يين ضبط المصطلح وحسم الإطار: نحو فهم جيوسياسي للمباحثات حول الصحراء المغربية

بقلم: الدكتور محمد محاسن

تلخيص

أتناول هذا المقال التحول الدبلوماسي الراهن في معالجة ملف الصحراء المغربية من خلال تحليل مفاهيمي يميز بين “المباحثات” و”المفاوضات”، باعتبار أن ضبط المصطلح يعكس طبيعة المرحلة وحدودها. وأعمد الى تحليل الإطار الجيوسياسي الذي يحكم المسار الحالي في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025)، والدينامية التي خلقتها الرعاية الأمريكية، مع التركيز على محددات أربعة: تثبيت الأطراف المعنية، اعتماد مبادرة الحكم الذاتي كقاعدة مؤسساتية للنقاش، تكريس آلية الموائد المستديرة كإطار إجرائي، والانتقال من منطق الشرعية إلى منطق التدبير التنفيذي. كما يناقش المقال محددات الهشاشة البنيوية للمسار، ويضعه في سياق إعادة تشكيل التوازنات المغاربية الأطلسية، قبل استشراف السيناريوهات الممكنة لمآلاته.

الكلمات المفاتيح

الصحراء المغربية؛ المباحثات الدولية؛ قرار مجلس الأمن 2797؛ الحكم الذاتي؛ الموائد المستديرة؛ الجيوسياسة المغاربية؛ الوساطة الأمريكية؛ التوازنات الأطلسية.

 توطئة: حين يصبح المصطلح أداة استراتيجية

 في النزاعات الممتدة زمنًا والمركبة إقليميًا، لا يكون اختيار المصطلحات تفصيلاً لغويًا، بل أداة لضبط المجال السياسي. فالتوصيف الدبلوماسي للمرحلة الراهنة بـ“المباحثات” بدل “المفاوضات” يعكس إدراكًا لطبيعة اللحظة: إنها مرحلة تثبيت الإطار واختبار النوايا، لا مرحلة المقايضة التفصيلية.

المباحثات تُعنى بتحديد الأجندة وضبط المرجعيات قبل الانتقال إلى الترتيبات التنفيذية. أما المفاوضات فتنصرف إلى صياغة الالتزامات وتبادل التنازلات. ومن ثم فإن ضبط المصطلح هنا يشكل جزءًا من هندسة المسار نفسه.

أولًا: الإطار الأممي والرعاية الأمريكية ـ تكامل الشرعية والزخم

 أعاد قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025) تثبيت محددات الحل السياسي الواقعي والدائم، مؤكدًا ضرورة استئناف المسار ضمن مقاربة عملية. وقد اعتُبر هذا القرار، في قراءات تحليلية دولية، لحظة تثبيت لإطار مرجعي منضبط بعد سنوات من الجمود النسبي.

غير أن الشرعية الأممية، بطبيعتها، توفر الإطار ولا تضمن الدينامية. وهنا برزت الرعاية الأمريكية بوصفها عامل دفع سياسي نقل الملف من منطق إدارة الزمن إلى منطق اختبار فرص التقدم. فالحضور الأمريكي لم يكن بديلًا عن الأمم المتحدة، بل مكمّلًا لدورها، بما يمنح المسار عنصر الجدية الزمنية ويقلّص مساحة الخطاب الإنشائي. وهكذا تكتمل الدورة: الأمم المتحدة تضبط الشرعية الإجرائية، والولايات المتحدة توفر الزخم السياسي، فيما تتحرك الأطراف داخل محددات لا تسمح بإعادة فتح المرجعيات الأساسية.

ثانيًا: تحديد الأطراف — منطق الواقعية السياسية

 تم تثبيت الصيغة الرباعية: المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو، تحت تيسير دولي. وهذا التحديد لا يعكس ترتيبًا بروتوكوليًا فحسب، بل ترجمة لواقعية سياسية أقرتها قرارات مجلس الأمن المتعاقبة.

فالنزاع، في صيغته الراهنة، يتجاوز الثنائية التقليدية، ويعكس تفاعلات إقليمية أوسع. وحصر الأطراف ضمن هذا الإطار يمنع إعادة توسيع النزاع أو إعادة تعريفه خارج السياق المعتمد، ويؤسس لمسار تفاوضي متعدد الأبعاد.

ثالثًا: الحكم الذاتي ـ من مقترح سياسي إلى قاعدة مسار

 لم يعد مقترح الحكم الذاتي مجرد عرض سياسي قُدّم سنة 2007، بل أصبح قاعدة مؤسساتية للنقاش ضمن أفق السيادة المغربية.

فالتحول الجوهري يتمثل في انتقال النقاش من سؤال الشرعية المجردة إلى سؤال تدبير الصلاحيات. وبالتالي لم يعد السؤال: من يملك السيادة؟ بل: كيف تُمارس الصلاحيات داخل إطارها؟ وهذا الانتقال يعكس نضجًا في طبيعة المقاربة المعتمدة.

ثالثًا مكرر: من المبادرة إلى الوثيقة المرجعية ذات الطابع المؤسسي المفصل

 فالمسار لا يتحرك في فراغ تفاوضي؛ حيث إن الوثيقة المؤسسية المفصلة الوحيدة المطروحة رسميًا للنقاش هي مبادرة الحكم الذاتي، التي تتضمن تصورًا واضحًا لتوزيع الاختصاصات، وآليات التمثيل، والضمانات الدستورية، والعلاقة بين المستوى الجهوي والمركز.

إن وجود هذه الوثيقة ينقل الحوار من مستوى الشعارات إلى مستوى تصميم السلطة، ويجعل المباحثات أقرب إلى مناقشة ترتيبات تنفيذية منها إلى إعادة صياغة مبدأ سياسي من الصفر.

رابعًا: البراغماتية الدبلوماسية ـ تفصيل لا تجريد

 لقد تميّز العرض المغربي في اللقاءات الأخيرة بتقديم شروحات تفصيلية حول الأبعاد المؤسساتية والمالية والقضائية والثقافية للحكم الذاتي، ما أضفى على النقاش طابعًا عمليًا.

فهذا الانتقال من خطاب عام إلى تفصيل مؤسساتي يجعل الحوار قابلًا للقياس والتنزيل، ويُخرج المسار من التجاذب النظري إلى منطق البرمجة السياسية.

خامسًا: آلية الموائد المستديرة ـ الضمانة الإجرائية

 تظل آلية الموائد المستديرة الإطار الإجرائي المعتمد لإدارة النقاش. أهميتها تكمن في تثبيت المسؤوليات الجماعية ومنع العودة إلى مقاربات جزئية أو ثنائية قد تعيد تفكيك المسار.

سادسًا: محددات الهشاشة البنيوية في المسار

 على الرغم من الزخم الحالي، يظل المسار هشًا من الناحية البنيوية.

فاستدامة الانخراط الأمريكي ليست معطى ثابتًا، بل مرتبطة بأولويات استراتيجية قد تتغير. كما أن التنافس المغربي ـ الجزائري يمثل عاملًا هيكليًا يصعب عزله عن الملف، بما يحمله من رهانات إقليمية أوسع.

إضافة إلى ذلك، تبقى المرجعية الأممية رهينة بتوازنات مجلس الأمن وموازين القوى الدولية. كما أن الانتقال من الإطار السياسي إلى التنفيذ العملي يكشف عادة عن تعقيدات إدارية وأمنية ومجتمعية قد لا تظهر في المراحل الأولى.

إن هذه المحددات تجعل المسار قابلًا للتقدم، لكنه غير محصّن ضد التراجع.

سابعًا: من ملف نزاع إلى إعادة تشكيل التوازنات المغاربية ـ الأطلسية

 لا يمكن قراءة التحول في مسار الصحراء بمعزل عن إعادة تشكيل أوسع للتوازنات المغاربية ـ الأطلسية. فالمنطقة تشهد تحولات تتصل بأمن الساحل، والممرات الأطلسية، وشبكات الطاقة والتجارة.

كما أن استقرار الأقاليم الجنوبية يرتبط اليوم بدينامية انفتاح أطلسي نحو إفريقيا، وبمبادرات تعاون جنوب ـ جنوب، وباعتبارات أمنية تتجاوز حدود النزاع ذاته. ومن ثم فإن أي تقدم في الملف ستكون له انعكاسات على توازنات غرب المتوسط والواجهة الأطلسية لإفريقيا.

ثامنًا: في ضوء تجارب تسوية نزاعات مماثلة

 تُظهر تجارب إيرلندا الشمالية وإقليم الباسك أن توسيع الحكم الذاتي داخل السيادة القائمة يمكن أن يشكل مسار تسوية  قابل للتطبيق، حين تتوافر بيئة إقليمية داعمة. وفي المقابل، تكشف تجربة جنوب السودان أن الانفصال القانوني لا يضمن الاستقرار في غياب بنية مؤسساتية متماسكة.

إن هذه المقارنة تُبرز أن النموذج المغربي يتموضع داخل مقاربة إصلاحية ـ مؤسساتية، تسعى إلى توسيع الاختصاصات ضمن الدولة، لا إلى إعادة رسم الحدود. غير أن نجاح هذا النموذج يظل مشروطًا بمدى قابلية البيئة الإقليمية لاحتضان تسوية من هذا النوع.

تاسعًا: السيناريوهات الممكنة ـ بين التقدم والتجميد والانتكاس

 يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسة:

  1. التقدم التدريجي المنضبط: استمرار الزخم الأمريكي، وتماسك المرجعية الأممية، والانتقال إلى مفاوضات تقنية حول التنفيذ.
  2. التجميد المُدار: بقاء المسار في إطار إجرائي دون تقدم جوهري، مع استمرار إدارة النزاع دون حسمه.
  3. الانتكاس المرحلي: تراجع الرعاية الدولية أو تصعيد إقليمي يعيد الملف إلى منطق المواجهة أو الجمود الطويل.

غير أن كلفة العودة إلى التصعيد تبدو اليوم أعلى مما كانت عليه في مراحل سابقة، ما يمنح سيناريو التقدم ـ ولو تدريجيا ـ قابلية أكبر من غيره، دون أن يجعله حتميًا.

خاتمة: الإطار بوصفه مركز الثقل

 المرحلة الراهنة تكشف أن مركز الثقل لم يعد في الخطاب، بل في الإطار. فالمصطلح يحدد المرحلة، والمرجعية الأممية تضبط المسار، والوثيقة المؤسسية تحدد طبيعة النقاش.

إننا أمام انتقال من منطق احتواء النزاع إلى منطق تصميم تسوية ممكنة، ضمن أفق سياسي يتموضع داخل محددات السيادة المعترف بها. ويبقى مستقبل المسار رهينًا بمدى قدرة الأطراف على تحويل الإطار النظري إلى ترتيبات قابلة للحياة في بيئة إقليمية ودولية متحركة.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد