ريتاج بريس :متابعة
في مداخلته، قرأ ذ. نصر الدين شردال بعض النّماذج من القصة المغربية القصيرة جدا، وحاول الكشف عن التّعالق النّصي واستقصاء الحدود الفاصلة والواصلة بين القصة القصيرة جدا والشعر…
وخلص إلى أن “القصة القصيرة جدا بالمغرب انتقلت من شعرية الموضوع إلى شعرية اللّغة والمشهد والكون القصصي، ثم شعرية الرّؤيا”، وأن رحلتها لا تزال “مشدودة إلى الضوء، إلى التّجريب والتجديد، منفتحة على الأجناس الأدبية والفنون والروافد المتعددة.”
كما خلص إلى التمييز بين أكثر من نمطين من الكتاب منهم: القصاصون الشّاعريون (برطال، بنساعود، البقالي…) والقصاصون الشّعراء (جمال بوطيب، أمجد مجدوب رشيد)…
وانتهى الناقد أيضا إلى أن القاص المغربي اعتمد على الشعر في بناء عوالمه النصية المتخيلة تعبيرا عن إيمانه بأن الشعر يستطيع أن يؤدي وظيفة ريادية يختلف بها عن سائر الفنون… يستطيع أن يكون مساهمة إيجابية في إيقاظ الوعي السّردي وتعميقه، يمكن أن يكون تاريخا للمستقبل ونبوءة له انطلاقا من واقع شاخص.
ويتجلى الشّعري في السّردي (الققج)، حسب شردال، في زوايا متعددة منها: الشعر موضوعا، الشّعر لغة ومعجما، ثم تناصا واستدعاء ومعمارا، وتصويرا ورؤيا…
وانتهى إلى القول، مع الأستاذ أحمد بوزفور: “الشعر قدر القصة القصيرة، والقصيرة جدا ومن الضّروري أن يقرأ القصاصون الشّعر، لأنّ القصة جنس أدبي يقتضي أن تكون رؤياه واسعة ودلالاته رحبة، رغم حجمه الصغير!
هذه هي القصة القصيرة جدا، حسب شردال، تحسب نفسها جرما صغيرا ولكنها كون شعري فيها انطوى العالم الأكبر.
وكان الناقد اعتبر في مداخلته أن “الشّعر والسّرد سيظلان متلازمين ومتداخلين يغذي كل واحد منهما الآخر ويستفيد منه، ويتشكلان من أجل ولادة أنواع جديدة كقصيدة النّثر مثلا، الّتي تجمع بين مكونات الشعر وإمكانيات السرد، ثم الرواية العربية الجديدة التي انفتحت على كل الأشكال، والقصة القصيرة التي أصبحت أقدر من الشعر على طرح أزمة الواقع ورصد ظواهر الحياة اليومية والإجابة عن الأسئلة الجوهرية التي يلقيها زمن الصّعود والهبوط العربي في مختلف القضايا. أما القصة العربية القصيرة جدا، فلعلّ التّعريف الأنسب لها ــ حسب سياق البحث ــ هي “حدث خاطف، لبوسه لغة شعرية مرهفة وعناصره الدّهشة والمصادفة والمفاجأة والمفارقة”.
ولتوضيح رؤيته، اعتمد الناقد مجموعة من المجاميع القصصية القصيرة جدا تنتمي إلى تجارب وحساسيات مختلفة وهي “أبراج” لحسن برطال، و”أقنعة” للقاص أمجد مجدوب رشيد، و”زخة ويبتدئ الشتاء” لجمال بوطيب، و”حائك العتمات” لعلي بنساعود، و”هو الّذي رآى” لحسن البقالي، وحاول من خلال مقاربتها الإجابة عن مجموعة من الأسئلة، من قبيل:
_ما حدود السّردي والشّعري في القصة المغربية القصيرة جدا؟
_ما ميكانيزمات وآليات الاشتغال الشّعري في القصة القصيرة جدا؟
_ما مدى الوعي النظري بالسردي والشّعري لكتاب القصة القصيرة جدا؟…
للتذكير، فإن تقديم هذه المداخلة، التي كان عنوانها: “الشّعر كهندسة جمالية للقصة القصيرة جدا: من شعرية الموضوع إلى شعرية الرّؤيا” تم خلال ندوة محورها “السردي والشعري في الققج: قراءة في نماذج مغربية” نظمت في إطار فعاليات الدورة الثالثة لملتقى فاس للققج الذي نظمته، أخيرا، جمعية مسارات للتنمية والمواطنة بشراكة مع جمعية أكورا للثقافة والفنون.