتماعية والتعليمية والدينية، كما عاشت على وقع التحولات السياسية التي عرفها المغرب خلال الأربعينات وبداية الخمسينات.
ويستحضر بناني أجواء تلك المرحلة، التي تزامنت مع نشاط الحركة الوطنية، ثم مع تصاعد المقاومة. وبالنسبة إليه، لم تكن الحركة الوطنية مجرد أحداث تروى في الكتب، بل جزءا من الحياة اليومية التي عاشها في محيط أسرته وحيه…
من ذاكرة الحركة الوطنية إلى قلب القصر
لكن المسار الذي يمنح شهادة بناني خصوصيتها لا يتوقف عند مرحلة الحركة الوطنية. فبعد سنوات، سينتقل الرجل إلى العمل داخل القصر الملكي، في مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المغرب.
وتسلط «زمان» الضوء على التحاقه بالكتابة الخاصة للملك الحسن الثاني مباشرة بعد أحداث الانقلابين العسكريين في بداية سبعينيات ، وهي فترة طبعتها توترات سياسية وأمنية كبيرة..
ومن داخل الكتابة الخاصة، يقول بناني إنه تمكن من التعرف عن قرب على شخصية الراحل الحسن الثاني، وعلى أسلوب اشتغاله وأدواره في تدبير الدولة منذ الاستقلال. وهنا تتحول شهادته من مجرد ذكريات شخصية إلى رواية رجل كان قريبًا من مركز القرار في مرحلة حاسمة من تاريخ البلاد
يتحدث بناني عن طبيعة العمل داخل المؤسسة الملكية، وعن المسؤوليات التي كانت تفرض الانضباط والدقة في التعامل مع الملفات والمواعيد والتحركات. كما يستعيد جانباً من طريقة اشتغال الملك الحسن الثاني، في مرحلة كانت الدولة خلالها تعيد ترتيب عدد من مؤسساتها ومصالحها.
وتكشف شهادته، في هذا الجانب، عن تجربة موظف وجد نفسه قريباً من تفاصيل العمل اليومي للدولة، ومن آليات تدبير الملفات داخل المؤسسة الملكية، في سياق سياسي حساس
شهادة من داخل مرحلة دقيقة
لا يقدم بناني في هذا الحوار قراءة نظرية لتلك المرحلة بقدر ما يستعيدها من خلال تجربته الشخصية ومساره المهني. ومن خلال التفاصيل التي يوردها، تتشكل صورة عن مرحلة أعادت فيها المؤسسة الملكية ترتيب عدد من هياكلها، وفتحت المجال أمام أطر جديدة وشابة، في ظل ظروف سياسية استثنائية.
وتكمن قيمة شهادته في أنها تأتي من موقع عايش جزءا من تلك التحولات، وانتقل من العمل المدني والوظيفة العمومية إلى محيط المؤسسة الملكية، حيث احتك مباشرة بتفاصيل العمل ومسؤولياته
أحمد بلافريج..
من أبرز الأسماء التي حضرت بقوة في ذاكرة بناني، أحمد بلافريج، الذي كان والده من المقربين إليه.
ويصف عبد الكريم بناني إعجابه المبكر بشخصية بلافريج وفكره، مستحضرا دوره في الحركة الوطنية واهتمامه بالتعليم العصري والدبلوماسية والسياسة.
كما يتذكر التحاقه سنة 1947 بمدرسة محمد جسوس، التي ارتبط تأسيسها ببلافريج، وهي تجربة شكلت جزءا من تكوينه في مرحلة كان المغرب يعيش فيها مخاضا وطنيا وسياسيا متسارعا..
.
الجمعيات الجهوية.. تجربة أثارت انتباه الأحزاب
ويتطرق الحوار كذلك إلى مرحلة الثمانينات، وبالخصوص إلى كواليس تأسيس الجمعيات الجهوية التي فُتح لها المجال آنذاك، وهي تجربة أثارت، وفق تقديم المجلة للحوار، توجس الأحزاب السياسية في تلك الفترة.
وتندرج هذه الشهادة ضمن قراءة أوسع لتحولات العلاقة بين الدولة والمجتمع والقوى السياسية، من خلال تجربة رجل كان حاضرا في عدد من المحطات، سواء من داخل المؤسسة الملكية أو عبر نشاطه في المجتمع المدني.
وفاة الملك الحسن الثاني
وفي حديثه عن المرحلة التي أعقبت وفاة الملك الحسن الثاني، يؤكد بناني أن الجمعية واصلت عملها على الوتيرة والأهداف نفسها، مع مواصلة الاهتمام بالمشاريع الكبرى التي أمر بها الملك محمد السادس، مشيرا إلى أن بعض هذه المشاريع أصبحت معالم بارزة في الرباط.
وتضمن الحوار أيضا شهادات حول دور بناني في المجال الجمعوي، وحرصه على خدمة قضايا التراث والعمل الجمعوي، مع الإشارة إلى نشاطه في إطار الجمعيات ذات النفع العام.
خلاصة
لا يقدم بناني في هذا الحوار قراءة نظرية لتلك المرحلة بقدر ما يستعيدها من خلال تجربته الشخصية ومساره المهني. ومن خلال التفاصيل التي يوردها، تتشكل صورة عن مرحلة أعادت فيها المؤسسة الملكية ترتيب عدد من هياكلها، وفتحت المجال أمام أطر جديدة وشابة، في ظل ظروف سياسية استثنائية.
وتكمن قيمة شهادته في أنها تأتي من موقع رجل عايش جزءا من تلك التحولات، وانتقل من العمل المدني والوظيفة العمومية إلى محيط المؤسسة الملكية، حيث احتك مباشرة بتفاصيل العمل ومسؤولياته.
المصدر: مجلة «زمان»، دجنبر 2025 — حوار أجراه داوود غسان الشوري.