احمد عاشور
تم يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 بوجدة، تنظيم لقاء تواصلي وتأطيري في إطار مشروع «تمّلك» في نسخته الثانية، حول تعزيز آليات الوقاية من العنف ضد النساء والفتيات، ودعم إدماج مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات العمومية المحلية.
ونظمت اللقاء جمعية وجدة عين غزال 2000، بدعم تقني من الشبكة البلجيكية للعدالة والديمقراطية RCN J&D، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، وبشراكة مع عدد من الشركاء، من بينهم حكومة كتالونيا وبلجيكا – شريك في التنمية، وأطر أشغال اللقاء خالد، أستاذ جامعي، بمشاركة حوالي 40 شخصا يمثلون جمعيات ومراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف، إلى جانب أعضاء الهيئات الاستشارية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع الاجتماعي بالجماعات الترابية.
وشكل اللقاء فضاء للحوار وتبادل التجارب والخبرات، والوقوف على واقع العمل الميداني في مجال مناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، من خلال شهادات ومداخلات المشاركات والعاملات بمراكز الاستماع، وكذا أعضاء الهيئات الاستشارية والفاعلين الجمعويين.
وقد قدمت العاملات بمراكز الاستماع شهادات مؤثرة من واقع مواكبتهن اليومية للنساء ضحايا العنف، مستعرضات طبيعة الحالات والملفات التي يتم التكفل بها، وما تفرضه هذه المواكبة من مجهود نفسي ومهني كبير، وأوضحت المشاركات أن عملهن لا يقتصر على الاستماع فقط، بل يشمل في كثير من الحالات التوجيه والمواكبة الاجتماعية والنفسية، والمساعدة في الوصول إلى الخدمات الصحية والقانونية، والتنسيق مع مختلف المتدخلين، ومتابعة وضعية الضحية بحسب خصوصية كل حالة.
كما تحدثت العاملات عن ظروف عملهن والإكراهات التي يواجهنها في الميدان، وفي مقدمتها تزايد عدد الملفات والحالات التي تستقبلها المراكز، مقابل محدودية الإمكانيات والموارد البشرية واللوجستيكية المتاحة، وأشرن إلى أن بعض الحالات تكون معقدة وتتطلب مواكبة مستمرة ومتعددة الأبعاد، وهو ما يزيد من حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق العاملات بمراكز الاستماع.
ومن بين أبرز الصعوبات التي تم التطرق إليها صعوبة إيجاد أماكن للإيواء الآمن للنساء ضحايا العنف، خصوصا في الحالات التي تستدعي إبعاد الضحية بشكل عاجل عن محيطها الذي يشكل خطراً عليها، وأكدت المشاركات أن محدودية فضاءات الإيواء وعدم توفرها بشكل كاف وفي الوقت المناسب يشكلان عائقا حقيقيا أمام عملية الحماية والمواكبة، وقد يضع العاملات أمام أوضاع مهنية وإنسانية بالغة الصعوبة.
كما أثارت المشاركات مسألة الوضعية المهنية للعاملات بمراكز الاستماع، داعيات إلى تحسين ظروف عملهن، وتوفير شروط مهنية أكثر استقرارا، وتعزيز الحماية الاجتماعية والمهنية، والاستفادة من التكوين والتأطير المستمر، بالنظر إلى طبيعة المهام التي يقمن بها وحجم المسؤولية المرتبطة بالتعامل مع حالات العنف وما يرافقها من ضغوط نفسية وميدانية.
وأبرزت مختلف المداخلات أن العنف القائم على النوع الاجتماعي يعرف تناميا ملحوظا مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يفرض، بحسب المشاركين، تعزيز قدرات مراكز الاستماع وتوفير الإمكانيات الضرورية لتمكينها من الاستجابة للعدد المتزايد من الحالات، فضلا عن تقوية التنسيق بين مختلف المتدخلين في مجال الحماية والوقاية والتكفل.
وفي السياق ذاته، تمت مناقشة وضعية هيئات المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع الاجتماعي بالجماعات الترابية، حيث سجل المشاركون أن عددا من هذه الهيئات لا تتمكن من ممارسة أدوارها بالشكل الذي تحدده القوانين التنظيمية، بسبب مجموعة من الإكراهات المرتبطة بواقع الممارسة داخل الجماعات الترابية.
وأوضحت المداخلات أن هذه الهيئات تجد نفسها، في عدد من الحالات، أمام واقع لا يتيح لها ممارسة دورها الاستشاري بصورة فعالة، سواء من خلال محدودية إشراكها أو ضعف التفاعل مع آرائها ومقترحاتها، الأمر الذي قد يؤدي إلى إضعاف أدوارها وإعاقة عملها والدفع بها نحو الجمود، بما يحرمها من المساهمة الفعلية في إعداد وتتبع وتقييم السياسات والبرامج المحلية من منظور المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع الاجتماعي.
كما تم تسجيل أن هذه الوضعية لا تنسجم مع الأدوار التي يفترض أن تضطلع بها هذه الهيئات باعتبارها إحدى آليات الديمقراطية التشاركية، وهو ما يستدعي، بحسب المشاركين، إعادة النظر في آليات إشراكها وتعزيز التفاعل المؤسساتي معها، وتمكينها من الوسائل والظروف الضرورية للقيام بالمهام المنوطة بها.
وفي الجزء الأخير من اللقاء، شارك الحاضرون في عصف ذهني جماعي بهدف تشخيص واقع مراكز الاستماع والهيئات الاستشارية، واستخراج نقاط القوة والضعف والتهديدات والفرص، والخروج بمقترحات عملية يمكن البناء عليها مستقبلا.
وأبرز المشاركون، ضمن نقاط القوة، تراكم الخبرة الميدانية لدى العاملات والعاملين بمراكز الاستماع، ووجود نسيج جمعوي يشتغل على قضايا النساء والعنف القائم على النوع الاجتماعي، إلى جانب توفر كفاءات محلية وإرادة لدى عدد من الفاعلين لمواصلة العمل وتعزيز التعاون والتنسيق.
أما نقاط الضعف، فتمثلت أساسا في محدودية الموارد والإمكانيات، وارتفاع عدد الملفات مقارنة بالقدرات المتاحة، وصعوبة توفير الإيواء للضحايا، فضلا عن الحاجة إلى تحسين الظروف المهنية للعاملات، وضعف بعض آليات التنسيق والإحالة والتكفل.
وفي ما يتعلق بـالتهديدات، تم التوقف عند استمرار تنامي العنف القائم على النوع الاجتماعي، وصعوبة التعامل مع بعض الحالات المعقدة، ومحدودية فضاءات الإيواء، إضافة إلى خطر تهميش أو تعطيل أدوار الهيئات الاستشارية وعدم التفاعل الكافي مع مقترحاتها وتوصياتها.
في المقابل، اعتبر المشاركون أن هناك فرصا مهمة يمكن استثمارها، من بينها تقوية الشراكات بين الجمعيات والجماعات الترابية ومراكز الاستماع ومختلف المؤسسات المتدخلة، وتطوير برامج التكوين والمواكبة، وتحسين آليات الإحالة والتنسيق، وتعزيز حضور مقاربة النوع الاجتماعي في السياسات والبرامج المحلية، فضلا عن الاستفادة من التجارب والخبرات المتراكمة لدى الفاعلين الميدانيين.
وخلص اللقاء إلى التأكيد على ضرورة دعم ومواكبة العاملات والعاملين بمراكز الاستماع، وتحسين وضعيتهم المهنية وظروف اشتغالهم، وتوفير فضاءات وآليات أكثر فعالية لإيواء وحماية النساء ضحايا العنف، إلى جانب تقوية قدرات المراكز وتعزيز مواردها البشرية واللوجستيكية.
كما شدد الحاضرون على أهمية مواكبة الهيئات الاستشارية للمساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع الاجتماعي، وتمكينها من ممارسة أدوارها بشكل فعلي، وضمان إشراكها والتفاعل مع مقترحاتها وتوصياتها، مع مواصلة العمل الميداني وتعزيز التنسيق بين مختلف الفاعلين، بما يساهم في مواجهة تنامي العنف القائم على النوع الاجتماعي وترسيخ المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع الاجتماعي على المستوى الترابي.
تعليقات الزوار