تونس الخضراء : الحنين إلى “الزعيم المنقذ”

بقلم الدكتور خالد علمي

 في ظل أزمة سياسية وصحية واقتصادية خانقة، أعلن الرئيس التونسي قيس سعيّد  يوم 25 يوليوز 2021 مجموعة من القرارات الرئاسية بدءا بإعفاء رئيس الحكومة وتجميد البرلمان وتولي النيابة العامة وإقالة مجموعة من المسؤولين  وانتهاءا بوضع السلطات التنفيذية والأمنية والقضائية تحت مسؤوليته المباشرة. وقد وصفت هذه الخطوات  في نظر البعض بـ”الانقلاب” فيما رآها آخرون بأنها “خطوة تصحيحية” لمسار سياسي راكم الفشل منذ عقد من الزمن، يتحمل مسؤوليته البرلمان والحكومة حسب خطاب الرئيس قيس سعيد. وللإشارة فقد سبق ان أعلن موقع “ميدل إيست آي” البريطاني أنه قد حصل على وثيقة مسربة من مكتب مديرة الديوان الرئاسي نادية عكاشة، يعود تاريخها إلى 13 ماي 2021، تتحدث عن تدبير انقلاب في تونس

وبغض النظر عن قانونية الإجراءات ومدى حسن نية من قام بها، فلا يمكن اعتبار ما جرى إلا “انحرافا” واضحا عن المسار الديمقراطي الذي توافقت عليه القوى السياسية بعد ثورة يناير 2011. لأن الأزمات السياسية أو الاقتصادية أو الصحية عاشتها كذلك العديد من الدول الديمقراطية وتم تخطيها دستوريا في أقصى الحالات بانتخابات سابقة لأوانها تعاد بها لحمة الشعب ويتم بها تأكيد وترسيخ المسار الديمقراطي.

 

سياق إقليمي داعِم.

 

انتابت حالة من التفاؤل  شعوب دول ما سمي ب “الربيع العربي”بعد 2011. حيث انتظرت الشعوب مشروعًا تنمويًا حقيقيًا على مستوى البلدان، خاصة أن البطالة كانت ولا تزال في المنطقة العربية عند أعلى معدل بين مناطق العالم، سواء بين الكبار أو بين الشباب، حيث تشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2020، إلى أن النسبة تصل إلى 15.9% من قوة العمل، أي وجود 25.6 مليون عاطل من العمل، وترتفع النسبة بين الشباب لتصل إلى 37%. أما معدلات الفقر، فيشير التقرير نفسه إلى بلوغها نسبة 15.7% من إجمالي السكان، وفق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد (يشمل هذا المؤشر الدخل، والصحة، والتعليم، والأمن، والبنية الأساسية)، فضلًا عن حالة الرغبة الجامحة في الهجرة خارج المنطقة العربية لفقدان الأمل في حياة كريمة. وللأسف، لم تدم حالة التفاؤل تلك كثيرًا، حيث كانت الثورات المضادة بالمرصاد لثورات الربيع العربي، سواء بمساعدة الجيوش، أو بالسعي لإحداث حالة اقتتال وحروب أهلية. وقد وظف في ذلك ما يعرف بالمال السياسي،  فقد تم دعم الجيوش للقيام بانقلابات عسكرية، كما حدث في مصر والسودان وليبيا، وإفشال التجربة الديمقراطية في اليمن، وإزكاء روح الحرب الأهلية في سورية. فزادت بذلك معدلات الفقر في المنطقة بشكل كبير، وأصبحت المنطقة من أكبر مناطق العالم تصديرًا للمهاجرين ومعاناة للنازحين.  ولم يتوقف الأمر على المال السياسي في دعم الصدام والانقلابات العسكرية، ولكن استخدمت كذلك أدوات القوة الناعمة، من إعلام، وشركات علاقات عامة، لتصدير حالة من اليأس والقنوط لدى الشعوب العربية تجاه الممارسات الديمقراطية، والعمل على تلميع قادة الجيوش، ورموز الديكتاتورية، وربط المساعدات والقروض بمجيء دعاة الديكتاتورية للسلطة. كل ذلك كان بتنسيق بين الجيوش، والدولة العميقة التي أنشأتها النظم الديكتاتورية ما قبل ثورات الربيع العربي. ففي تونس حرصت الدول خليجية على استمرار حالة الاختناق المالي على مدار 10 سنوات منذ 2011، حيث عانت تونس من أزمات مالية حادة اضطرتها للجوء إلى المؤسسات المالية الدولية، والحصول على العديد من القروض الخارجية، التي أرهقت الموازنة العامة للدولة. ولم تتوانى تلك الدول الخليجية في محاولة التأثير على مجريات الانتخابات الرئاسية التي شهدتها تونس في عام 2014، من خلال الوعود التي قدمت في مؤتمر الاستثمار بتونس بإنشاء مناطق صناعية كبيرة، وتجمعات خدمية وخلق مناصب شغل عديدة. لكن هذه الوعود تبخرت بعد الانتخابات الرئاسية، ولم تحظ منها تونس بأي شيء، على أرض الواقع، حتى في ظل معاناة تونس من أزمة كورونا، وذلك بسبب مناهضتهم للتيار الإسلامي السياسي (حزب النهضة) الفائر  في الانتخابات.

 

سياق داخلي مشجِّع،

 

 جاءت إجراءات الرئيس التونسي قيس سعيّد المستجدة بعد أشهر من التوتر في علاقته مع رئيس الحكومة هشام المشيشي والبرلمان ورئاسته. إذ كان من الواضح أن الرئيس حسم موقفه من حكومة هشام المشيشي منذ التعديل الوزاري الذي صادق عليه مجلس النواب والذي أقال بموجبه المشيشي ما عرف بوزراء “الرئيس” في حكومته. فالرئيس هو من كان قد اختار المشيشي بنفسه متجاوزا بذلك مقترحات الأحزاب للشخصيات المرشحة لهذا المنصب. ولكنه رأى في ارتماء المشيشي في أحضان الائتلاف الحاكم المكون بالخصوص من حزبي النهضة وقلب تونس “خيانة”  للتكليف. الشيء الذي جعله يرفض في ما بعد أداء الوزراء الجدد اليمين أمامه ما منع تسلم مهامهم ليجد المشيشي نفسه مضطرا إلى تكليف عدد من الوزراء الذين حافظوا على مناصبهم بتسلم الوزارات الشاغرة، فيما تولى بنفسه إدارة وزارة الداخلية. وقد حاول الائتلاف البرلماني الحاكم تجاوز هذا المأزق من خلال تعديل قانون تشكيل المحكمة الدستورية بغية منع احتكار الرئيس لتأويل المواد الدستورية. لكن الرئيس رد القانون إلى البرلمان متعللا بتجاوز الآجال الدستورية للمصادقة على هذه المؤسسة التي يخول لها تأويل النص الدستوري. وزاد قي تعقيد الموقف رفض الرئيس وساطة نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل لفك الانسداد السياسي الحاصل في صلب مؤسسات الحكم، باشتراطه عدم مشاركة من يصفهم بـ”الفاسدين  .

من جهة أخرى، لم يكن لصدور الدستور الجديد لتونس سنة 2014 مع ما رافقه من توافق بين المكونات السياسية، أي تأثير على السلم الاجتماعي والازدهار الاقتصادي. الشيء الذي نتج عنه سنة 2019 وصول الأستاذ الأكاديمي المتقاعد قيس سعيد إلى كرسي الرئاسة بدون أي تجربة سياسية وهو المعروف بنقده اللاذع للطبقة السياسية خلال فترة صياغة الدستور. وخلال رئاسته منذ 2019، لم يتخل عن رفضه لنظام الحكم شبه البرلماني الذي يتمتع فيه مجلس النواب بصلاحيات واسعة بدءا باختيار الغالبية البرلمانية لرئيس الحكومة وصولا إلى منحه الثقة، وهو موقف يعبر عن تفضيله للنظام الرئاسي الذي يقترح أن يرافقه مجلس تشريعي منتخب محليا على الأفراد –شبيه بنظام اللجان الشعبية الذي بناه معمر القدافي في ليبيا من قبل-، وليس على القوائم الحزبية والمستقلة كما هو عليه الحال الآن.

هذا وقد شجع الرئيس -الأستاذ كما يلقبونه أنصاره- المتشبع بالأستاذية والمؤمن بالسلطوية الرئاسوية على أخذ المبادرة يوم 25 يوليوز، فشل حكومة المشيشي في التعامل مع جائحة كورونا التي شلت الاقتصاد وأظهرت هشاشة المنظومة الصحية، وكذلك نجاح تحركاته الدبلوماسية الناجحة لجلب ملايين اللقاحات وأطنان من المساعدات والتجهيزات الطبية. فتم إخراج المبادرة كاستجابة للمظاهرات الاحتجاجية التي خرجت في مختلف مناطق البلاد في نفس اليوم والتي نددت بالأساس بالمشيشي وحزب النهضة،

 

اجتهاد دستوري مُؤَطِّر،

 

يمكن اعتبار النظام الدستوري التونسي نظاما شبه برلماني تتكامل فيه اختصاصات الرئاسة والبرلمان والحكومة. ومعروف ان الرئيس التونسي لم يكن مرتاحا لتوزيع السلطات وإعطاء هذا القدر من المكانة للمؤسسة البرلمانية والتنفيذية. وقد اعتمد هذا الأخير في خطواته الاستثنائية على الفصل 80 من الدستور التونسي. ويشترط في اللجوء إلى هذا الفصل تعرض البلاد لخطر داهم مهدِّد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها ويتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة. وهو شرط يصعب إثباته في واقع تونس حاليًّا. فلو كانت أزمة كورونا او التطاحنات السياسية في البرلمان أو الإخفاقات الحكومية تعتبر خطرا داهما لاعتمدت جل بلدان العالم الإجراءات الاستثنائية ولأغلقت برلماناتها ولأقالت حكوماتها. ويضاف إلى هذا الشرط ولو شكليا استشارة رئيس الحكومة والبرلمان ورئيس المحكمة الدستورية، وهو ما لم يقع، خصوصا وأن الرئيس كان قد رفض من قبل التوقيع على قرار تشكيل المحكمة الدستورية التي تعتبر المرجع القانوني في الفصل في الإشكالات الدستورية. بمعنى أن قرار الإجراءات الاستثنائية اتخذ بشكل فردي من طرف الرئيس. وهذا يتناقض مع المعايير  الدستورية أولًا و المعايير الأخلاقية ثانيا. فقد أصبح الرئيس بهذه القرارات هو رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والنائب العام، كما أن النص الدستوري الذي استند إليه لا يوضح التدابير الاستثنائية الرامية إلى ضمان العودة إلى العمل المنتظم للسلطات العامة في أقرب وقت ممكن، أي إنه ليست هناك خريطة عمل واضحة وأن القرارات مفتوحة على مجهول.

 

شخصية الرئيس اللغز.

 

بعد الثورة التونسية في 2011، تعاقبت سنواتٌ مليئة بالأحداث والتقلبات، انصرفت فيها النخب السياسية والحزبية التونسية إلى خوض معارك انتخابية وسياسية على أصعدة مختلفة، بينما سلك قيس سعيد “أستاذ القانون الدستوري المتقاعد”  طريقا آخر، قضاها بعيدا عن تونس العاصمة، مركز الحياة السياسية والاقتصادية والإعلامية، متنقلا بين المدن والمناطق النائية محاضرا ومتواصلا مع الشباب والفئات التي كانت تتسع الفجوة بينها وبين النخب والزعماء السياسيين.  وسيكتشف الرأي العام المحلي والخارجي، بعض ملامح شخصية قيس سعيد بعد ثماني سنوات، وهو يتصدر المنافسة في الانتخابات الرئاسية، ثم يفوز فيها بأغلبية ساحقة تفوق 72 في المائة، في مواجهة منافسه نبيل القروي زعيم حزب “قلب تونس”، الذي يعتبر نتاجا للمنظومة السياسية والإعلامية البائدة و كان متهما بقضايا فساد. فقد وصل قيس سعيد إلى قصر الرئاسة اعتمادا على أصوات فئات واسعة من الشباب وشرائح اجتماعية صوتت عقابيا ضد المنظومة الحزبية بأكملها. وهو في نظر ناخبيه، كما هو حاليا، لدى فئات واسعة من التونسيين بحسب مؤشرات استطلاعات الرأي، مختلف عن باقي مكونات المشهد السياسي أحزابا وزعماء، بعذريته السياسية ويتميز بنظافة اليد والاستقامة. ولذلك فهو بالنسبة لهؤلاء بمثابة المنقذ من المنظومة السياسية والحزبية التي تدير شؤون البلاد منذ الثورة، وتلاحقها تهم الفساد والفئوية الضيقة. ولم تكن خطبه السياسية الغزيرة ولا أنشطته في الحياة العامة ولا مساهماته الأكاديمية، كافية للمراقبين للإلمام بملامح شخصية الرئيس التونسي وتوجهاته. ولم تسعف خرجاته الإعلامية في وسائل الإعلام العمومية ومقاطع الفيديو التي تبث على صفحات رئاسة الجمهورية في مواقع التواصل الاجتماعي، في تفكيك خطاب الرئيس سعيّد. ومن ثم بدأ محللون يتابعون طريقة إدارته للحكم مع كثرة التغييرات ونوعية الشخصيات التي يعينها في ديوان الرئاسة وفي المناصب السيادية التي يخولها له الدستور، مثل وزارات الدفاع والخارجية. وحتى رئيس الحكومة الحالي الذي اختاره الرئيس بنفسه، عاد واختلف معه حول اختيار بعض الوزراء. فقد كان الرئيس يفاجأ المتابعين للشأن التونسي بتصريحات لا تخلو من الغموض وقابلة للتأويل على أوجه مختلفة. إذ تحدث أحيانا عن “مؤامرات” تحاك ضده و”خيانات”، و”شراء ذمم”، وولاء لقوى “الاستعمار والصهيونية”… واتهم فئات من الساسة المحليين بنهج أسلوب “الغرف المغلقة”، وهدد أحيانا ب “كشف كل الحقائق” في الوقت المناسب، كما يقول، دون الإعلان عن تلك الجهات المقصودة.  فعلى المستوى الداخلي، وبالرغم من مساندة حزب النهضة لحملته الرئاسية، فقد انقلب الرئيس عليها وأصبح الخصم اللدود لها على مستوى تدبير المؤسسات. وعلى المستوى الخارجي، ومع أن علاقاته الخارجية تبدو محدودة، فقد برزت للعلن بعض التناقضات مع ما كان قد أعلن عليه خلال حملته الانتخابية في ما يخص القضايا الدولية، وكان أبرزها تصريحاته الملطفة الأخيرة فيما يخص الموقف من التطبيع مع إسرائيل الذي كان يعتبره “خيانة” من قبل،  والموقف من الاستعمار الذي أصبح يعتبره “حماية” لا تستحق الاعتذار  من المستعمر

كل هذه الوقائع تكرّس الانطباع السائد عن الغموض الذي يحيط بأسلوب حكم الرئيس قيس سعيّد. ففي الوقت الذي يسعى فيه هذا الأخير للحفاظ على صورته لدى الرأي العام الشعبي كرجل مستقيم وزاهد في المصالح المادية ونمط حياة البذخ أو أسلوب الساسة التقليديين في البلد، ما يزال في نظر وسائل الإعلام المحلية والطبقة السياسية شخصية من الصعب التنبؤ بما يصدر عنها. وقد كانت الإجراءات التي قام بها يوم 25 يوليوز  بدون استشارة المؤسسات الدستورية خير دليل على ذلك.

 

حنين شعبي ل “الزعيم المنقذ”.

 

عرف الشارع التونسي منذ مطلع سنة 2021 موجة من الاحتجاجات الشعبية تركزت حول الأداء المتدني للحكومة والأحزاب السياسية والنخب في المجالات التي تؤثر في المعاش اليومي والتي كان آخرها فشل الحكومة الدريع في مواجهة الموجة الأخيرة للكوفيد-19. فقد مهدت هذه الاحتجاجات لترحيب شق واسع من التونسيين بقرارات الرئيس قيس سعيّد التي سحب بها جميع  السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية  من النخب السياسية استنادا لتأويله لأحد مواد الدستور التوتسي. إذ خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع مباشرة بعد إعلان قرارات الرئيس احتفالا بما يرونها نهاية لجبل من الأزمات السياسية التي استعصت عن الحل.

 واستنادا لهذا المشهد، يتأكد لنا ان منطق “الزعيم المنقذ” لم يتحطم بعد في أذهان الجماهير والنخب على السواء. فمنهم من يراهن على قدرات ” الزعيم المنقذ” الخارقة في تخليصهم من الواقع واحباطاته، ومنهم من يراهن على استرجاع ما ضاع من النفوذ والسلطة عقب ثورة 2011 ، ومنهم من يراهن على حماية النمط  المجتمعي “الحداثي” من خطر ما يسمونه “الرجعية الظلامية” الإسلاموية، ومنهم من يراهن على إقصاء ومحو خصومه من الساحة السياسية. بين كل هذه المراهنات، تعجز الجماهير والنخب العربية عموما والتونسية خصوصا من التخلص من عقدة “الزعيم المنقذ” الكاريزمي الذي يمثل بالنسبة لهم الجسر الذي يوصلهم لأهدافهم وطموحاتهم، بالرغم من أن الجميع يصدح بالديمقراطية وتطوير الحياة السياسية. إنها أسطورة الزعيم الملهم والقائد المنقذ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الذي يملك سحر البيان، يكشف المؤامرات ويتغلب عليها، ينتصر على الأعداء ويحمي الحمى … الكاريزما التي سرعان ما تتحول إلى ديكتاتورية، والتي طالما كرستها نخب سياسية وإعلامية في العالم العربي وأسقطتها “إلى حد ما” ثورات الربيع العربي.

 إن مسار البناء الديمقراطي يقتضي بناء وهيكلة الدولة المؤسساتية والدستور  والقوانين ومنظومة سياسية فاعلة ومحررة عن الأشخاص، يمكنها أن تدير الشأن العام بفاعلية وعدل، وفي فلكها يدور الحكام ويلتزمون بحدودها. وكما في الديمقراطيات الكبيرة، فإن المشاكل الصغيرة منها  والكبيرة تحل بالاعتماد على كفاءات مؤسسات الدولة والأحزاب والنقابات والهيئات ومراكز البحث والنخب، وليس فقط على عبقرية “الزعيم المنقذ“.

 

ترقب حذر.

 

مع الرغم من أن الرئيس التونسي حدد إجراءاته الاستثنائية بمدة زمنية قصيرة، وحاول عبر تصريحاته طمأنة المواطنين بعدم رغبته في إعادة إحياء النموذج الديكتاتوري في الحكم، لكنه في الوقت ذاته لم يعلن لحد الآن عن أي خارطة طريق واضحة تسير عليها هذه المرحلة الاستثنائية. وفي ظل هذا الغموض، وبدون الدخول في مسألة حسن نية الرئيس من عدمها، يجب التنبيه إلى أن القرارات الانفرادية ستكون تجاوزا جسيما في حق الشعب التونسي “منارة الثورات العربية” الذي يستحق جني ثمار تضحياته. فإن كانت الإجراءات المتخذة قد جاءت بإيحاء من أطراف خارجية، فإن ما يقع في ليبيا وسوريا واليمن خير دليل على النتائج الكارثية التي تنتظر الشعب التونسي “لاقدر الله”. وإن كانت الإجراءات المتخذة جاءت انطلاقا من اجتهاد قانوني دستوري، فإن النخب التي يعول عليها في تنفيذ هذا الاجتهاد يجب ان تكون معروفة عند الشعب وموثوق بولائها للوطن وقادرة على إيجاد الحلول الجذرية للمشاكل. وما النتائج التي آلت إليها الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مصر لخير دليل على مخاطر الاستفراد بالقرار والاعتماد على النخب الانتهازية.

وفي الختام يمكن القول أن الرئيس التونسي ربما يكون قد أخرج تونس من حالة “الجمود” السياسي، إلا أن المطلوب هو أن يرى الناس خريطة الطريق التي سينفذها هذا الرجل الذي انفرد بالعمل من أجل حل أزمة غير مسبوقة. فالعودة للوضع السياسي لما قبل ثورة 2011 هو أمر لن يقبله الشعب التونسي وسوف لن يؤدي إلا إلى مزيد من المعانات والتخبط والأزمات.

 

اللهم احفظ تونس الخضراء واجعلها بلدا آمنا.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد