العلاقات المغربية-الأمريكية اللاتينية في حقبة ما بعد كوفيد

ريتاج بريس:  صفاء ايت حوسة

 بمناسبة الأسبوع الثقافي المغربي ببنما ، الذي نظم من قبل وزارة الإتصال – قطاع الثقافة بتعاون مع سفارة المغرب ببنما ووزارة الثقافة والتعليم البنامية وحضور ضيوف شرف ودبلوماسيين و أدباء و مثقفين من عدة دول لهذا الحدث الفكري الهام،  الذي يمتد من 12 ل 16 من شهر غشت 2025 ، نظمت ندوة حول موضوع العلاقات المغربية الأمريكية اللاتينية في حقبة ما بعد كورونا حيث كانت مداخلة الأستاذ البشير الدخيل حول الموضوع كما يلي:

بنما جسرٌ بين القارات حيث  وُلدتُ في الصحراء، أين تُصقل حرارة الصحراء الحارقة شخصيتي و روحي. عندما وصلتُ إلى بنما قبل عامين، حدث أمرٌ استثنائي: امتزج دفء مناخها الاستوائي بدفء أهلها، وهزّتني رؤية أشجار النخيل تتمايل أوراقها كأوراق وطني. في تلك اللحظة، أدركتُ أنني لم أسافر إلى بلدٍ أجنبي، بل وصلتُ إلى موطن إخوةٍ لم ألتقِ بهم قط، لكنهم كانوا دائمًا هناك، ينتظرونني على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي. أدت هذه التجربة المؤثرة إلى إدراكي أن العلاقات بين المغرب وأمريكا اللاتينية تتجاوز الدبلوماسية التقليدية. نشهد الآن إعادة اكتشاف روابط إنسانية عريقة أبقاها التاريخ كامنة، لكن حقبة ما بعد كوفيد أيقظتها بقوةٍ تحويلية.

 التقارب التاريخي: الروح الأندلسية التي توحدنا خرجت المملكة المغربية من الجائحة برؤية قارية ثورية بقيادة جلالة الملك محمد السادس ، إذ لم تنظر إلى أمريكا اللاتينية كوجهات ثنائية معزولة، بل كفضاء جيوسياسي متكامل، تسوده أخوة طبيعية قائمة على تجارب تاريخية مشتركة. تتجذر هذه الأخوة في التراث الثقافي الأندلسي الذي وصل إلى الأمريكتين عبر الاستعمار الإسباني. في الكنائس الاستعمارية في كاسكو فيجو ببنما، وفي باحات المنازل التقليدية المليئة بالنوافير، وفي الموسيقى التي تمزج بين التأثيرات العربية والأفريقية، يتعرف المغربي فورًا على أصداء ثقافته. يُعد المغرب البلد العربي الأكثر دراسةً وتحدثًا باللغة الإسبانية: أكثر من ٩٠ ألف طالب وفقًا لمعهد سرفانتس، وهو واقع ليس مصادفة، بل انعكاسٌ لعلاقات عميقة. شكّلت الجولة التاريخية لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده عام ٢٠٠٤ إلى البرازيل والمكسيك وبيرو وتشيلي والأرجنتين إعادة اكتشاف رسمية لهذه الروابط. اليوم، تُثبت دولٌ مثل البرازيل، حيث أصبح المغرب خامس أكبر شريك اقتصادي في أفريقيا والعالم العربي، وتشيلي بعلاقاتها التجارية الوثيقة، والمكسيك بتبادلاتها التجارية الثنائية التي بلغت 353.7 مليون دولار أمريكي في عام 2020، أن التفاهم الثقافي يُسهم في نموّ التجارة بشكل كبير. ومن الأمثلة النموذجية على هذا التعاون الثقافي المنتدى العلمي الدولي السابع “بين ضفتين”، الذي نُظّم في مدينة العيون، بالصحراء المغربية، والذي يجمع أكاديميين ومثقفين من المغرب والمكسيك وإسبانيا وكولومبيا ودول أخرى في أمريكا اللاتينية. يُرسل هذا المنتدى رسالةً قويةً مفادها أن الصحراء المغربية تُرسّخ مكانتها كمختبر للتعاون بين القارات، متجاوزةً الحدود التقليدية للمغرب العربي لتحتضن الروابط عبر الأطلسي.  بنما قلب الممرّ القاري: خلال إقامتي في بنما، أدركتُ لماذا أصبح هذا البلد، الذي يبلغ عدد سكانه 4 ملايين نسمة، القلب النابض لممرّ أفريقيا وأمريكا اللاتينية الذي يتوخّاه المغرب. لا يقتصر الأمر على موقعها الجغرافي أو قناتها، التي تتعامل مع 470 مليون طن سنويًا وتمثل 6% من التجارة العالمية، بل يمتد ليشمل قدرة البنميين الفريدة على جعل الزوار من جميع أنحاء العالم يشعرون وكأنهم في وطنهم. وقد عبّر وزير الخارجية المغربي صلاح الدين مزوار عن ذلك ببراعة قائلاً: “بنما هي بوابة المغرب إلى أمريكا اللاتينية، ونأمل أن يكون المغرب بوابة بنما إلى أفريقيا”. وقد تجسد هذا الإعلان بشكل دراماتيكي في نوفمبر 2024، عندما علّقت بنما علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، وهو قرار أشاد به الملك محمد السادس   ووصفه بأنه “حكيم”، مؤكدًا متانة العلاقات التي بُنيت عبر سنوات من التبادل الثقافي. وُضعت اللمسات الأخيرة على التعاون بين بنما والمغرب في يناير 2024 بتوقيع خارطة طريق للتعاون الثنائي بين وزيري الخارجية ناصر بوريطة وجانينا تيواني منكومو. أرست الاتفاقية المبرمة بين المنطقة الحرة بكولون والمنطقة البحرية طنجة المتوسط نموذجًا لجيل جديد من التعاون اللوجستي العابر للقارات، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل سعي المنطقة البنمية إلى الانتعاش بعد انخفاض بنسبة 40.2% في المعاملات بين عامي 2012 و2019. تُعدّ بنما منصة دخول إلى قارة يزيد عدد سكانها عن ه650 مليون نسمة. ولا يكمن نجاحها كمركز عالمي في كفاءتها التقنية فحسب، بل أيضًا في كرم الضيافة الذي يُتيح للمغاربة والبرازيليين والكولومبيين والمكسيكيين الشعور بالترحيب الفوري. وهذه هي القوة الحقيقية للنموذج البنمي ،الجمع بين بنية تحتية عالمية المستوى ودفء إنساني أصيل.

البنية التحتية كجسر ثقافي: أصبح مجمع ميناء طنجة المتوسط، الذي يضم 3.5 مليون حاوية حاليًا وتوقعات بوصوله إلى 9 ملايين بحلول عام 2025، بمثابة نقطة ارتكاز إفريقية.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد