الميلودي الوريدي:
يورد محمود درويش في مقاله: “رأي في شعرنا” المنشور في مجلة “الجديد” التي كانت تصدر من مدينة “حيفا” الفلسطينية:
(حنين الغريب وراء الأسلاك الشائكة.. إلى حبة تراب من أرضه المسلوبة..
الشهداء الذين يسقطون على الطرقات البعيدة كالذباب..
الأبرياء الذين يقتلون.. ولا ذنب لهم إلا أنهم بقية شعب مشرّد..
الأطفال الذين ينظرون إلى الغد بلا عيون.. ويبكون بلا آباء وأمهات…
والشيوخ الذين زرعوا.. ولم يأكل أحفادهم.. والأرض التي يحرّم عبيرها على فلاحها..
والقيد الذي يشد على زنودنا.. وأفواهنا..
والموت المعلق على سطور ورقة صفراء..
والكوفية البيضاء.. أروع ما خلّفه لنا التاريخ في متاحفه.. الكوفية التي تُهان..
والشعور بالغربة والعزلة في أرض الوطن..
والبيوت التي أصبحت أطلالًا.. ترتمي في جنباتها قطع صغيرة من خواب عتيقة.. وسناج داخون.. وبقايا رسوم صنعت من الطين على الجدران.. وسياج عتيق يقف كالقدر..
وأخبار الكفاح التي ينقلها إلينا المذياع ووجوه التاريخ التي تتغيّر..
كل هذه الأشياء.. الكبيرة والصغيرة.. ثروة خالدة لا تنضب.. يستمدّ منها الشعر أروع تجاربه وصوره وألوانه.. ويؤلف منها أبدع الملاحم إذا أتيح لها شاعر عبقري وفنان ماهر..).
والشعر الملحمي أو ما اعتاد النقد على تسميته بشعر القضية على هذا الأساس يصر على الاحتفاء بالقيمة النفعية للشعر خاصة، وللأدب عموما ما دامت قصدية التأثير والتغيير قائمة…
ولعل الذات الشاعرة المنطوية المنشغلة بفردانيتها وحساسياتها الأنوية؛ في المقابل لا تستطيع أن تنتج أدبا اجتماعيا إنسانيا يحتفي بالقيم الجمعية السامية في بحثه الدائب المتواصل عن الخلاص والانعتاق والحرية بمفاهيمها الكونية الشمولية. والشاعر / الإنسان لم يكن أبدا في وجوده “جزيرة” منقطعة عن أوصالها، بل كان دائم الانجذاب إلى الكليات.
وحتى إن انشغل بالفردانية والخصوصية؛ فهو يفعل ذلك في إطار جمعي يتغيى الاتصال عوض الانفصال… ويستهدف الاندماج عوض التنحي والتواصل بدل القطيعة، لأنه يعي أن وجوده إنساني محض وكينونته الخاصة لا تسمو ولا تحلق إلا إذا سما الإنسان وتحرر وانعتق…
لكننا بالمقابل لا ننزه هذا الشعر عن خاصياته الجمالية كشعر يتميز عن المقولات الاعتيادية بشكل مخصوص وبنية خاصة للصورة الفنية الشعرية تسمه بالإمتاع قبل التأثير.. فمحمود درويش – باعتبار مكانته في هذا الضرب من الشعر – حينما وجه إليه سؤال: كيف تكتب شعرا جميلا ؟؟ لم يجد إلا أن يجيب بعفوية ملهمة: أكتب شعرا جميلا لأنني أكتب عن قضية جميلة..
ولعل هذه النظرة إلى الشعر هي ما حاولت الشاعرة ربيعة الكوطيط استلهامها من إجابة محمود درويش في ديوانها”… ولو بعد حين”. بدءً بالعتبة التي آثرت تأسيسها على الإضمار والإحالة والتقدير بدل التخصيص والإظهار والتقرير… فجاءت – العتبة الغلافية – في الظاهر من بنيتها اللفظية فضلة دالة على التقليل، أما مُقدر عمدتها فجاز تقديره على القسم المقدر بعد لام بعدها مضارع في مثل قوله تعالى: (ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)… وعليه ولتحقيق نبوءة الشعر في التغيير ونشدان الأفضل يمكننا تقدير المحذوف على سبيل التمثيل ب: (ولنحققن التغيير ولو بعد حين) أو خلافه حسب تماهي القارئ مع النصوص الشعرية.
أما عن مجمل الديوان وما يتعلق بشعرية نصوصه فالشاعرة لا ترى في تحديث الشكل سوى وسيلة لتعميق المضمون وتفعيل محتواه، بحيث لا يتناقض أو يتعاكس مع المضمون القومي والإنساني للقصيدة… ما دام أن سمة الجمال في الشعر ليست تنميطا متعلقا بالجزء بل هي أساس الشعر في كليته وعموميته… واستشهادا على ما أسلفناه نقرأ من ديوان الشاعرة استهلال قصيدتها الموسومة ب “لأم الشهيد”:
يزحف كما الانقباض
يمتص الرحيق من الدماء
ليعلو الليل ..
أيتها الأم ارفعي عينيك للسماء
لرب السماء
اِمنحي من أمومتك شهوة الحياة
رتقي الجراح
لملمي الأشلاء …
فقد كان هناك يغزل أحلام الصبا
يخطو
ويخطو
ليسكن الضياء.
لنلاحظ أن الشاعرة على صعيد التنغيم قد أفادت من عامود الشعر العربي التقليدي لتحقيق القافية التي نراها بعيدة عن التصنع من مد الفتح كألف للتأسيس مانحة لغور صوتي ينفذ إلى الوجدان ويعلي رغبة القراءة الصوتية الجهرية لدى المتلقي، إضافة إلى كونه يدعم سلطة الهمز وانفصاله وتحرره النبري (الدماء.. السماء… الأشلاء…) وهذا الحس الصوتي الموسيقي طبعا تدعمه الشاعرة بالإفادة من التكرار اللفظي (السماء، السماء) وباستعارات متعلقة بالفضلة والمكملات الدلالية في الجملة الشعرية؛ ولا أظن مثل هذه الآلية الجمالية إلا إيمانا من الشاعرة بالمقولة النقدية الجارية: (الفضلة في العبارة هي ما يصنع الشعر وليس العمدة).
وواضح أيضا أن شعر القضية لابد أن يتميز بالمسحة الحجاجية ويفيد من آلياتها في تعميق الدلالة بقصدية التأثير والتغيير والتجاوز، وهو ما يظهر بجلاء في أبيات الشاهد أعلاه التي تنضح بمثل هذه الاستعمالات ك (فقد كان هناك) التي تعبر الشاعرة بها عن تأكيد الصورة الشعرية خارج التوكيدات المألوفة الجارية لتؤكد رؤيتها دلاليا بدل تأكيدها لفظا.. عدا ما قررته البلاغة العربية من حسن الاستهلال وجودة الطرح وحسن التشبيه والتخلص والختم للوحدة الدلالية وسهولة الانتقال بين الوحدات والصور الشعرية…
لكننا مجبرون والقارئ معنا على مجابهة فصل شعري ثان مضمن في ديوان “..ولو بعد حين” نميل إلى تصنيفه كديوان مستقل بآليات إنتاج مقوله الشعري، ومضامينه المنفتحة على الذات وأغوارها الوجدانية، وبلغته الاستعارية المتمنعة عن حدود القواميس والمتماهية مع المثاليات والمجردات.
وأول ملاحظات القارئ على قصائد هذا الشق من الديوان أنها تتبنى رغبات الإنسان الفوضوية المتمنعة عن الاتساق والتي لا تحدها حدود، بانفصالها عن العوالم الواقعية والاجتماعية التي ارتكزت عليها القصيدة المسكوكة فيما قبل الحداثة… أما ثانية الملاحظات فستقارب اعتماد الشاعرة في هذه القصائد على العوالم الغنائيّة الموغلة في الخيال والتمنع، التي تمتلك القدرة على الإبداع والتحطيم في آن واحد… فتصبح كل قصيدة روحا لا يمكن لأي كان أن يقيم فيها حدودا بين الشكل والمضمون والفنيات اعتبارا لكون كل قصيدة حالا جديدة نابعة ومتخلقة من رؤية جديدة هي الأخرى أملاها الحدس الشعري الخالص..كهذا الحدس الذي يبدأ كحالة انفعالية تنتهي بالكشف والتبصر، تقول الشاعرة في استهلال قصيدة: “سأنسحب”
هذا البحر ينسحب من أناملي
ليمتد في الغياب
هناك سأتكئ على وسادتي
ليملأني النحيب..
آه.. يا وجعي
يا وجع الكلمات تنهال كما الركام
أتيه في شتات الفردوس المفقود ..
هذه بعض المدخلات الجمالية – انتقاء وليس حصرا – مما آنسناه عبر قصائد ديوان: (… ولو بعد حين) من مفاتيح قرائية أردناها فاتحة للتأويل خصوصا وأن النصوص تمنح فضاء هاما للاحتمالات والاستنتاجات، ولم نردها بأي حال من الأحوال مقررة ولا حاجبة لمتعة التلقي..