بقلم د. مبارك أجروض
حالات الالتهاب الرئوي pneumonie المعروفة لدى الأطباء، تكون عادة ناجمة عن بكتيريا تهاجم الجسم السليم وتستقر عند مستوى الحلق، تماماً كما يحدث مع Covid-19. عند تسلل هذه البكتيريا يقوم جهاز المناعة حينها بالدفاع عن الجسم، لكن في حال كان هذا الجهاز ضعيفاً بسبب مرض مزمن أو حتى نتيجة للإصابة بالإنفلونزا غير ذلك، فإن البكتيريا حينها تكسب المعركة وتنقض على شعيبات الرئة، وأهم ما يميز التهاب الرئة التقليدي أمران؛ السرعة في ظهور الأعراض، وهو ما يساعد الأطباء على التعرف عليه وبدء عملية العلاج في وقت وجيز والأعراض التي تتمثل في ارتفاع الحرارة والشعور بالإجهاد وتكدس المخاط في الحلق.
ومما لا شك فيه أن الالتهاب الرئوي يعتبر عدوى تصيب إحدى الرئتين أو كلتيهما، تسببها البكتيريا والفيروسات والفطريات وبعض المواد المهيجة الأخرى. ويمكن أن تتراوح شدة الالتهاب من درجة خفيفة إلى درجة شديدة الخطورة مهددة للحياة، خاصة في الرضع وكبار السن، ومن يعانون من مشاكل صحية أو ضعف المناعة، وتشمل علامات وأعراض العدوى الشديدة ضيق التنفس، السعال، التعب، فقدان الشهية وفقدان الوزن غير المتعمد.
* أسباب الالتهاب الرئوي التقليدي
ـ يمكن للعديد من الأدوية أن تسبب الالتهاب الرئوي، بما في ذلك المضادات الحيوية، والعديد من أنواع العلاج الكيميائي، والأدوية التي تحافظ على انتظام نبض القلب، ويمكن لجرعة زائدة من الأسبيرين أن تسبب الالتهاب الرئوي.
ـ يمكن للتعرض المتكرر لبعض الفطريات والبكتيريا أن يسبب التهابا في الرئتين، وتحمل أصناف محددة من الفطريات المرتبطة بالالتهاب الرئوي اسما مستعارا، مثل رئة المزارع أو رئة حوض الاستحمام الساخن. كما يعتبر التعرض للريش أو براز الطيور سببًا شائعًا للالتهاب الرئوي.
ـ يمكن أن يُصاب الأشخاص الذين يخضعون للعلاج الإشعاعي على الصدر، مثل ذلك الذي يتم إجراؤه في حالة سرطان الثدي أو الرئة، بالالتهاب الرئوي، ويمكن للالتهاب الرئوي أيضًا أن يحدث بعد العلاج الإشعاعي للجسم بالكامل، والذي يُعد ضروريًا لإعداد شخص لزرع النخاع العظمي.
ـ تحمل بعض المهن والهوايات مخاطر أعلى للإصابة بالالتهاب الرئوي، بما في ذلك الزراعة والتعامل مع الطيور.
* مضاعفات الالتهاب الرئوي التقليدي
يمكن للالتهاب الرئوي الذي يزول دون ملاحظة أو دون علاج، أن يسبب تلفًا في الرئة لا يمكن شفاؤه، وفي الطبيعي تتمدد وتسترخي الحويصلات الهوائية بالرئتين مع كل نفس، ويمكن للالتهاب المزمن الذي يصيب النسيج المبطن لكل حويصلة هوائية أن يؤدي إلى تليف الحويصلات الهوائية وتصبح غير مرنة ومتيبسة مثل إسفنجة جافة، ويطلق على هذه الحالة التليف الرئوي، وفي الحالات الشديدة، يمكن للتليف الرئوي أن يسبب فشل القلب وفشل التنفس insuffisance cardiaque et insuffisance respiratoire والوفاة.
* تشخيص الالتهاب الرئوي التقليدي
خلال الفحص الجسدي، سيستخدم الطبيب سماعة طبية للاستماع بدقة للرئتين بينما يتنفس المريض، وللتمييز بين الالتهاب الرئوي وغيره من الاضطرابات الرئوية الأخرى من المحتمل أن يجري المريض واحدا أو أكثر من الاختبارات التالية:
ـ اختبارات الدم.
ـ اختبارات التصوير بالأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب Radiographies et tomodensitométrie.
ـ اختبارات وظائف الرئة tests de fonction pulmonaire، لقياس كمية الهواء التي يمكن استنشاقها وزفيرها خلال فترة محددة من الوقت، كما يمكن للطبيب قياس مدى كفاءة الرئتين في تحويل الغازات من الهواء إلى مجرى الدم خلال ممارسة الرياضة. وثمة طريقة أخرى لتقييم مدى كفاءة الرئتين في العمل، هي قياس الأكسجين في الدم من خلال مقياس التأكسد، وهو جهاز يتشبك في الإصبع بدون ألم.
ـ تنظير القصبات bronchoscopie، لعرض القصبات الهوائية وتجميع عينات من الرئتين، وقد يقوم الطبيب بغسل جزء من الرئة بمحلول ملحي خلال تنظير القصبات، وذلك لجمع خلايا الرئة وغيرها من المواد، وقد يقوم الطبيب أيضًا بإدخال أداة دقيقة عبر المنظار لأخذ عينة صغيرة من الخلايا من نسيج الرئة لاختبارها.
ـ خزعة الرئة الجراحية biopsie pulmonaire chirurgicale، في بعض الحالات، قد يرغب الطبيب في فحص عينات أكبر من النسيج من عدة مواقع من الرئتين، والتي لا يمكن الوصول إليها عبر تنظير القصبات، وقد يكون الإجراء الجراحي ضروريا للحصول على هذه العينات.
* علاج الالتهاب الرئوي التقليدي
إذا كان المريض يعاني من فرط الحساسية أو الالتهاب الرئوي الكيميائي pneumonie chimique، فسيوصي الطبيب بعدم التعرض لمسببات الحساسية أو المواد الكيميائية التي قد تسبب تهيجا في الرئتين، وقد تحدّ هذه الخطوة من الأعراض التي يعاني منها المريض، وفي حالات الالتهاب الرئوي الشديد، قد يشمل العلاج ما يلي:
ـ الستيرويدات القشرية Corticoïdes
تعمل هذه الأدوية من خلال قمع جهاز المناعة، مما يؤدي إلى الحد من الالتهاب في الرئتين، ويتم تناول الستيرويدات القشرية في شكل حبة دواء. وعلى الرغم من ذلك، فإن استخدام الستيرويدات القشرية يزيد أيضًا من خطورة الإصابة بالعدوى، ويرتبط بهشاشة العظام.
ـ العلاج بالأكسجين Oxygénothérapie
إذا كان المريض يعاني من الكثير من مشاكل التنفس، فقد يحتاج إلى العلاج بالأكسجين، من خلال قناع أو أنبوب بلاستيكي مزود بشوكات يتم تثبيتها في فتحات الأنف، ويحتاج بعض الأشخاص إلى العلاج بالأكسجين باستمرار، فيما لا يحتاج آخرون إليه إلا خلال ممارسة الرياضة أو النوم.
وفي الأخير قد يعني تشخيص الالتهاب الرئوي أنه ينبغي على الشخص إجراء تغييرات على نمط حياته لحماية صحته على سبيل المثال، إذا كانت مهنته تعرّضه لمواد مهيجة للرئتين، فعليه أن يعرض نفسه الطبيب والمشرف في العمل حول الطرق لحماية نفسه، مثل ارتداء قناع للحماية من حبوب اللقاح أو قناع تنفس الغبار، وإذا كانت هواية ما تسبب المشكلة، فقد يتعين عليه إيجاد هواية مختلفة.
* مع Covid-19 الأمر مختلف في الالتهاب الرئوي
في المقابل، طبيعة مسببات الالتهاب الرئوي غير تقليدي، فهي مختلفة. الأمر هنا يتعلق بفيروسات. وفي حال الالتهاب الرئوي Covid-19 على وجه الخصوص فإن المسبب هو فيروس SARS Cov 2، وهو الاسم العلمي الذي منحته منظمة الصحة العالمية لـCovid-19. والفارق الأساسي بين النوعين أن الفيروسات لا تصيب الشعب الهوائية كما هو الحال بالنسبة للالتهاب التقليدي المذكور أعلاه، وإنما تصيب الأنسجة التي تمر عبرها الأوعية الدموية، وهذا ما يؤدي إلى نزيف داخل هذه المسالك، وكنتيجة للالتهاب يحدث انتفاخ.
ـ إحساس بالغرق ببطء
نتيجة لهذا الانتفاخ والنزيف، تصعب يوماً بعد يوم عملية الشهيق والزفير، وبالتالي فإن جسم المصاب لم يعد بإمكانه الحصول على القدر الكافي من الأوكسجين. وخاصة أعضاء مثل الدماغ والعضلات والقلب والرئة، تتأثر بقوة ولن يعود بإمكانها مباشرة وظائفها، بل وقد تتوقف عن العمل. كما أنه ونتيجة للالتهاب، تتجمع السوائل داخل الرئة، وهو ما يوضحه مرضى Covid-19 حين يتحدثون عن إحساسهم وكأنهم يواجهون الغرق ببطء، وفي هذه المرحلة يتوجب إيصال المرضى بأجهزة التنفس الاصطناعية، كحل وحيد لمساعدة الأعضاء على العمل إلى حين التحكم في الالتهاب ومحاربته، لكن وكما هو الحال في إيطاليا، فإن أعداد المرضى فاقت الأجهزة المتوفرة.
وفي حالات الإصابات بـCovid-19 هناك إجماع بين الأطباء أن 80% منها ليست خطيرة. لكن إذا ما تطورت الأمور إلى مستوى الالتهاب الرئوي لـ Covid-19فإن الأمر يختلف تماماً، وبشكل عام نذكر بوجود أربع حالات من أصل خمسة من الإصابات بـCovid-19 تظهر عليها أعراض خفيفة أو حتى قد تمر بدون أعراض. في المقابل تتطور الحالات المتبقية إلى مستوى التهاب الرئة. وإذا كان أصلاً التهاب الرئة في تطوره التقليدي خطير جداً ويتسبب في آلام فظيعة للمصاب به، فإن الالتهاب الرئوي الناجم عن Covid-19 أشد بأساً وأكثر خطورة.