إعداد مبارك أجروض
رغم الكلام الكثير عن الوصول إلى قمة الإصابات بCovid-19، وتسوية المسارات، وصعود أو هبوط أعداد حالات الإصابة، والعمل على إنتاج اللقاحات وإعادة فتح الاقتصاد تدريجيا، فإنه لا يمكن لأحد أن يقول عن يقين متى سينتهي خطر الفيروس، أو أنه لن يعود لاحقا بشكل أشد فتكا، وبالنسبة للذين يملكون ما أطلق عليه هنري جيمس اسم “خيال الكارثة”، من السهل جدا إدراك أن الفيروس سيبقى سنة أو سنتين أخريين، وربما ثلاث سنوات.
وأثار الوجود الكئيب للفيروس توقا إلى العودة “للحياة الطبيعية”، وأصبحنا نستخدم عبارة “الوضع الطبيعي الجديد”، رغم أنه لا يوجد شيء طبيعي مهما كانت جدته حول الظروف التي أحدثها الوباء، ولعل أبرز مظاهر الخلل هو الحضور الطاغي للأطباء في البرامج الإخبارية، وهذا الحضور الواسع مكن بعضهم من تحقيق الشهرة وأشياء أخرى، إن هؤلاء الأطباء ـ الذين تتنوع مجالات اختصاصهم؛ فبعضهم مختص في علم الأوبئة، وآخرون في علم المناعة، أو علم الفيروسات أو في الصحة العامة ـ يظهرون على شاشات التلفزيون ليغمروننا أحيانا بمعلومات أكثر مما يمكننا فهمه، يتحدثون عن النماذج والمنحنيات والأرقام والنسب المائوية، يخبروننا عن كل شيء باستثناء ما نريد معرفته: كيف بدأ Covid-19، وإلى أين يتجه، ومتى سينتهي ؟
رغم قيام العلماء في كافة أنحاء العالم بكشف الكثير من الأسرار والغموض المحيط بCovid-19، إلا أنه حتى الآن لا تزال هناك خمسة أسئلة كبيرة تحتاج إلى مزيد من الوقت للإجابة عنها، يعمل أطباء وعلماء العالم بأسره على مراقبة وتحليل ومكافحة Covid-19، ورغم ذلك ما زلنا نجهل جوانب واسعة منه بعد ثلاثة أشهر من ظهوره للمرة الأولى في الصين.
ثمة خمسة أسئلة أساسية لم تجد أجوبة بعد فيما يتعلق بCovid-19 والوباء العالمي الناتج عنه.
* أعراض متباينة للمرض
ثمة تباين شاسع في خطورة أعراض المرض بين المصابين به، فلماذا لا يتسبب Covid-19 سوى في أعراض طفيفة لدى 80% من المصابين به بحسب أرقام منظمة الصحة العالمية، في حين يقضي الالتهاب الرئوي على حياة الكثيرين في غضون أيام ؟ يقول ليو بون من كلية الطب في هونغ كونغ بهذا الصدد “تُظهر الأبحاث الجارية منذ فبراير 2020 أن الأعراض السريرية لهذا المرض يمكنها أن تكون متباينة جداً”. وعند ذروة انتشاره في الصين، قام الباحث مع فريق من جامعة نانشانغ بوسط البلاد بالمقارنة بين مرضى كانت إصاباتهم طفيفة ومرضى يعانون من أعراض حادة، ونشرت النتائج في مجلة “ذي لانست” الطبية البريطانية.
كشفت الدراسة أن الأشخاص الذين يظهرون أعراضاً بالغة هم “أكبر سناً بكثير” من ذوي الإصابة الطفيفة، وأن تركيز الفيروس في العينات المستخرجة من مسح الحلق والأنف “أعلى بحوالي ستين مرة” منها في عينات الفئة الأخرى من المرضى، فهل حدث ذلك بسبب ضعف الاستجابة المناعية بحسب العمر، أو نتيجة تعرض أوّليّ لكمية أعلى من الفيروسات ؟ أظهرت دراسات جرت على فيروس مختلف هو فيروس الحصبة أن خطورة المرض على ارتباط بجرعة التعرض الأوّلي للفيروس. فهل ينطبق ذلك على Covid-19 أيضا ؟
* الانتقال عبر الهواء
من المعروف أن Covid-19 ينتقل بالملامسة الجسدية وعن طريق الجهاز التنفسي. ويمكن التقاطه على سبيل المثال من خلال قطيرات اللعاب التي يقذفها شخص مريض حوله عندما يسعل. لكن هل يبقى الفيروس معلّقا في الهواء على غرار الإنفلونزا الموسمية التي يمكن أن تنتقل على شكل “رذاذ” محمول في الهواء ؟ هذه المسألة لم تحسم بعد. وقال خبير علم المناعة ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول فيروس كورونا المستجد أنتوني فاوتشي “لا يمكن أن نستبعد كليّاً فكرة أن يكون الفيروس قادرا على اجتياز مسافة معينة في الجو”.
وأثبتت دراسة أمريكية نشرت نتائجها في مجلة “نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين” أن Covid-19 يمكنه البقاء حيّاً في المختبر لثلاث ساعات على شكل جزيئات معلقة في الهواء. لكن من غير المعروف إن كان ذلك يلعب دوراً في انتقال العدوى. وعلقت رئيسة قسم الأمراض المعدية في مستشفى سانت أنطوان في باريس كارين لاكومب قائلة: “هل الفيروس موجود في محيطنا ؟ هل يبقى في الجو أو على السطوح لمدة طويلة ؟ هذا ما لا نعرفه. نعرف أنه يمكننا العثور على أثر للفيروس، لكن لا نعرف إن كان هذا الفيروس ينقل العدوى”.
* عدد من أصيبوا بالفيروس
هذا السؤال ينطبق على جميع سكان الأرض البالغ عددهم سبعة مليارات، فكم منهم أصيب بالفيروس ؟ باستثناء بعض الدول القليلة التي تبنت على وجه السرعة سياسة الكشف المبكر من خلال حملات فحوص مكثفة واسعة النطاق مثل كوريا الجنوبية وألمانيا حيث يمكن فحص نصف مليون شخص في الأسبوع، يبقى عدد المصابين المعروف تقريبيا إلى حد بعيد. وعلى سبيل المثال، قدرت الحكومة البريطانية في 17 مارس عدد الإصابات بـ55 ألفا، في حين أن أقل من ألفي شخص ثبُتت إصابتهم من خلال اختبارات الكشف. من الأساسي التوصل إلى معرفة مدى انتشار الوباء بدقة من أجل عزل حاملي الفيروس وتأمين علاج جيد لهم. وفي مرحلة ثانية، من المهم رصد الذين أصيبوا بالفيروس ويمكن الافتراض بأنهم اكتسبوا مناعة ضدّه. وهذا لن يكون ممكناً إلا مع جيل جديد من الفحوص هي الفحوص المصليّة التي ترصد البصمة المناعية التي تركها الفيروس في الدم.
* علاقة الطقس بنشاط الفيروس
هل يتلاشى وباء Covid-19 مع تحسن الطقس في النصف الشمالي من الأرض ويختفي مع عودة الحر ؟ يقول الخبراء إن هذا محتمل، لكنه غير مؤكد. فالفيروسات التنفسية من نوع الإنفلونزا الموسمية تكون أكثر استقراراً في الطقس البارد والجاف، ما يعزز إمكانية انتقالها. ولقد أظهرت دراسة أجراها أساتذة جامعيون في هونغ كونغ أن فيروس SARS الذي اجتاح آسيا في 2002-2003 متسببا في وفاة 774 شخصا، وهو من سلالة الفيروس المتفشي حالياً، يقاوم بشكل أقوى في درجات حرارة متدنية ونسب رطوبة ضعيفة.
ومن المنطقي في نظر بعض الخبراء الافتراض بأن الفيروسين لهما الاستجابة ذاتها للظروف الجوية. لكن دراسة جرت مؤخراً في كلية هارفرد للطب في بوسطن خلصت إلى أن “تبدل الأحوال الجوية (ارتفاع الحرارة والرطوبة مع حلول الربيع والصيف) لن يؤدي وحده بالضرورة إلى انحسار الإصابات ب Covid-19بدون اتخاذ تدابير صحية شديدة”.
* الأطفال و Covid-19
يبقى الأطفال أقل عرضة بكثير من البالغين للإصابة بوباء Covid-19. وإذا ما ظهرت عليهم أعراض، فتكون بصورة عامة طفيفة كالأعراض التي ذكرها فريق صيني في مارس في مجلة “نايتشر”، ومن أصل الأطفال العشرة المصابين ب Covid-19 الذين تناولتهم الدراسة، لم يظهر أي منهم أعراضاً خطيرة، بل اقتصرت الأعراض على ألم في الحلق وسعال وحمى خفيفة. ويظهر ذلك بجلاء أكبر لدى الأطفال الذين يقيمون مع أشخاص مصابين، إذ إنهم أقل عرضة بمرتين أو ثلاث مرات للعدوى من البالغين. لا أحد يعرف سبب ذلك، لكن الأمر نفسه لوحظ عند انتشار فيروس SARS في 2002-2003. ورغم ذلك تم الإعلان عن وفاة رضيعين أصيبا بالفيروس، وكانت الأولى في الولايات المتحدة والأخرى في المغرب، ولقد قالت كارين لاكومب ملخصة الوضع “ثمة أمور كثيرة لا نعرفها، وعلينا بالتالي أن نتحلى بالكثير من التواضع”.
تعليقات الزوار