التأمل وسيلة ناجحة لتغيير وظائف الدماغ

بقلم د. مبارك أجروض

تعتبر ممارسة رياضة التأمل من الممارسات التي من شأنها التقليل من شيخوخة الدماغ التي تصيب البشر مع التقدم في العمر الذي يؤثر على وظائف الجهاز العصبي المسؤول عن معالجة المعلومات. ولقد بين الباحثون بكلية “ديفد جيفن” للطب بجامعة كاليفورنيا في دراستهم التي نشرت في دورية “حدود علم النفس”، أن التأمل يحافظ على المادة الرمادية في الدماغ، وهي الأنسجة التي تحتوي على الخلايا العصبية المسؤولة عن معالجة المعلومات، وتتآكل تلك المادة كلما تقدمنا في العمر.

ولكشف العلاقة بين التأمل وشيخوخة الدماغ، راقب الباحثون مائة شخص، تراوحت أعمارهم بين 24 و77 عامًا، وكان نصفهم قد مارسوا رياضة التأمل مدة تراوحت بين 4 و46 عامًا، أما النصف الآخر فلم يمارس تلك الرياضة. وقام الباحثون بفحص أدمغة المشاركين في الدراسة باستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي، ووجدوا أن المجموعة التي مارست رياضة التأمل حافظت على المنطقة الرمادية في أدمغتها على نطاق واسع حتى مع التقدم في العمر، بالمقارنة مع من لم يمارسوا التأمل.

من هنا فإن التأمل يعتبر من الممارسات الرياضية القديمة، كما سبق ذكره، التي تعود بالنفع على الحالة النفسية والذهنية، وقد ثبت بالفعل أنه يحظى بتأثيرات كبيرة على كل من الجسم والدماغ؛ إذ تبين أنه قد يتسبب في حدوث تغيرات هيكلية إيجابية داخل الدماغ، يساعد على تحسين المؤشرات الحيوية الصحية ويفيد في تغيير الأنماط الخاصة بنشاط الدماغ.

* تعريف التأمل

التأمل هو ممارسة يستعين فيها الفرد بطرق معينة كطريقة اليقظة أو طريقة تركيز الذهن على شيء، فكرة أو نشاط بعينه، لتدريب الوعي والانتباه وتحقيق حالة من الصفاء الذهني، الهدوء العاطفي والاستقرار. رغم وجود عدة أنواع مختلفة من رياضة التأمل، لكن هناك 5 طرق رائجة يمكن اتّباعها وتحقيق أقصى استفادة منها، هي:

ـ تأمل اللطف المُحِب

يشجع هذا التأمل على الانخراط في تمارين اليقظة وتمارين النفس العميق بهدف الانفتاح على تلقي اللطف المحب من الآخرين وإعادة إرساله مرة أخرى في المقابل.

ـ التأمل المتسامي

ينطوي على تكرار نطق كلمة أو صوت ما في صمت لمدة تتراوح ما بين 15 ـ 20 دقيقة في اليوم بهدف زيادة التركيز، وعادة ما يجلس خلاله الأشخاص وعيونهم مغلقة.

ـ تأمل التخيل الموجَّه

يقوم خلاله المدرب أو المعالج بقيادة الجلسات ويطلب من الممارسين تخيل صور إيجابية.

ـ تأمل تكرار العبارات

ينطوي على استخدام طريقة “تكرار العبارات أو الكلمات” لزيادة التركيز وتحديد النوايا.

ـ تأمل وضعية الجلوس

يعود أصله لعلم النفس البوذي وهدفه هو تنظيم الانتباه.

* للتأمل يغير وظائف الدماغ

أظهرت الدراسات أن بمقدور التأمل زيادة كمية المادة الرمادية في الدماغ، ومعروف أن تلك المادة تلعب دورا في الحركة والإدراك الحسي، بما في ذلك العواطف، اتخاذ القرار، الكلام والسمع، علما بأن الإنسان يفقد تلك المادة كلما تقدم في السن. ولهذا لا يعمل التأمل على تحسين مستوى المادة الرمادية الحالي في الدماغ فحسب، بل يساعد أيضا في الحفاظ على صحة تلك المادة في سنوات العمر اللاحقة.

ووجدت الدراسات نفسها أن التأمل يعمل في الوقت ذاته على زيادة سمك قشرة منطقة الحصين في الدماغ، علما بأنها المنطقة المسؤولة عن تنظيم العواطف والذاكرة، كما ثبت أنه يقلل حجم اللوزة الدماغية المسؤولة بالأساس عن الخوف والتوتر. واتضح أن التأمل يمكن أن يُغَيِّر النشاط الحاصل في الدماغ، أو ما يعرف بالمرونة العصبية، التي يمكن تعريفها بأنها قدرة الدماغ على إعادة تنظيم نفسه عبر تكوين روابط عصبية جديدة طوال الحياة. وبمعنى آخر، يمكنه تغيير الطريقة التي تفكرين بها والطريقة التي تستجيبين بها من الناحية العاطفية، وهو ما تم إثباته وفقا للدراسات.

* كيفية البدء في ممارسة رياضة التأمل

عند البدء في ممارسة رياضة التأمل، يمكن للفرد البدء على نطاق محدود أو صغير، حيث يمكنه البدء ببضع دقائق في اليوم، ومن ثم زيادة المدة حتى 15 دقيقة أو أكثر. ويمكن تحويل الممارسة لرياضة التأمل مع مرور الوقت إلى عادة ضمن الروتين اليومي؛ إذ يمكن للفرد ممارستها بعد الاستيقاظ مباشرة أو بعد الانتهاء من الاستحمام، وينصح دوما باختيار توقيت ومكان مناسبين كي يكون تحقيق أقصى استفادة مضمونا.

 

 

 

 

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد