عبد الكريم العزي
أما في الحديث فلا تأتي مناسبة من المناسبات يندفع فيها كتاب العرب إلى تقدير الذكر العالمي إلا ونلاحظ اهتمام المفكرين وحملة الأقلام بتعليل قصور العربية الحديثة في الميدان الإنساني العام، وأخص المناسبات التي يثور فيها الجدل حول هذه النقطة ( جائزة نوبل) التي أصبحت اكبر رمز للشهرة الأدبية العالمية . ونحن مع اعتبارنا لقيمة هذه الجائزة لا نغالي حتى نصل إلى جعل منحها اصدق حكم على عظمة الإنتاج والمنتجين في الآداب والتفكير، وكثير من الأدباء الذين وسع ذكرهم السماء والأرض لم يؤثر في إنتاجهم عدم حصولهم على الجائزة الكبرى، باستثناء الأديب العربي الوحيد نجيب محفوظ الذي حصل على الجائزة نوبل عام 1988 ويعتبر الروائي نجيب محفوظ واقعيا ، كتب لغاية 1988 أكثر من 33 رواية 13 مجموعة قصص صغيرة في الجرائد والمجلات المصرية والعربية، وأكثر من 300 مقاله.وعمل حوالي 400 حوار صحفي. وله 40 كتاب وفصول عنه أكثر من 200 كتاب.
ولا يمنعنا هذا الاعتبار من مطالبة أدباء العرب بالعمل لإحراز جوائز عالمية في الأدب والشعر والفن وعلوم أخري .
لابد أن نضيف هنا إلى ما سبق نقصا آخر يحول بين اللغة العربية وتخطي حدودها الحالية : وهو ان كتاب العرب المعاصرين لم يكتبوا إلا اقل القليل مما يستحق الإقبال علية خارج الأقطار العربية، وكثير من هؤلاء يحسب أن الشهرة العالمية يمكن أن تقتنص بالكتاب في الموضوعات العالمية حتى تراه يغرق في تقليد ما كتبه الغربيون إغراقا لا يعطيه أي مركز، ولا يناله أي ذيوع ، ويغفل كل الغفلة عن الكتابات التي أظهرت أصحابها على منبر العظمة الإنسانية، وعن كون هذه الكتابات في الغالب كانت كتابات محلية، لارتباطها الأساسي بالوسط الذي عاشت فيه تلك الشخصيات وتأثرت به في تكوينها الداخلي وإنتاجها الخارجي . وهؤلاء الكتاب الذين حازوا على جائزة نوبل في السنوات الأخيرة جميعهم عانقوا الإنسانية بعد أن عانقوا قرائهم، وكسبوا الإعجاب نوعا من اهتمامهم بتحليل ميول الفرد. وأية إلمامة بكتب بنونين ووصفه الدقيق لحياة (ألمخيك) الفلاح الروسي وقصص بنارديو والهزل اللاذع الذي يرسله على السنة شخصيات الروايات المحلية تعطينا اقوي دليل على ما قدمنا ومثل هذين كثيرون ، من أهمهم : تولستوي وزولا وأناتول فرانس، فاعترافاتهم الشخصية وتصويرهم للطبقات المحيطة بهم هي الأعمدة الأساسية التي اعتمدوا عليها في الصعود لقمة الشهرة.ومن الغريب في هذا الباب أن بعض الكتاب والشعراء والقصصيين لم تكفهم كتاباتهم لسير اسمهم ، بل أخذت بيدهم الظروف حتى اشتهروا وعلا ذكرهم في الآفاق ، ومن هؤلاء من يحسب ان عالمية موضوعاتهم هي المصدر الأول لذيوع ما وضعوا، والواقع غير ذلك، ومن بينهم بلاسكو ايبانييس الذي اشتهر في العالم في القرن الماضي اجمع بكتابة(فرسان ابو كاليبسيس الأربعة) ، وعد كتابة هذا أحسن قصة وضعت عن المجزرة العالمية الكبرى، مع إن له من الكتب ما هو أعظم وامتن منه. وإذا
عرف ان بلاسكو ابانييس كان من إلا لسنة الاسبانية القوية في الدفاع عنهم وإظهار شرعية حقهم ظهر بسبب شهرته بذلك الكتاب الذي كله دعاية للحلفاء .واعترف النقد بعد قصة (الكوخ) التي يصف فيها أجنة بلينسيا وحياة مزارعها وما يقوم بينهم من مشاكل ونزاع حول الأرض وغلاتها هي أعظم قصة كتبها وهي أحق من غيرها بإعطائه الخلود. لا نريد من هذا النصح بإهمال الموضوعات العالمية أو سلب القيمة عنها، كلا، وإنما نريد أن نلفت كتاب وأدباء العرب إلى أنفسهم وأوساطهم . فالكتاب التي لها علاقة بحياتهم وحياة طبقات مواطنيهم كالعامل والصانع والزارع ورجال الدين والمترفين والفقراء والأتقياء والفساق وتحليل غرائزهم والتعمق في سير نزعاتهم ووصف عواطفهم وأنواع شعورهم ، وبحث القضايا الأساسية التي تهم المجتمع في كل قطر من الأقطار العربية، هي الكتابة التي يمكن أن تضمن الخلود ، وهي الباب الوحيد الذي اذا فتحنناه استقبلنا رياض التجديد ، وليس وراءه فقط الشهرة العالمية، بل النفع الخاص الذي يعود على الأمة العربية بمعرفة نفسها. فلا ننس مطلقا أن الإنسان هو الإنسان أينما كان ويكون وفي أي عصر عاش وإذا اختلفت بعض مظاهر الحياة فإنما تتفق في لبها. ومعرفة الإنسان بذاته وفي علاقاته مع غيره هي موضوع الخلود وشيوع الذكر، وكتاب العربية لا ينقصهم الآن شيء كما ينقصهم هذا الموضوع. فوفرة الإنتاج، وسعة اللغة، والتضحية والنضال في سبيل نشرها ، تمكننا من رؤية لغتنا العالمية كغيرها من لغات الأرض العظيمة ، ولغتنا بذلك جديرة ورسالتها خالدة.