بقلم الباحثة في علم السياسة سمية مزور الجزء الثالث
في هذا الجزء الأخير من المقال سنقسم مؤشرات التنمية السياسية إلى قسمين، مؤشرات ترتبط بالنظام السياسي ومؤشرات مرتبطة بالجمهور والمجتمع المدني، كما سنعرج لمعرفة أهم مقومات التنمية السياسية.
*المطلب الأول: مؤشرات التنمية السياسية:
الفرع الأول: مؤشرات متعلقة بالنظام السياسي:
تتبنى النخبة الحاكمة أي النظام السياسي عملية الإصلاح السياسي التي تؤدي إلى الانتقال والتحول نحو الديمقراطية و التي تساهم في تداول السلطة بمقتضى انتخابات عامة وحرة ونزيهة، حيث نجد مؤشرات تدل على تنزيل تلك العملية من الإصلاح، وأولها مؤشرات الإصلاحات الدستورية والقانونية ثم التطوير المؤسساتي للبرلمانات .
أولا: الإصلاحات الدستورية والقانونية:
إن شعارات الإصلاح تجعل الأنظمة تفكر في جملة من التعديلات الدستورية لمواجهة الاستبداد السياسي، ذلك أن الإطار الدستوري يتعدى كونه مجموعة من النصوص والقوانين الجامدة، فهو في واقع الأمر إفراز لمحصلة تفاعل القوى والتيارات السياسية في وقت ما، كما أنه عامل من عوامل ضبط وتنظيم اللعبة السياسية،وهو مؤشر هام على مدى نضوج العملية السياسية واستقرار المبادئ الديمقراطية ، وهذه الإصلاحات إما بدافع المطالب الشعبية التي تطالب بالتغيير نظرا لانتشار الوعي السياسي عند الأفراد بإطار العمل السياسي ودور مؤسسات الدولة وسلطاتها الدستورية والفصل بينها والحريات العامة والحقوق الأساسية والتعبير عن الحرية والمشاركة السياسية للمواطنين.
ثانيا: التطوير المؤسساتي للبرلمانات:
ظهرت البرلمانات أو المؤسسات التشريعية لتمثيل الشعب ومواجهة الحكومات المتسلطة، وتؤسس البرلمانات لمفاهيم الديمقراطية والعدل الاجتماعي وتمثيل الشعوب،وتعتبر المؤسسة البرلمانية تعبير عن إرادة الناخبين ومشاركتهم في العمل السياسي، وتوفر مثل هذه المؤسسة السياسية المستوعبة للمساهمة الشعبية هو الذي يخلق الحراك المجتمعي والسياسي، وبالتالي يحقق التنمية السياسية ، فتطور الحياة البرلمانية رهين بثلاثة أبعاد وهي: بعد دستوري ضروري لتحقيق التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وبعد سياسي بتوفير ضمانات الانتخابات الحرة وتعميم المشاركة فيها، وبعد يرتبط بتوافر كفاءة الأداء في المؤسسة التشريعية.
وتجدر الإشارة انه لابد من تطوير العمل البرلماني والأداء النيابي من خلال خلق ثقافة مشتركة بين الجهاز و الأعضاء لتفعيل دور البرلمان ودعم النظام الديمقراطي، فالبرلمان يلعب دورا هاما في عملية التنشئة السياسية عبر المناقشات الحرة والتي يطلع عليها المواطنون ويساهم في تعزيز قدرة الأحزاب السياسية على التنافس فيما بينها للحصول على أكبر تمثيل برلماني، فوظيفة التشريع تمكن من دعم وإثراء عملية التحول الديمقراطي.
الفرع الثاني: مؤشرات متعلقة بالجمهور والمجتمع المدني:
أولا: مساهمة الأحزاب السياسية:
يعتبر الحزب تنظيم متغير ومستمر ومستقل يتفاعل مع البيئة التي انبثق عنها والتي يؤثر فيها، كما انه يعتبر أداة أساسية لممارسة الديمقراطية والمشاركة السياسية، ويرتبط الحزب بعملية التنمية السياسية على نحو وثيق ومؤثر من خلال عدة نواح ولعدة أسباب، فهو من ناحية يعد أحد نتائج هذه العملية، ومن ثمة يعد متغيرا تابعا لها ومن ناحية يعد أحد الميكانيزمات الأساسية والمؤثرة فيها، وبالتالي يعد متغيرا مستقلا عنها، إذن فالارتباط والتأثير المتبادل بين الحزب والتنمية السياسية أمر مؤكد لا مراء فيه أيا كانت الزاوية التي ينظر إليه منها .
ويمكن القول أن الأحزاب السياسية هي تعبير عن ضرورة واقعية، منطقية وتاريخية هي ضرورة التنظيم مقابل العشوائية والفوضى،وتعبيرا عن الطابع الضروري أيضا للمجال السياسي الذي ينتجه المجتمع في سياق عملية الإنتاج الاجتماعي بمعناها الواسع، ومن هنا كانت حداثة المجال السياسي وانفتاحه على إمكانيات الديمقراطية مرهونة بتحديث المجتمع نفسه،وبتحديث وعيه خاصة .
ثانيا: مساهمة المجتمع المدني:
لا وجود لديمقراطية بدون مجتمع مدني لأن هذا الأخير هو الذي يسعى لتحقيق الديمقراطية فتحقيقها يؤدي الى بناء مجتمع مدني قوي والعكس صحيح، ودوره يتجسد في الإصلاحات السياسية وترقية المواطنة السياسية وهو حلقة وصل محورية للمجتمع مع النظام السياسي ويساهم في تأسيس أنظمة سياسية ومجتمعية قائمة على مبادئ دولة الحق والقانون والشفافية والديمقراطية التعديدية والمشاركتية، حيث أن المجتمع المدني هو مجال ترعرع فيه الجمعيات التطوعية وجماعات مصالح ومشروعات خيرية، وبالتالي هو عنصر أساسي في عملية التحول الديمقراطي وهو مجال إشراك المواطنين في التنمية البشرية المستدامة.
*المطلب الثاني: مقومات التنمية السياسية:
المشاركة السياسية: وتتجلى في حق المواطن في مساهمته في صنع القرار السياسي، وتأثيره في عملية صنع قرارات الحكومة من خلال نشاط فردي أو جماعي أو شرعي أو فعال أو غير فعال، وهي قدرة المواطن على التعبير العلني عن رأيه والتأثير في مجريات صنع القرارات سواء بشكل مباشر أو عن طريق ممثلين ، فهي تعني ممارسة العمل السياسي من قبل أفراد المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الإقليمية أو الاجتماعية، وإشراكهم في العملية السياسية وتكون السلطة عن طريق التمثيل فيها عبر انتخابات واستفتاءات نزيهة، وتعتبر المشاركة السياسية بعد من أبعاد التنمية البشرية حيث عرفها إعلان الحق في التنمية الذي أقرته الأمم المتحدة عام 1986 م عملية التنمية بأنها عملية متكاملة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية تهدف إلى تحقيق التحسن المتواصل لرفاهية كل السكان وكل الأفراد، فلابد من المشاركة السياسية لتحقيق التنمية البشرية، فالمشاركة السياسية هي تعبير على تفعيل الديمقراطية و تتطلب رفع الوعي ومحاربة الأمية والتخلف وضمان حرية التعبير والرأي، وتعزيز دور الأحزاب السياسية والجماعات الضغط والمصالح وتفعيل دور المؤسسات والهيئات الدولية، ومن اجل ضمان فعاليتها وجب إشراك الشعب في رسم السياسات العامة وصنع القرارات ومعرفة رأي الشعب ورغاباته ومطالبه وإراداته العامة والقضاء على الاستبداد والتسلط والانفراد بالسلطة، فالتنمية السياسية لصيقة بالمشاركة السياسية التي تصبو إلى إشراك الأفراد في المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات وإدارة الشأن العام سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بغية تحقيق أهداف التنمية السياسية للدول.
التعددية السياسية: هي تتصف بالشمولية أي إنها يجب أن تتضمن تعددية حزبية،لأنها تمثل قوة اجتماعية واقتصاديه وثقافية وسياسية مختلفة، أما التعددية الحزبية فهي قائمة على وجود عدة أحزاب سياسية مختلفة من حيث البرامج والاديولوجيات والتوجهات السياسية، حيث تعمل على تأطير المواطنين سياسيا والتنافس على السلطة عن طريق الانتخابات بغرض الوصول إلى مواقع القرار السياسي والتأثير فيه،فهي مكمل للتعددية السياسية.
التداول السلمي على السلطة: إن المغزى من تداول السلطة هو التعاقب الدوري على الحكم في ظل انتخابات حرة ونزيهة، على اعتبار أن السلطة يتم تداولها من قبل المنتخبون لفترات محددة وفق اختصاصات دستورية مخولة لهم في جو ديمقراطي باعتبار أن الديمقراطية هي شكل من أشكال ممارسة السلطة، مع حفاظ الدولة على نظامها السياسي وشخصيتها الاعتبارية،فالحديث عن السلطة هو الحديث عن تداول اختصاص من قبل الحاكم وبتخويل من الناخبين وفق أحكام الدستور والقانون وهذا من ابرز آليات الممارسة الديمقراطية بتبادل الأحزاب لمواقع الحكم داخل الدولة والحاصلة على الأغلبية من أصوات الناخبين أثناء العملية الانتخابية، فتداول السلطة هو اعتراف بشرعية النظام السياسي من قبل الشعب الذي يشارك بصورة فعالة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وخصوصا السياسية .
حماية واحترام حقوق الإنسان: تعترف معظم دول العالم بمجموعة من الحقوق الأساسية والحريات العامة لأفرادها، وتعمل على ضمانها من خلال الدساتير والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية والإقليمية، وتضع ضمانات أساسية لحمايتها من قبل آليات ومؤسسات وطنية وكذا آليات ومنظمات دولية تعمل على مراقبة مدى التزام الدول بالحقوق ومعرفة هل هناك انتهاكات لهذه الحقوق مع إحالتها على القضاء الوطني أو الدولي للمحاسبة، فهذه الحقوق لا تحقق بمجرد النص عليها في دستور الدولة وقوانينها ولا بمصادقة هذه الدولة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحرياته، فممارسة الحقوق والحريات لا نجدها إلا في ظل مجتمع حر يتمتع بنظام حر، والصفة الرئيسية التي تميز هذا النظام هي خضوع سلطة الحكم للقانون عن طريق الضمانات التي تكمل الحقوق والحريات العامة، والتي في جوهرها عبارة عن مبادئ قانونية تضمن انصياع السلطة لمطالب الحرية وفق المبادئ التالية: مبدأ سيادة القانون، مبدأ الفصل بين السلطات، مبدأ الفصل بين السلطتين الدنية والعسكرية، مبدأ استقلالية القضاء، ومبدأ الرقابة القضائية على دستورية القوانين، ومبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وقراراتها .
خلاصة:
نستشف مما سبق أن قضايا ومواضيع التنمية السياسية أصبحت تثار بصورة غير مباشرة من خلال مؤشرات المشاركة السياسية والديمقراطية وفصل السلطات وتخصصها،وزيادة دور المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في مشاركة الدولة في توفير الخدمات للمواطنين وتلبية المطالب المتنوعة والمتغيرة التي تدفعهم إلى الانخراط والمشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية متأثرين بالتحولات الحاصلة في جوانبها، وكذا يمكن اعتبار التنمية السياسية تلك الوسائل التي تتخذها الدول في تطوير سياساتها الداخلية والخارجية بغية نقل المجتمع من حالة التأخر إلى حالة التقدم والتغير والتحول التنموي ، تهدف توفير الاستقرار السياسي وبناء النظام السياسي وإجراء عمليات التحديث و العصرنة بغض النظر عن المعيقات المصاحبة لها والتي تشكل أزمات للتنمية السياسية من تخلف سياسي أو احتلال استعماري أو نظام استبدادي ديكتاتوري أو فساد إداري أو مالي لأجهزة الدول، إذا يمكن القول أن التنمية السياسية هي عملية تطور ديناميكية مستمرة وتحدث في جميع المناطق وكل المجتمعات وكل النظم السياسية لكن بأشكال مختلفة. ويبقى السؤال المطروح الذي أحالته علينا هذه الدراسة هو “ما هي أهم النظريات الفكرية المؤسسة لفكرة التنمية السياسية والتي تعد كمرجعية علمية ومعرفية ومنطلق لدراستها”؟
تعليقات الزوار