إطلالات حول نكبة حزب العدالة والتنمية الإسلامي المغربي.

 

بقلم الدكتور خالد علمي

 

شهد المغرب في 8 سبتمبر الجاري، تنظيم الانتخابات التشريعية والبلدية الثالثة من نوعها في عهد الدستور المغربي الجديد، وهي الانتخابات التي وصفت بـ”التاريخية”، وذلك في ضوء التغيرات الكبيرة والمهمة التي عكستها، والتي ستترتب عليها، خصوصاً مع صعود حزبي “التجمع الوطني للأحرار” و “الأصالة والمعاصرة” ذوي التوجه الليبرالي إلى صدارة المشهد السياسي في المغرب، والسقوط المدوي لحزب “العدالة والتنمية” الذي استمد قوته أساسا من اعتماده على المرجعية الإسلامية المتغلغلة في المجتمع المغربي عبر التاريخ. وقد عكست هذه النتائج جملة من الدلالات المهمة المرتبطة بالتحول في موازين القوى في المشهد السياسي الداخلي المغربي، وكذلك المرتبطة بالسياق الإقليمي والدولي العام.

 

السياق الوطني.

 

تم الترخيص القانوني للحزب الإسلامي المغربي الذي يسمى حاليا “العدالة والتنمية” في التسعينيات من القرن الماضي في إطار سياسة الانفتاح السياسي التي دشنها الملك المغربي الراحل الحسن الثاني، والتي أوصلت أحزاب “الكتلة الديمقراطية” المعارضة إلى الحكومة التي سميت آنذاك ب “حكومة  التناوب” برئاسة “عبد الرحمان اليوسفي” رئيس حزب “الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، الحزب الذي نشأ وترعرع وقوي في ظل معارضة النظام الحاكم منذ ستينيات القرن الماضي. وقد امتد هذا الانفتاح إلى الحوار والمصالحة  مع مكونات الساحة السياسية والحقوقية في أفق بدأ عملية للتداول والتناوب على تحمل المسؤولية في البلاد. وقد استمر هذا المسار في ظل حكم الملك محمد السادس، لكن بفلسفة براكماتية جديدة تجعل المصلحة فوق الاعتبارات والمذاهب الأيديولوجية. فتم العمل على إقفال الملف الحقوقي  بإطلاق عملية “جبر الضرر ماديا” لضحايا سنوات الرصاص. وتمت الاستفادة من إخفاقات حكومة “التناوب” لوقف مسلسل التداول السياسي على رئاسة الحكومة سنة 2002. كما تم سحب البساط من الحركات الإسلامية في مسألة التأطير الديني للمواطنين والذي أسند للمجالس العلمية “الرسمية” في جميع أنحاء الوطن. وعلى المستوى الاقتصادي وخارج إطار نفوذ الحكومة، أطلقت الدولة مشاريع إستراتيجية على المستوى المتوسط والبعيد. وخلال هذه المرحلة حاولت الدولة النأي بنفسها “ظاهريا” عن الصراعات الأيديولوجية بين الأحزاب -في ما بينها ومن داخلها-، والتي كانت تمتد غالبا إلى الأوساط الشعبية وإلى الشارع أحيانا. وكان الانقسام والانشغال الحزبي عن مشاريع الدولة الكبرى التي يترأسها ملك البلاد سببا في بعدها عن واقع تدبير الشأن العام، وبالتالي إضعاف الكفاءات المتوفرة لديها. وكبديل حزبي ينسجم مع السياق العام للدولة، قام “فؤاد علي الهمة”، المستشار الملكي حاليا، بتأسيس حزب “الأصالة والمعاصرة”. وهو حزب يتكون من مزيج من أصحاب المال والنفوذ وكذلك من خريجي المدارس الأيديولوجية -المتناقضة أحيانا- بما فيها اليسارية والمحافظة. ووجود هذا الخليط المرجعي، يؤكد ان الحزب لم يكن يعير اهتماما للأيديولوجية بقدر ما كان يهتم بالنفوذ. وقد كان من أولوياته إضعاف نفوذ التيار الإسلامي في المشهد السياسي المغربي. هذا وقد أدى تراجع أداء الأحزاب الوطنية التي كان من المفترض ان تلعب دور المواكبة والمراقبة والمحاسبة للمشاريع الاقتصادية الكبرى التي أطلقتها الدولة، إلى تنامي نشاط شبكات الفساد موازاة مع تلك المشاريع. 

وقد شكل “الربيع العربي” منعطفا مفاجئا خلط الأوراق داخل المشهد المغربي. فقد كان من أهم نتائجه صدور دستور جديد  للمغرب، سمح من جديد للعودة نسبيا إلى ما كان قد دشنه الملك الراحل، بحيث دسترت مسألة ضرورة الانتماء السياسي لرئيس الحكومة، والذي يعتبر في إطار الدستور الجديد، عضوا من أعضاء مجلس وزاري يرأسه ملك البلاد. وتكون بذلك الحكومة السياسية “من الناحية التراتبية”  تحت سلطة المجلس الوزاري. في هذا السياق، كان حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي سنة 2011، الحزب الأقوى تنظيميا وشعبيا، أول متقلد لرئاسة الحكومة في شخص “عبد الإله بن كيران” في ظل الدستور الجديد، ثم في شخص “سعد الدين العثماني” سنة 2016.   فقد قاد هذا الحزب ائتلافا حكوميا، بنسختيه الأولى والثانية، يظم أحزابا ليبرالية ويسارية.

وبعد فوز هذا الحزب الإسلامي الكاسح في انتخابات 2016، ظهر فجأة  رجل الأعمال، المقرب من القصر الملكي والغريب عن العمل السياسي “عزيز آخنوش” على رأس حزب “التجمع الوطني للأحرار”. وهو حزب ليبرالي أسسه “احمد عصمان” صهر الملك الراحل في ثمانينيات القرن الماضي. وقد استعمل “عزيز أخنوش” منذ سنة 2016 كل ما أوتي من موارد مالية ونفوذ لإعطاء صبغة جديدة وعصرية للحزب تؤهله للقيام بما فشل في تحقيقه سابقه حزب “الأصالة والمعاصرة” بسبب “الربيع العربي”، وهو إضعاف نفوذ الأيديولوجية الإسلامية، وكذاك القيام بما فشل فيه حزب “العدالة والتنمية” من مسايرة للسياسات الكبرى التي تسير علبها الدولة منذ 1999. وبالرغم من علاقاته المتوترة مع الفئات الشعبية والمرتبطة أساسا بانتمائه لعالم المال والأعمال، فقد نجح “عزيز أخنوش” -إلى حد ما- في خلق دينامية جديدة داخل الحزب واستقطاب نخبة جديدة من الكفاءات ونسج شبكة من العلاقات مع أصحاب المال والنفوذ، واستطاع بذلك التفوق في حملته الانتخابية التي أقامها على الطراز الأمريكي. وقد استفاد من نقاط ضعف خصمه السياسي الأساسي المتمثل في حزب “العدالة والتنمية” :  إخفاقات وتدني شعبية الحكومة التي يرأسها خلال العشر سنوات، الصراع الداخلي للحزب، غياب الزعامة الكاريزمية بعد إقصاء “عبد الإله بنكيران”، ضعف الآلة التواصلية للحزب، الآثار الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كورونا، قانون الانتخاب ونمط الاقتراع المعقد وظروف الانتخاب الاستثنائية، وكذلك الفساد الانتخابي. كل هذه الأسباب الظاهرية بالإضافة إلى أسباب أخرى، ساهمت في تصدر حزبي “التجمع الوطني للأحرار” و”الأصالة والمعاصرة” وخسارة مدوية لحزب “العدالة والتنمية” على المستويين النيابي والمحلي (من 125 مقعد برلماني سنة 2016 إلى 13 مقعد فقط سنة 2021).

وتعتبر هزيمة حزب “العدالة والتنمية” بمثابة نكبة حقيقية لحزب كان حتى وقت قريب يتوقع أن يحتل إحدى المراتب الثلاث الأولى، فإذا به يعود إلى المربع الأول من نشأته في التسعينيات، لكن من موقف ضعف لا من موقع قوة. ولعل المثال الذي يسعف في هذا الشأن للمقارنة، ما حدث لحزب اتحاد الوسط الديمقراطي الإسباني، الذي حاز على 167 مقعدا في انتخابات سنة 1979 ليحصل فقط على 11 مقعدا في انتخابات 1982 التي كان قد فاز فيها وقتها الحزب الاشتراكي بزعامة فيلبي غونثالث. وبالعودة إلى الأحزاب المغربية التي كانت ترأس الحكومة أو تشكل عمودها الفقري، لا نجد أي مثال لهذا الانهيار. وحتى حزب “الاتحاد الاشتراكي” الذي ترأس حكومة “التناوب” سنة 1997، التي ارتفعت فيها انتظارات المغاربة مقارنة بالأداء الحكومي، وخروجه عن المنهجية الديمقراطية بمشاركته في حكومة التيقنوقراطي ” احمد جطو” عام 2002، وانخفاض أدائه السياسي في ما بعد، لم يتلقى كل هذه الخسارة (57 مقعد برلماني سنة 1997،  50 مقعد سنة 2002 و 38 مقعد سنة 2021). والمفارقة المهمة التي يجب تسجيلها ان التهاوي في نتائج الانتخابات لم يطل إلا  “حزب العدالة والتنمية”، مع أن حزب “التجمع الوطني للأحرار” المتصدر للنتائج كان موجودا ضمن الائتلاف الحكومي منذ سنة 2011 ،

وفور إعلان النتائج، تم تعيين “عزيز اخنوش” رئيسا للحكومة وانطلقت مشاورات تشكيل أغلبيتها. وقد أصبح من شبه المؤكد أن الحكومة ستتكون من حزب “التجمع الوطني للأحرار” وحزب “الأصالة والمعاصرة” بالإضافة لحزب “الاستقلال”. وهو تحالف منطقي بحكم علاقة الحزبين الأول والثاني مع القصر الملكي وعدم تناقض مرجعيتهما الاقتصادية مع الحزب الثالث.  وإذا تأكد عدم مشاركة حزب “الاتحاد الاشتراكي” اليساري في حكومة “عزيز أخنوش”،  سيكون المشهد السياسي المغربي قد “أدخل” في مرحلة هيمنة القطب الليبرالي الذي يرتبط بالدولة في النشأة ويحض بثقتها ويضمن تنفيذ مشاريعها التي بدأها قبل “الربيع العربي”. وفي المقابل، ستكون ساحة المعارضة مجالا للانقسام والصراع الأيديولوجي، خصوصا أنه لا يبدو أن  حزب “الاتحاد الاشتراكي” اليساري سيتخلى عن مشاكساته الأيديولوجية مع حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي. وهذا ما سيؤدي مستقبلا إلى إضعاف الطابع الأيديولوجي للعمل السياسي.    

 إن خسارة حزب “العدالة والتنمية”، والحالة هذه، لها بُعدان : البعد الأول يتعلق بالإحباط الشعبي من شعاراته المتعلقة بالإصلاح  ومحاربة تماسيح وعفاريت الفساد، خصوصا في ظل الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها البلاد. أما البعد الثاني فيتعلق  برغبة الدولة في تحجيمه دون شطبه تماما من الساحة لأنه لا يتماشى مع سياساتها الكبرى.

 

السياق الإقليمي.

 

عندما نتحدث عن تجربة الحزب الإسلامي المغربي “العدالة والتنمية”، يجب وضعها في سياقها الإقليمي وربطها بتجارب الأحزاب الإسلامية في الوطن العربي، انطلاقا من التجربة  المصرية مرورا بالتونسية والليبية والسورية واليمنية والجزائرية والعراقية… فقد حاولت تلك الأحزاب على طول خط الثورات أن تظهر بخطابها السياسي والإعلامي الباحث عن حالة الوسطية شعارها المرفوع دائما. وبالرغم من أنها حصدت -في زمن قياسي- انتصارات انتخابية، ووصلت إلى مناصب عليا في السلطة السياسية بعد ثورات “الربيع العربي”، كما وقع في مصر وتونس وليبيا واليمن والمغرب، لكنها جميعا لم توفق في الاستفادة من تلك النتائج

ففي مصر أطاح الانقلاب العسكري بالتجربة الديمقراطية المصرية التي أنتجتها الثورة، فأطيح بالرئيس “محمد مرسي” مرشح حزب “الحرية والعدالة” الذراع السياسي لحركة الإخوان المسلمين، من طرف “عبد الفتاح السيسسي” الذي عينه الرئيس “محمد مرسي” بنفسه في منصب وزير الدفاع. وفي تونس تخلت “حركة النهضة” الإسلامية عن السلطة في عام 2014 في خضم اضطرابات سياسية “موجهة” شهدتها تونس. وفي انتخابات 2019، وبالرغم من حصولها على النتائج الأولى وقبولها الدخول في ائتلاف مع ألد خصومها السياسيين ”حزب نداء تونس” الليبرالي، لم تسلم  من حالة النزع في 2021 باستحواذ الرئيس “قيس سعيد”، الذي دعمته خلال حملته الرئاسية، على كل مفاصل السلطة وتعطيل البرلمان. وفي المغرب، تهاوى حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي  من المركز الأول عام 2016 ب 125 مقعد برلماني إلى المركز الثامن ب 13 مقعد فقط في انتخابات 2021.. وكان هذا الحزب يقود ائتلافا حكوميا منذ سنة 2011، بنسختيه الأولى والثانية، يظم أحزابا ليبرالية ويسارية. واستطاع المكونين الليبراليين المقربين من دائرة  السلطة الحقيقية في المغرب (حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة)  من الحصول على المرتبة الأولى والثانية. وفي ليبيا تراجع التيار الإسلامي في الانتخابات التشريعية عام 2014. وأدخلت البلاد في انقسام ما زالت تعاني من آثاره حتى الآن. فبعد المحاولات العسكرية للجنرال المتقاعد “حفتر” المدعوم إقليميا ودوليا، للتشويش عسكريا على المسار الديمقراطي الناشئ في ليبيا، جاء دور أركان النظام البائد لمحاولة العودة للمشهد السياسي بعد   إعلان “سيف الإسلام” نجل الرئيس الليبي الراحل “معمر القذافي”، نيته خوض الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في ديسمبر. وفي سوريا، تفاخر الرئيس  “بشار الأسد”، المدعوم من قوى دولية وإقليمية “بفوزه في الانتخابات “الرئاسية” بنسبة 95.1% من الأصوات بعد عشر سنوات من الحروب الداخلية، وهو ما سيمكّنه نظرياً من البقاء في السلطة حتى عام 2028، على أقل تقدير.

كل هذه النماذج تشير إلى شيئين: أولهما أن العصر الذي تمكنت فيه الأحزاب الإسلامية السياسية في العالم العربي من التقاط أنفاسها والمشاركة في السياسة واكتساب السلطة بعد الثورات العربية قد يبدو وكأنه في نهاياته. وثانيهما أن الأنظمة العربية التي بدا وكأنه قد أطيح بها خلال “الربيع العربي”، ما زالت حية، وعادت للظهور للعلن كمالكة للسلطة، ولديها ما يلزم للتغلب على من يحاول تحديها أو اقتراح بديل ديمقراطي قد يطيح بها. ولهذه الغاية، طبقت الأنظمة العربية تكتيكات واستراتيجيات مختلفة للتخلص من خصومها ومنتقديها ومعارضيها. وابتدعت حلقات مفرغة يكاد يكون من الصعب الإفلات منها.

 

السياق الدولي. 

 

ارتبطت السياسة الأمريكية بالتعامل مع الإسلام السياسي في المنطقة تاريخياً، في إطار التعامل مع الإسلام في ظل عقيدة الاستقرار التي تؤمن المصالح الأمريكية الإستراتيجية، وتضمن أمن حليفتها إسرائيل وتفوقها، وفي إطار تحديد المخاطر في المنطقة بمنظور الإرهاب الذي مثلته الحركات اليسارية في حقبة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي، والحركات الإسلامية ما بعد الحرب الباردة، حيث تعاملت الولايات المتحدة مع الحركة الإسلامية المعتدلة ضد الحركات الشيوعية والقومية، ثم لاحقاً ضد الحركات الإسلامية المتطرفة ك”القاعدة” و”داعش”. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد بدأت قبل انطلاق “الربيع العربي” بالتفكير في طريقة جديدة للتعامل مع الإسلاميين، في إطار الدفع باتجاه تغيير سياسي حقيقي في الشرق الأوسط، إلا أن النقاشات داخل مجلس الأمن القومي كشفت عن عدم وجود سياسة محددة تجاه التعامل مع الإسلام السياسي، وبرز داخل الإدارة الأمريكية اعتراف واضح بأن مفهوم الإسلام السياسي ينطوي على تعددية واختلاف واسع. فأجندات الأحزاب الإسلامية متنوعة ومختلفة من بلد إلى آخر، الأمر الذي جعل تبني الإدارة الأمريكية سياسة موحدة غير ممكنة عملياً. فبعد أشهر من “الربيع العربي”، بعثت إدارة الرئيس “أوباما” برسالة واضحة بأن الولايات المتحدة سوف تتعامل مع الإسلاميين كجزء من التيارات السياسية الأخرى التي تساهم في صياغة مستقبل العالم العربي، في إطار الرؤية الأمريكية التي تؤكد على الالتزام بالتخلي عن العنف، ودعم الديمقراطية والحفاظ على حقوق المرأة والأقليات. وأبلغت الولايات المتحدة الرئيس المصري “الإسلامي” المنتخب “محمد مرسي” بضرورة المحافظة على اتفاق السلام مع إسرائيل، كشرط مسبق لتواصل التعاون الدبلوماسي بين واشنطن والقاهرة، وقد استوحت أمربكا إستراتيجيتها في التعامل مع الحركات الإسلامية من  الكيفية التي استعملتها في التعامل مع ملف الحركات الشيوعية في الغرب، ومنطقة أمريكا اللاتينية، لتفادي سقوط هذه الدول في فلك الاتحاد السوفييتي من قبل، فقد شجعت الأحزاب الاشتراكية في أوروبا لتكون سدا منيعا في وجه الأحزاب الشيوعية، ولعبت الأحزاب الاشتراكية هذا الدور بامتياز، في وقت كان المد اليساري في الستينيات والسبعينيات قويا في هذه القارة. ونجحت أمريكا في الدفع بالحركات المسلحة في أمريكا اللاتينية، خاصة أمريكا الوسطى إلى المشاركة السياسية. ورأت واشنطن في الأحزاب الإسلامية، مثل “حركة النهضة” في تونس و”العدالة والتنمية” في المغرب، نموذجا وسيناريو يحاكي دور الأحزاب الاشتراكية في مواجهة الشيوعية، وحالت واشنطن دون إقدام دول عربية على حظر أحزاب إسلامية بعدما شهدت بعض هذه الدول عمليات إرهابية إسلامية، 

لقد وجدت الولايات المتحدة في “الربيع العربي”، الفرصة المناسبة لإدماج الحركات الإسلامية في المشهد السياسي عبر صناديق الاقتراع. ف”حزب العدالة والتنمية” -مثلا-، لايمثل  اي تهديد للمصالح الغربية لا على المستوى الاقتصادي ولا على المستوى السياسي. فقد حاول هذا الحزب خلال الحكومتين التي قادها (2011–2016 و  2016-2021) التمظهر بمظهر التلميذ النجيب المنصاع للمؤسسات المالية الغربية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، دون الابتعاد عن الليبرالية في شقها الاقتصادي. كما تبنى سياسة خارجية متماهية مع الغرب، ولم يصطدم مع المؤسسة الملكية “الحاكم الفعلي في المغرب” في أي من الملفات الخارجية مثل العلاقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. بلأكثر من هذا، قبل “طواعية” التوقيع على التطبيع مع إسرائيل

لكن عندما اتضح للولايات المتحدة الأمريكية -خصوصا في مصر- أن الأمور لن تبقى على ما هو عليه فيما يتعلق ببعض القضايا الرئيسية في السياسة الخارجية، عادت إلى سياساتها التقليدية بدعم أي شخص يوجد في السلطة شرط التزامه بتأمين وحماية مصالحها الإستراتيجية. وعلى أساس هذا المنطق، لم ترغب في الدخول في مواجهة جدية ضد الانقلاب “العسكري” في مصر ولا الانقلاب “الدستوري” في تونس، ويبدو ان الأمر سيكون مماثلا بالنسبة للمغرب في ظل عدم صدور أي بلاغ صريح من طرف “حزب العدالة والتنمية” يشكك في نزاهة الانتخابات. وهو المنطق ذاته الذي جعل أمريكا تجعل من تركيا، التي يحكمها حزب إسلامي، حليفا استراتيجيا من العيار الثقيل في المنطقة، وهو المنطق الذي جعلها تسلم أفغانستان ل”حركة طالبان” الإسلامية بعد 20 عاما من الحرب، و هو كذلك المنطق الذي جعلها تفاوض “إيران” الإسلامية على تموقعها الجديد في المنطقة.

 

السياق التاريخي.

 

منذ القرن الهجري الأول، عرف العالم الإسلامي  ظهور الحزب السياسي، بل وعرف كذلك تعددا في الأحزاب كتعبير عن تنوع الاجتهادات. وقد بدأ التحزب أول ما بدأ في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث ظهر لأول مرة اسم الشيعة، وكان هذا لقب أربعة من الصحابة هم : أبو ذر وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر، إلى أن أشتهر بين موالي عليّ -عليه السلام- بعد معركة صفين. وعموما يمكن القول أنّ نشأة الأحزاب تمثلت في تاريخ الإسلام الأول في صورة حركة معارضة، وكانت تعبر عن نفسها في البداية بالاجتهاد الفقهي والسياسي وبمعرفتها بأصول الدين وبالسيرة النبوية. وبعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان شاب العمل السياسي عنف لم يعرفه من قبل. فمن صفوف “الشيعة” ظهرت حركة الخوارج التي عملت كحزب ديني سياسي، وكانت أوّل من تبنى العمل الحزبي في التاريخ الإسلامي، والذي تشعب  بعد تفاقم الصراع السياسي خلال عهد الخلافة الأموية التي أرست نظاما “شبه ملكيا” وراثيا ووجه بمعارضة شديدة من الشيعة والخوارج معا.

ويمكن إطلاق كلمة “حزب^ بمعناها اللغوي والاصطلاحي على الجماعات التي تكتّلت وتحزّبت على أساس فهم فكري أو سياسي أو عقدي معين لأحكام الإسلام عبر التاريخ الإسلامي، مثل “الخوارج” و”الشيعة”  ككتل سياسية، و “المعتزلة” و”المرجئة” ككتل فكرية جدلية، و “إخوان الصّفا وخلّان الوفا”  ككتل فلسفية فكرية. وقد كانت هذه التكتلات إما تكتلات وحركات دائمة منضبطة منظمّة كالتي ذكرناها، وإما تكتّلات وحركات مؤقتة غير منضبطة أو غير منظمّة لم يكتب لها الدوام والاستمرار، ومنها مثلا حركة “الحسين بن علي” -رضي الله عنه- (سنة 60-61هـ) وحركة “القرّاء” (سنة 63هــ) المعارضة ليزيد بن معاوية،  وحركة “التّوابين” التي نشأت كردّ فعل على مقتل الحسين -رضي الله عنه-، وحركة “الفقهاء” (سنة 81هــ) وحركة “زيد بن علي زين العابدين بن الحسين”  (سنة 121هـ)  المعارضة للحكم الأموي زمن هشام بن عبد الملك، وحركة “النّفس الزكّية”  (سنة 145هــ) المعارضة للحكم العبّاسي. وفي القرن الثامن عشر الميلادي ظهرت الحركة الوهابية المنسوبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب (1703م–1792م) في نجد، التي  خرجت على الدولة العثمانية وأسّست الدولة الوهابية\السعودية الأولى سنة 1744م. وفي القرن التاسع عشر الميلادي الذي بدا فيه ظهور ضعف الدولة العثمانية وتفكّكها، حيث استقلّ “محمد علي باشا” بحكم مصر بعد خروج الفرنسيين سنة1848م، واحتلت فرنسا الجزائر سنة 1830م وتونس سنة 1881م، واحتلت بريطانيا عدن سنة 1839م ومصر سنة 1882م، وفرضت على الخلافة العثمانية إصلاحات وقوانين غربية تضمّنها ما يعرف بـ”خطّ همايون” سنة 1856م الذي اتّخذته الدول الأوروبية ذريعة للتدخل في شؤونها. وفي هذه الظروف تفشت ظاهرة نشوء الحركات والتكتلات والجمعيات والأحزاب في العالم الإسلامي بمعناها الاصطلاحي الحديث. وهذه الحركات كانت إما حركات إسلامية وإما حركات قومية. فكان القائمون على الحركات الإسلامية يدعون إلى الإسلام بشكل مفتوح عام، ويحاولون أن يفسروا الإسلام تفسيرا يتفق مع الأوضاع التي كانت قائمة حينئذ، أو التي يراد أخذها من الأنظمة الأخرى، حتى يصلح الإسلام لأن يطبق عليها، وحتى يكون هذا التأويل مبررا لبقائها أو أخذها. في المقابل كان القائمون على الحركات القومية -العرببة والتركية-  يدعون إلى قيام نهضة على أساس قومي، بعيدا عن النزعة الدينية، وكانوا يعتمدون على شعارات القومية، والعزّة، والكرامة، والاستقلال، وما شابهها. وقد لاقت هذه الحركات القومية دعما – مباشرا و غير مباشر- من طرف الدول الاستعمارية التي كانت تطمح إلى تفتيت الدولة العثمانية الإسلامية. وإلى جانب الحركات الإسلامية والحركات القومية ظهرت كذلك حركات وطنية في مختلف البلدان الإسلامية ضد الاستعمار والظلم السياسي والاقتصادي الذي كان يسود المنطقة. وقد تميز هذا المشهد بتجاذب فكري وسياسي محتدم بين الحركات الإسلامية والحركات الأخرى التي تشتغل في الميدان السياسي.

ومنذ العشرينيات من القرن العشرين الماضي، ظهرت تيارات فكرية إسلامية متعددة من ببنها : جماعة “أنصار السنة” السلفية وجماعة “التبليغ” وجماعة “الإخوان المسلمين^. وهذه الأخيرة التي تأسست سنة 1928 بقيادة “حسن البنا” شكلت قراءة جديدة لدور الدين في المجال المجتمعي السياسي وعرفت انتشارا في مختلف دول العالم الإسلامي. وبعدما دشنت مصر في عهد الرئيس “السادات”  مسار السلام مع إسرائيل بإبرام اتفاقية “كامب دافيد” استمر “الدين الرسمي” في فقدان مصداقيته، الأمر الذي فتح المجال لانتعاش الحركة الإسلامية التي تدعو إلى إقامة الخلافة الإسلامية، ومن تم انطلاق موجة جديدة  من المواجهات المسلحة مع السلطة السياسية الحاكمة. وفي بداية الثمانينيات، استطاعت الحركة الإسلامية “الشيعية” في إيران إعطاء دفعة قوية للحركات الإسلامية بوصولها إلى السلطة بعد الثورة : حركة حماس في فلسطين  “الإخوان المسلمون في سوريا”، “حزب الله” في لبنان، جبهة الإنقاذ في الجزائر…  وقد استطاعت الحركات الإسلامية بمختلف أشكالها الانتشار في العالم الإسلامي  والتغلغل في العمق المجتمعي، حتى جاء ما يطلق عليه “الربيع العربي” الذي أظهر الأحزاب الإسلامية كمكون سياسي يمكن منحه فرصة التداول على السلطة ديمقراطيا

أما في المغرب،  فقد تميزت الحركات الإسلامية بالتنوع  في تنظيماتها وبرامجها و أساليب ممارستها للعمل الدعوي والسياسي وفكرها وخطابها. ويمكن تقسيم مسارها   منذ النشأة إلى الآن إلى ثلاثة مراحل أساسية : 1- تأسيس حركة “الشبيبة الإسلامية” سنة 1972، أول تنظيم حركي سياسي منظم يتبنى فكرا ومرجعية إسلامية ويسعى إلى إقامة دولة إسلامية. وبالرغم من أن هذه البداية شهدت قبولا “حذرا” من السلطة الحاكمة قصد خلق توازن سياسي في مواجهة الفكر اليساري،  فقد تم الحد من هذا التنظيم الجارف باعتقال معظم قياديه و هروب زعيمه “عبد الكربم مطيع” نحو الخارج، والحكم عليه غيابيا في بداية الثمانينات. 2- التصدع والانشقاقات خلال الثمانينات في صفوف الحركة الإسلامية بعد سحق تنظيم “الشبيبة الإسلامية”،لاسيما مع بروز أفراد منها تدعو إلى مراجعة ونقد ذاتي لتصحيح توجهاتها الأيديولوجية و أهدافها، مما ترتب عنه تغيير خيارها الانقلابي لصالح العمل ضمن إطار المؤسسات الشرعية. 3- الاندماج الذي وحد بين حركة الإصلاح و التجديد و رابطة المستقبل الإسلامي -خلال التسعينيات- تحت لواء تنظيم  جديد اسمه “حركة التوحيد و الإصلاح” والذي التزم باحترام المؤسسات و الثوابت،  الشيء الذي مكن أعضائه من ولوج العمل السياسي العلني تحت مظلة أحد الأحزاب المرخص لها “حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية”، والذي أصبح يسمى في ما بعد ب “حزب العدالة والتنمية”. وحسب ورقته المذهبية، فهو حزب سياسي وطني يسعى -انطلاقا من المرجعية الإسلامية وفي إطار الملكية الدستورية القائمة على إمارة المؤمنين- إلى الإسهام في بناء مغرب ديمقراطي حديث، مزدهر ومتكافل، مغرب يعتز بأصالته التاريخية ويسهم -إيجابا- في مسيرة الحضارة الإنسانية. وقد دشن هذا الأخير مشاركته في الانتخابات التشريعية سنة 1997 وحصل على ما مجموعه 14 مقعد برلماني. بعد ذلك أخذ عدد مقاعده في البرلمان في تصاعد مستمر : 42 مقعد سنة 2002،  52 مقعد سنة 2007، 107 مقعد سنة 2011،  125 مقعد سنة 2016، و12 مقعد فقط سنة 2021. و منذ 2011 وهو يترأس الحكومة المغربية المكونة من أحزاب متعددة، حاول في هذه الفترة التأقلم مع الممارسة الحكومية وطبيعة النظام الحاكم، لكن نتائجه الانتخابية الأخيرة تؤكد فشله في ذلك. هذا وتجدر الإشارة أن الساحة السياسية المغربية تعرف كذلك أحزابا إسلامية أخرى، منها من ليس له امتداد شعبي واسع كحزب “النهضة” ومنها من لايزال في مرحلة النضال من أجل الترخيص القانوني ك”حركة العدل والإحسان” وحزب ^الأمة^ وحزب “البديل الحضاري” و”الشيعة” و”السلفيين”.

وانطلاقا من هذا المسار التاريخي، يمكن وضع الأحزاب الإسلامية في العالم الإسلامي عامة والمغرب خاصة في إطار الدينامية السياسية التي عرفتها الأمة التي يدين غالبيتها بالدين الإسلامي الحنيف.

 

تطلعات المستقبل.

 

حين يتم التطرق لمستقبل الأحزاب الإسلامية، سيكون من المنطقي طرح التساؤلات الآتية  :

 هل ستبقى الأحزاب الإسلامية رقما صعبا في المعادلات السياسية على الساحة العربية والعالمية، اعتمادا على تجدرها وتجدر مرجعيتها في مجتمعاتها؟ 

 هل ستكون تجارب الأحزاب الإسلامية خلال ما بعد “الربيع العربي” محفزا لها لاتخاذ أبعاد جديدة للتعامل مستقبلا وفق استراتيجيات مختلفة؟

 بعد الدروس البليغة، هل ستعيد الأحزاب الإسلامية النظر في طبيعة تحالفاتها وشراكاتها السياسية، مما سيمكنها من التعاطي مع ظروف المرحلة المستقبلية؟

 في المقابل، هل ستدرك الاتجاهات السياسية الأخرى ضرورة فهم قواعد المشاركة السياسية والتعامل مع الأحزاب الإسلامية على قاعدة التكافؤ في ظل فرص وتحديات سياسية لها قواعدها. بدلاً من وقف دائرة المشاركة السياسية على طرف واحد، الأمر الذي يدفع الآخر إلى العودة للعمل السري أو التطرف بشتى أشكاله؟

أسئلة ستتم الإجابة عنها -حتما- خلال السنوات القليلة القادمة.

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد