الخدعة الكبرى في الاتفاق النووي بين ايران والدول العظمى

بقلم عبد الله الحمزاوي

        دخل الاتفاق النووي الموقع بين ايران والغرب حيز التطبيق وبذلك تكون العلاقات الايرانية مع الدول الغربية قد دشنت عهدا جديدا خلال سنة2016 يقوم على أساس الاعتماد المتبادل، وحسب القراءات الاستشرافية على المدى القريب فان ايران استطاعت الخروج من أزمة كبيرة مع الغرب جنَبت الطرفين أي مواجهة عسكرية في الوقت الراهن على الأقل.

 ويعود الفضل الى خبرة الديبلوماسية الايرانية ودورها المؤثر في القضايا الاقليمية، كما أن الاتفاق مكن ايران التخلص من العقوبات المفروضة عليها واسترجاع كثير من أموالها المجمدة في الخارج مقابل التزماها بمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وتوقيعها بشكل ارادي للبرتوكول الاضافي الملحق بالمعاهدة نفسها بالإضافة الى التزامات أخرى.

ان تحليل مضمون الاتفاق وبنوده على المدى البعيد يبين بشكل كبير عدم جدوى هذا الاتفاق على مستوى استمرار المكانة الاستراتيجية لإيران كقوة اقليمية، لأن رهان الدول الغربية ربما يركز على تغيير وظيفة الدولة الايرانية مستقبلا، كما أن الغرب يركز على مسألة أساسية من وراء الاتفاق وهي حرمان ايران من تطوير قدراتها العسكرية، وهذا ما يفسر تزامن العقوبات الأمريكية على المنظومة الصاروخية لإيران مع  دخول الاتفاق حيز التنفيذ، وفي المقابل ترغب الدول الغربية أن يكون جوهر الاتفاق ينصب على تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع، لأن الاتفاق بحسب رؤية الدول الغربية ولاسيما و.م.أ هو اتفاق مع المجتمع الايراني وليس مع القيادة وهذا ما فهم من خطاب أوباما بعد تنفيد الاتفاق مباشرة.

واذا كان الاتفاق يتيح لإيران العودة الى السوق الدولية فان هامش المصلحة يظل ضئيلا مقابل التنازلات المقدمة، فايران ليست دولة ذات اقتصاد يقوم على صادرات قوية، وحتى تلك المواد التي من المفترض أن تعول عليها ايران كالنفط والغاز الطبيعي فإنها تصطدم بمنافسين شرسين وربما خصوما في تصدير هذه المواد، مما يجعل الميزان التجاري أو الاقتصادي عامة لإيران يخضع لعدم التوازن أو العجز بلغة أدق، وفي المقابل ستكون ايران مجرد سوق جديدة تتيح للغربيين فرصة الاستثمار وتسويق منتجات طال ما انتظرها الشارع الايراني وهي استراتيجية ستلعب برأينا دورا في قلب وظيفة دور الدولة الايرانية على المدى المتوسط والبعيد. وسيبدأ الأمر بتدمير الأنموذج الصناعي الوطني الذي طالما عملت ايران على تطويره نتيجة المنافسة القوية التي ستواجهها المنتجات الايرانية الداخلية،  بما سيجعل مستقبل البلد مرهون بالغرب، كما أن تزايد الاستثمار والتواجد الأجنبي سوف تكون له عواقب وخيمة قد لا يتم الانتباه اليها حاليا، ومنها أن غالبية الشركات والمستثمرين الأجانب المتهافتين على السوق الايرانية تربطهم علاقات قوية بإسرائيل مما يجعل جزءا من أرباح الاستثمار الأجنبي يستفيد منها الكيان الصهيوني بشكل غير مباشر، وهذا ما يفسر عدم ممارسة اللوبي الصهيوني لأي ضغط حقيقي ضد الاتفاق، بل ان نظرة بسيطة الى كتابات الأكاديميين والبحثيين في اسرائيل توحي بأن هناك نوعا من القبول الحذر بإبرام الاتفاق بين ايران والغرب لأن السائد في الصالونات السياسية الغربية واسرائيل أن الاتفاق هو عمل يهدف الى منع امتلاك ايران للسلاح النووي وتجريدها من أي قوة تهدد الكيان الصهيوني، وحتى ما يثار في الاعلام ويتم ترويجه حول توجس اسرائيل من الاتفاق فان ذلك يبقى ضمن مجال الاستهلاك الاعلامي، بل لربما لعبت هذه الطريقة دورا محفزا للمسؤولين الايرانيين في عقد الاتفاق المذكور.

لقد نجحت الدول الغربية في تطوير مفهوم الحصار وطورته من حصار كلاسيكي يقوم على العقوبات وتجميد الأموال الى حصار ينبني على التقرب من الشعب الايراني وكسب وده عن طريق توفير وسائل الرفاه وايجاد فرص الشغل التي ستوفرها الشركات الأجنبية. وفي المقابل ستتطور المطالب الليبرالية المعتادة في انتقاد الطابع المغلق للنظام السياسي الايراني واجباره بواسطة المطالب الحقوقية على نهج سياسات تسمح بتقوية حقوق المعارضة السياسية، لأن تواجد الاستثمار الأجنبي غالبا ما يكون مقرونا بمطلب الاستقرار السياسي في أدبيات القوى الغربية. وهي كلها مسائل ستجعل النظام الايراني ينشغل بشكل كبير بالواقع الداخلي وهو ما سيؤدي الى تقلص نفوذ ايران اقليميا ودوليا، وأي محاولة للهروب الى الأمام أو التنصل من الاتفاق ستكون فرصة لتوجيه ضربة عسكرية تنهي النظام الايراني في شكله الحالي ولاسيما اذا ما تمكن الجمهوريون من نيل منصب الرئاسة في البيت الأبيض، أما اذا استمر الديمقراطيون في قيادة بلاد العم السام فان عملية انهاء النظام الايراني ستكون شبيهة بما تفعله السيجارة في جسم الانسان

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد