بقلم : صفاء ايت حوسى
المغرب بتعدده اللغوي والثقافي يعد جزءا لا يتجزأ من الارث المعرفي الإنساني ككل ، فقد عمد الى تدبير هذا التعدّد اللغوي ، بتحديد وظائف اللغة العربية واللغة الأمازيغية والعلاقة بينهما، وتدبير مسألة الهجة المحلية المغربية (الدارجة)، التي تعتبر منتوجا ثقافيا محليا بقوة الأشياء والذي تقاطعت فيه إلى أبعد الحدود اللغتيْـن. وبرزت من خلاله مقومات الرجل المغربي المتفرد بهويته وانتمائه الزاخر من موروث تقافي طابعه التنوع والانفتاح ،وحيث أن أية قراءة متأنية للدستور المغربي فيما يتعلق باللغة العربية و الأمازيغية ومعها القانون المنظّم للَّهجات المحلية أو المناطقية، يبقى الإطار التنظيمي والقانوني فقط . للإجابة عن السؤال المغربي المطروح في تاطير هدا الزخم المشترك من التنوع و التكامل الذي كان وسيظل حاضرا بين هذه المكوِّنات لتغني الهوية والشخصية الثقافية المغربية،
وحيث أنه يكفي الاطلاع على مقتطفات من الدستور المغربي المعتمد في يوليو 2011 ،والذي ينص على أن “.. المملكة المغربية دولة إسلامية، ذات سيادة كاملة، متشبِّـثة بوِحدتها الوطنية والتُّـرابية، وبصيانة تلاحم مقوِّمات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية – الإسلامية، والأمازيغية والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعِبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميّز بتبوُّؤ الدِّين الإسلامي، مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبُّث الشعب المغربي بقِـيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء”.
“تظل العربية، اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها وتنمية استعمالها. تعد الأمازيغية أيضا، لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مُـشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء. يحدِّد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكّن من القيام مُستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية.
تعمل الدولة على صِيانة الحسّانية، باعتبارها جزءا لا يتجزّأ من الهوية الثقافية المغربية الموحَّدة، وعلى حماية اللَّهجات والتعبيرات الثقافية المُستعملة في المغرب، وتسهَـر على إنسجام السياسة اللغوية والثقافية الوطنية، وعلى تعلّم وإتقان اللغات الأجنبية الأكثر تداولا في العالم، باعتبارها وسائل للتواصل والانخراط والتفاعل مع مجتمع المعرِفة، والانفتاح على مختلف الثقافات وعلى حضارة العصر.
يُحدث مجلس وطني للُّغات والثقافة المغربية، مهمَّته، على وجه الخصوص، حماية وتنمية اللغات العربية والأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، تراثا أصيلا وإبداعا معاصرا. ويضم كل المؤسسات المعنية بهذه المجالات. ويحدد قانون تنظيمي صلاحياته وتركيبَته وكيفيات سيره.”
وذلك فان التجربة المغربية تبقى من التجارب الرائدة عالميا في دسترة وتنظيم و ماسسة احترام التقافة والهوية المغربية بروافدها التعددية
ذلك ان الفصل الخامس من الدستور والذي اعتبر أن العربية هي اللغة الرسمية للدولة، التي تعمل على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها، وتعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء.
و استنادا إلى ذلك، فإن الدولة بجميع مرافقها من جماعات ترابية ومؤسسات عمومية تكون قد أطرت قانونيا هذا التنوع و نصت صراحة على استعمال اللغتين العربية و الأمازيغية في جميع تصرفاتها وأعمالها، و اعتمادها في التواصل الكتابي أو الشفهي مع المواطنين، وفي جميع حالات التواصل والتخاطب الكتابي والشفهي بأي وسيلة كانت مع المغاربة والأجانب، سواء داخل التراب الوطني أو خارجه، من قبل ممثلي الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والمرافق والإدارات العمومية التابعة بصفتهم هاته، في الحالات التي يكتسي فيها الأمر طابعا رسميا وعلنيا، فضلا على ما يتعين على الدولة القيام به من إجراءات وتدابير بغاية حماية اللغة العربية والأمازيغية وتطويرها وتنمية استعمالها، وفقا لقواعد الدستور،، ذلك أن اللغة الرسمية المقررة بنص دستوري تُعد مظهرا من مظاهر سيادة الدولة، في بعدها الثقافي والتاريخي ذي الامتداد الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وأن القول بخلاف ذلك يشكل تنازلا عن هذه السيادة في أبعادها المشار إليها، وانتهاكا لإرادة المواطنين المُجسدة بنص الدستور الذين اختاروا العربية والأمازيغية لغتين لمخاطبتهم من قبل الدولة وجميع المرافق العمومية الأخرى، هذا دون الانغلاق على الذات، لأن الحاجة للانفتاح على مختلف الثقافات بما تشتمل عليه من لغات، والحرص على تعلمها وتعليمها إلى جانب اللغتين الرسميتين، في إطار “توسيع وتنويع والمبادلات الإنسانية والاقتصادية، والعلمية والتقنية، والثقافية مع كل بلدان العالم” حسب ما ورد بديباجة الدستور،مما يكون المغرب قد نجح في تأطير المسألة الثقافية والارث الحضاري الضارب في العمق والهوية المغربية و ذلك بدسترة اللغتين الرسميتين والبحث والحفاظ وتطوير اللهجات وتطوير استعمالهم ،هذا النسق المتكامل مظهر من مظاهر الهوية المغربية ماضيا وحاضرا له امتداد تاريخي ذو بعد وطني مشروع.